ما وراء التطبيع في وارسو

 

شكّلَ مؤتمر وارسو «لتعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط»، الذي عُقد على مدى يومين منتصف شهر شباط الجاري في العاصمة البولندية، محطة تحوّل في العلاقات العلنية بين بعض الدول العربية وإسرائيل. وعلى الرغم من أن المؤتمر كان موجهاً بشكل رئيسي لمناقشة خطر النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أن التطبيع بين مسؤولين عرب من السعودية والبحرين والإمارات وعمان واليمن والمسؤولين الإسرائيليين، كان علامة رئيسية لهذا المؤتمر.

وإلى جانب النقاشات حول النفوذ الإيراني في المنطقة، تضمن المؤتمر تصريحات أميركية متشددة تجاه إيران، وأيضاً تجاه حلفاء الولايات المتحدة الذين ما زالوا يمسكون عصا العلاقات مع طهران من المنتصف، خاصةً بعد أن أنشأت الدول الأوربية آلية للتبادل التجاري مع إيران بعيداً عن العقوبات الأمريكية، التي فرضتها واشنطن على مرحلتين منذ انسحابها من الاتفاق النووي في العام الماضي.

إلى جانب تلك النقاشات، حضرت العلاقات العربية مع إسرائيل بقوة، خاصةً أن مبعوث الرئيس الأميركي لمفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية جارد كوشنير، كان حاضراً في المؤتمر، وهو ما أوحى بأن التمهيد لمشروع «السلام» الذي يرعاه ترامب، والمعروف باسم «صفقة القرن» كان حاضراً أيضاً خلال أعمال المؤتمر. وفي مثل هذه الأوضاع، سيكون من المرجح أيضاً أن هناك صفقة أخرى بدأت بالتكون، تتضمن انخراط إسرائيل بشكل فاعل في مواجهة النفوذ الإيراني، مقابل موافقة دول عربية على رأسها السعودية على «صفقة القرن» تلك.

ولا تزال بنود هذه الصفقة غير واضحة المعالم حتى اللحظة، فقد صرح جارد كوشنير، مبعوث الرئيس الأميركي وصهره، أكثر من مرة أنه يتحفظ على بنود هذه المبادرة حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في نيسان المقبل. غير أن شخصية المبعوث، وهو ابن لعائلة رجل أعمال أمريكي مقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وداعم معروف لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى مقدمات تلك المبادرة، التي كان إعلان واشنطن اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل إحدى محطاتها، كلّها عوامل توحي بشكل شبه أكيد أن «صفقة القرن» هي عملياً دفعٌ للاعتراف بالأمر الواقع المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي المستمر وعمليات الاستيطان في مناطق الضفة الغربية، وانهاء أي أمل بالوصول إلى حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في المدى المنظور.

وبالعودة إلى مؤتمر وارسو، فقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي اللقاءات التي جرت خلال المؤتمر بـ«المنعطف التاريخي» وأضاف نتنياهو في تصريح للصحفيين على هامش المؤتمر: «في القاعة جلس حوالي ستون وزيراً للخارجية يمثلون عشرات الحكومات، ورئيس وزراء إسرائيلي ووزراء خارجية دول عربية بارزة، وتحدثوا بقوة ووضوح ووحدة غير عادية ضد التهديد المشترك الذي يشكله النظام الإيراني».

ويبدو أن حماس بنيامين نتنياهو هذا يستند إلى أرضية من وعود ومواقف عربية علنية أو ضمنية خلال المؤتمر، إذ التقى وزير الخارجية العماني على هامش المؤتمر، كما أنه جلس خلال انعقاد المؤتمر إلى جانب وزير خارجية اليمن، الأمر الذي اعتُبر رسالة من السعودية التي تدعم حكومة عبد ربه منصور هادي في اليمن.

بالمقابل، فإن المواقف الفلسطينية أجمعت على رفض شكل المؤتمر، الذي اعتبرته موجهاً للتخلي عن القضية الفلسطينية، وقد أطلق عدد من مسؤولي السلطة الفسلطينية ومنظمة التحرير تصريحات ضد المؤتمر، معتبرة إياه التفافاً على الفلسطينيين بهدف عقد اتفاقات مع الدول العربية. وقد قال صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إن مؤتمر «وارسو» حول الشرق الأوسط، محاولة لجعل الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية «واقعاً طبيعياً».

ولا يبدو أن الرفض الفلسطيني لهذه اللقاءات والتطورات سيغير من توجه دول عربية إلى مزيد من التطبيع مع إسرائيل، فقد ظهرت هذه الأخيرة خلال الأسابيع الماضية، بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من سوريا، بوصفها المحارب الأول لنفوذ طهران في المنطقة وتحديداً في سوريا. وقد ساهمت موجات القصف المتكررة التي نفذتها طائرات وصواريخ إسرائيلية على مواقع إيرانية عدة في سوريا، في تثبيت موقع تل أبيب في هذه المعادلة والترويج له، بوصفها بديلاً عن واشنطن إذا ما انسحبت الأخيرة من مواقع استراتيجية في سوريا.

من الواضح أيضاً أن إسرائيل تسعى إلى تحصيل مكاسب سياسية كبيرة، في مقابل مساعدتها للسعودية ودول الخليج على مواجهة الخطر الإيراني، إلا أن الواقع يقول إن الضربات الإسرائيلية وحدها لن تكفي، وإن غياب واشنطن عن الساحة سيؤدي إلى فراغ ستعود طهران لتملأه وإن بعد فترة، الأمر الذي يعني أن انعكاسات مثل هذا التحالف بين إسرائيل والسعودية والدول العربية التي تدور في فلك الرياض، لن يغير شيئاً في المعادلة على أرض الواقع، إلا في حالة اشتعال حرب واسعة في المنطقة، وهو أمر من المبكر الحديث عنه، على الأقل قبل نهاية شهر نيسان المقبل، الذي تزدحم فيه عدة مواعيد هامة، تبدأ من الموعد المعلن للانسحاب الأميركي من سوريا، مروراً بالانتخابات الإسرائيلية، ولا تنتهي عند الإعلان عن «صفقة القرن» بشكل رسمي.