ما يستطيعه جسد

إلزا دورلن (Elsa Dorlin) فيلسوفة ونسوية، ومدرّسة في جامعة باريس الثامنة. صدر لها العديد من المقالات، وعدة كتب عن السياسة والنظرية النسوية، آخرها كتابها الدفاع عن الذات، في فلسفة العنف، والصادر عن دار ديكوفيرت عام 2017 بطبعته الأولى، ومن ثم عام 2019  بطبعته الثانية. ونترجم منه فيما يلي التصدير الذي قدمت به الكاتبة مؤلفها بعنوان: ما يستطيعه جسد. تسترجع دورلن في كتابها أرشيفَ وتاريخَ نضالات مقاومة للعنف، نضالات في الدفاع عن النفس بمعناه الأول المحسوس والحيوي، أي الحفاظ على الحياة. وأرشيفها، الذي يحمل في طيفه أمثلة عن دفاعات مناهضة للعبودية أو الاستعمار، أو دفاعات نسوية ضد الاستباحة او القتل العنيف، هو «أرشيف أجساد»، كما تصفه، وليس أرشيف قوانين وأسئلة سياسية كلاسيكية، بمعنى أنها تتمسك بمقاربتها النسوية، حيث المعاش والشخصي والحميمي والجسدي البدنيّ سياسيٌ بالضرورة. تُفكِّك في كتابها آليات السلطة القمعية المتخفية وصعبة الإدراك، والتي تصنع بديهيات واختزالات، اختزالات عنصرية ونافية للشرعية عن الجسد المُعنَّف، بديهيات صعبة التبيان يتقاسمها الجميع حول من يحوز على شرعية الدفاع عن نفسه، ومن هو فاعلُ عنف صرف. وتستعيد في معالجتها الأرشيفية كل تجارب ما تسميه «الأخلاقيات القتالية للذات»، تلك اللحظات التي تدافع فيه الذات عن نفسها دون حسبان، تتجاوز الخوف من الفعل المدافع، الخوف على الآخرين وعلى النفس من انطلاقة الجسد الحيوية لحماية نفسه من العنف، حيث أن كل آليات السلطة، المخفية والعنيفة والشديدة التعقيد في تمثلاتها، مكرسة لشلّ هذا الفعل المدافع.  تستخدم دورلن في كتابها مقاربات نظرية، أهمها منظور فرانتز فانون، ومنظور ماركسي، وأفكار جوديث بتلر حول الحيوات المُعنَّفَة. أحببنا أن نترجم شيئاً من الكتاب يضيء لنا مساءلات راهنة حول كيف يمكن أن يتكرر نموذج رودني كينغ -الذي تستفيض الكاتبة في عرض حالته- في قضية جورج فلويد، ، علماً أن كينغ لم يفقد حياته عام 1991 بعد توقيف الشرطة له كما حصل في حالة فلويد؛ ومساءلات تتعلق بتطبيع آلة العنف في مُعاشات بلادنا، تجعل من ناشطة كويرية كسارة حجازي موضعاً لإشارة استفهام حول قيمة حياتها وإقدامها على فعل الانتحار.

*****

في الحادي عشر من برومير للسنة الحادية عشر، الموافق للثاني من نوفمبر تشرين الثاني لعام 1802، حكمت محكمة في الغوادلوب على ميليه دو لا جيرارديير بأن يُعرض في ساحة لابوانت ابيتر ضمن قفص من حديد حتى يموت. يمتطي السجين في القفص إياه صهوة نصل حاد، ترتكز قدماه على شيء يشبه رِكاب الحصان، وعليه أن يبقي ركبتيه مشدودتين دون ارتخاء كي لا يثخنه النصل الصهوة جرحاً. أمامه وفي متناول يديه، وُضع على طاولة ما يكفيه من ماء وشراب، إلا أن حارساً كُلِّفَ بمهمة منعه من أن يمس ما يشتهيه من الطاولة نهاراً وليلاً. حين تخور قوى السجين الضحية، يقع متهاوياً على النصل، الذي يغور في جسده مسبباً جروحاً فظيعة وعميقة. وعندما تحفز الآلام ذلك المنكود التعس، يعاود النهوض ليعود ويسقط على النصل المشحوذ الحاد المروّع، ويستمر هذا العذاب ثلاثة أو أربعة أيام.1

في ضروب التجهيزات هذه، يهلك المحكوم لأنه قاوم، لأنه جَهِدَ يائساً لأن يتجنب الموت. فظاعة عذابه تكمن في أن كل حركة يتجلد بها جسده ليحمي نفسه من الألم تتحول إلى تعذيب جديد، وربما هذا ما يميز مثل هذه الإجراءات من إفناء الجسد: أن يُجعَل كل منعكس للحفاظ على الحياة خطوة إضافية باتجاه الآلام والمعاناة الأكثر فظاعة. لا يتعلق الأمر بمناقشة السمة غير المسبوقة لهذا التعذيب، والذي لا يحتكره النظام الاستعماري الحديث قطعاً. يتواتر هذا المشهد، بسرديته المُستعيدة لفظاعته، مع قصة عذاب أخرى، قصة داميان2 كما يرويها كتاب المراقبة والمعاقبة3 في افتتاحيته، مع أن المرويتين مختلفتان تماماً. في حالة داميان، يُظهِر ميشيل فوكو أن العذابات التي أُوقِعَت على جسد داميان لم تكن تستهدف فردانيته بقدر ما تستهدف إعادة الاعتبار لسيادة إرادة الملك بكل جبروتها، كما كانت تستهدف إخضاع المجتمع، وهو الموضع الذي مسّت به جريمة داميان. طوال مسلسل التمثيل الفظيع بجسد داميان بواسطة الكماشات والمقصات والحرق بالرصاص المصبوب والزيت المغلي والشمع، ومن ثم الفسخ الأخير بواسطة الأحصنة، كان هذا الأخير مربوطاً ولا إشارة تفترض أنه «يستطيع»  القيام بشيء. بعبارة أخرى، فإن قوته لم تؤخذ نهائياً بعين الاعتبار، وبالتحديد لأنها لا تهم. فجسد داميان اختُزل إلى اللاشيء، هو نفسه لم يعد شيئاً، اللهم إلا بما يمثل مسرح آلامه، حيث تصاغ لُحمة الجماعة المنتقمة التي تنظم طقوس سيادة ملكها. يُستعرض في ذلك المسرح غياب القوة ليعبر عن عظمة السلطة المطلقة ذات السيادة.

في حالة عذاب قفص الحديد، فالجمهور كان ما يزال حاضراً، لكن ثمة شيئاً آخر على المحك في الاستعراض العلني للعذاب، إذ يبدو  أن التقنية المستخدمة تستهدف قدرة الفرد على الرد بغية التحكم به أفضل تحكّم. إن التجهيز القمعي، بالشكل الذي وُضِّبَ به، وفي الوقت الذي يستعرض ويستثير ردود الأفعال الجسدية والمنعكسات الحيوية للمحكوم، يجعل منها في آن القوة والضعف للفرد المحكوم نفسه. ليست السلطة القمعية بحاجة لتؤكد ذاتها مقابله، لأن تقدمه بصورة العجز المطلق، على العكس من ذلك، فكلما عُرضت القوة الذاتية فُرجَوياً، تلك القوة الذاتية في جهدها المكرر واليائس للبقاء على قيد الحياة، كلما تمكنت السلطة القمعية من قوة الجسد الذاتية عينها للمحكوم، وكلما سيطرت عليها، متخفية وراء صورة الحارس الجلاد السلبي والخلّبي. هذا التحكم المميت بالجسد يجري مع الاقتصاد في الوسائل والإمكانيات القمعية، حتى أن المُنكَّلَ به يبدو وكأنه يميت نفسه بنفسه. صُمِّمَ كل شيء ليبدو أنه يقاوم جسدياً النصل القاطع الذي يهدد بالتمثيل به حتى الموت. عليه أن ينتصب مستقيماً فوق الرِكاب، محبوساً في قفصه، ما يوحي بأن نجاته مشروطة بصحته (العضلية الجسدية، ولكن العقلية كذلك): عليه أن يبقى على قيد الحياة إن أراد إيقاف عذابه وعدم الموت. وفي الوقت عينه، تقنية التعذيب لا هدف لها إلا إنهاؤه، ولكن بشكل محدد هو التالي: كلما دافع عن نفسه كلما تكبدّ العذاب. في القوت الموضوع أمامه تتبدى كوميديا فظيعة مروعة، فالعذاب يلعب على فاعلية حركاته الحيوية، ويرمي إلى التحكم بها كلياً لتصفيتها على أحسن وجه، أي تصفية الاستجابات الحيوية. فكما أن الإعياء سيحمل المحكوم لأن يخرّ على النصل القاطع، كذلك الحاجة الملحاحة التي لا تطاق إلى الأكل والشرب ستكون صاعقة وقاتلة له. إضافة إلى ذلك، فأول نقطة احتكاك مع النصل في جسده ستكون دون أدنى شك أعضاءه الجنسية. يتم كل شيء كما لو أن التشفير الجندري للسلطة أُنجز تماماً: فالعضو الجنسي، دوناً عن بقية أعضاء الجسم، أصبح الموضع الأعظمي لقدرة الفرد على التصرف والفعل. حماية العضو الجنسي هو «حماية النفس»، والمسّ به أولاً هو كسر ما شُكّل به الفرد، ليس الفرد بالمعنى الحقوقي، بل الفرد «القادر».  

يَعتبر تجهيز الإعدام هذا أن من يخضع له «يمكنه فعل شيء»، وهو يستهدف ويحرض ويشجع بالضبط وثبة القوة وحلاوة الروح تلك ليستدعي الجسد في «لا فاعليته»، ليحوله إلى عجز. تقانة السلطة تنتج «فاعلاً» تُستثار قوة الفعل عنده ليطغى أكثر في خضمّ قهره وخضوعه: وقوة التصرف تلك، رغم أنها تتحول بكاملها باتجاه الدفاع عن الحياة، إلا أنها تتقلص لتصبح آلية موت في خدمة آلة الاعتقال الاستعماري. نرى هنا كيف أن آلة السيطرة ترمي إلى اضطهاد حركة الحياة، تستهدف ما هو عضلي في وثبة الحياة ودفقها. أبسط حركة للدفاع والحماية، أبسط حركة للحفاظ على النفس والحياة، توضع في خدمة إعدام الجسد عينه الذي يقاوم. القوة التي تُمارس ضغطاً على «قدرة» الفرد، القوة التي تعبر عن نفسها في وثبات الدفاع عن الحياة وعن النفس، تجعل من الدفاع عن النفس التعبير عن الحياة الجسدية، تجعل منه ما يصنع الذات، تجعل من الدفاع عن النفس «ما يصنع الحياة»4.  

من قفص الحديد، انتهاءً ببعض التقنيات الحديثة والمعاصرة في التعذيب5، من الممكن جداً تحديد الخط الناظم نفسه، نوع من التقنيات المشابهة التي يمكن تلخيصها بمقولة واحدة: «كلما دافعت عن نفسك أكثر، كلما عانيت أكثر وكلما سيصبح موتك محتماً أكثر». في بعض الظروف، ما يعنيه الدفاع عن النفس بالنسبة لبعض الأجساد هو المعادل للموت باستنفاذ الذات: القتال هو قتال عبثي، هو الهزيمة. هكذا ميكانيكية محتمة للفعل «البائس» سيكون لها تبعاتها على الأساطير السياسية (ما مصير مقاوماتنا إذن؟)، وعلى التصورات والتمثيلات حول العالم وما يعنيه، والتصورات والتمثيلات حول الذات (ما الذي يمكنني فعله إن كان كل ما أبادر به لأنقد نفسي يبوء بالفشل وينتهي بهلاكي؟). وقد تُعاش التجربة على هذا النحو، ليس بالمعنى الأول الحرفي، ولكن بمعنى الشك والقلق والخوف الذي يولده الإخفاق والخذلان، المقيدات وحدود الفعل والآثار العكسية، الأمر الذي يبدو حينها مؤسساً بمعنى أن هذه التجربة لم تعد متمثلة بالخطر الخارجي، بتهديد أو بعدو، على فظاعة كل هؤلاء، بقدر ما تتمثل في أثر المرآة لفعل وردة فعل المرء ذاته. إن أصالة هذا النوع من التقنيات يكمن إذاً في هذا الجهد الذي لا يرحم للاستبدان القسري لهذا البعد المميت لـ «قوة الذات الفاعلة»، والذي ينتهي بتجميد تلك القوة وتعليقها، ما من شأنه أن يكون المخرج الوحيد للحفاظ على الحياة؛ لتصبح تلك القوة بعدها تهديداً ووعيداً بالموت، في حين أنها تحاول أن تكون في حركة دفاع عن النفس في آن معاً. 

إن اقتصاد الوسائل والإمكانيات، الذي يجعل من المحكوم أو من الجسم المعنّف على العموم جلاد نفسه، هذا الاقتصاد يرسم ملامح الإنسان الحديث بطريقة سلبية. فهذا الأخير، وسنرجع لاحقاً إلى هذه النقطة، عُرّف بقدرته على الدفاع عن نفسه بنفسه، إلا أن هذه القدرة في الدفاع عن النفس أضحت معياراً للتمييز بين أولئك الأفراد الذوات من جهة، وأولئك ممن ينبغي اختزالهم وإنهاؤهم وتضليلهم ونزع الشرعية عن قدرتهم على الدفاع عن النفس، أولئك الذين سيتعرضون لخطر الموت بسبب أجسادهم المُدافِعة، لتلقينهم عجزهم عن الدفاع عن أنفسهم، «عجزهم» الجذري على أفضل ما يكون من تلقين. 

يصبح هنا ما تستهدفه السلطة وما تستدعيه إليها هو القدرة على الفعل، أكثر من الجسد نفسه. ما تفعله الحوكمة الدفاعية هو أنها تستنفذ، تحفظ وترعى، وتستثير وتقتل وفق آلية معقدة. تدافع عن البعض وتترك آخرين دون دفاع، وفق مقياس مُدرَّج بعناية. وما يعنيه تعبير «دون دفاع» ليس «ألّا يستطيع المرء ممارسة قوة ما» ولكن بالأحرى أن يختبر تجربة قوة الفعل التي لا تعد حركة استقطابية6.

لا شيء أخطر في الحياة من هكذا مواقف، حيث قدرتنا على الفعل تنقلب علينا لتصبح منعكس مناعة ذاتية. لم يعد الأمر يتعلق بإعاقة الأقليات، كما يُمارس القمع السيادي، ولا بتركها تموت دون دفاع كما في إطار السياسة الحيوية (البيوبوليتك). يتعلق الأمر بسوق البعض لأن ينهوا أنفسهم كفاعلين، باستثارة قوة الفعل عندهم ليهلكوا أنفسهم، لإنتاج أفراد كلما دافعوا عن أنفسهم، كلما تخربوا. 

لوس أنجلوس، 3 آذار مارس 1991. يتم إيقاف رودني كينغ، وهو سائق تاكسي، شاب أفرو-أميركي ويبلغ من العمر 26 عاماً. توقفه ثلاث سيارات وحوامة شرطة، انطلقت لمطاردته على طريق الأوتستراد بعد تجاوزه للسرعة المسموحة. وعند رفضه الخروج من سيارته، يُهدَّد بسلاح يُسدَّد على وجهه. بعد برهة قصيرة يطيع الأوامر ويتمدد على الأرض، يُصعق حينها بشحنات من مسدس «تازر»، وبينما يحاول النهوض ليحمي نفسه ويمنع أحد رجال الشرطة من ضربه، يُضرب بعنفٍ على وجهه وجسده بعشرات الهراوات، تُرك بعدها مكبلاً، فاقد الوعي، جمجمته وحنكه مشعوران في عدة مواضع، وجزء من فمه ووجهه مثخن بجراح مفتوحة وكاحله مكسور، قبل أن تصل بعد دقائق سيارة إسعاف لحمله إلى المستشفى. 

يتسنى وصف مشهد التنكيل برودني كينغ ثانية بثانية بفضل فيديو هاوٍ سجله شاهد عيان هو جورج هوليداي7، والذي التقط ليلتها من شقته المطلة على الأتوستراد ما يمكن اعتباره أرشيف الزمن الحاضر حول السيطرة السلطوية. بُث الفيديو ليلتها على أقنية التلفزيون ودار حول العالم. بعد عام، بدأت محاكمة رجال الشرطة الأربعة المتورطين مباشرة في جرم التنكيل برودني كينغ (في مكان توقيف رودني كينغ كان ثمة أكثر من عشرين شرطياً). بدأت المحاكمة بتهمة «الاستخدام المفرط للقوة»، أمام لجنة شعبية حُيّد منها محامو الدفاع الأفرو-أميركيين كلهم، (كان هناك بيض وأميركي لاتيني وصيني أميركي). وبعد شهرين من المحاكمة قررت اللجنة تبرئة رجال الشرطة. عند إعلان  الحكم، انطلقت انتفاضة لوس أنجلس8 الشهيرة. ستة أيام من الانتفاضة في المدينة. كانت محصلة اشتباك المحتجين مع قوى الأمن فيها حوالي 53 قتيلاً وأكثر من ألفي جريح من جانب المتظاهرين. 

بعيداً عن الحكم القضائي الذي يبيض حرفياً رجال الشرطة9، فإن سير النقاشات والإدلاء بالأسباب التي دفعت اللجنة إلى تبرئة المتهمين الأربعة هي الجوهرية هنا: تَلخَّصَ دفاعُ محاميهم بإقناع اللجنة بأن رجال الشرطة كانوا في خطر. بحسب المحامين فأولئك شعروا بالتهديد، ولم يكونوا يفعلون إلا الدفاع عن أنفسهم في وجه «عملاق» (كان طول رودني كينغ يصل إلى متر و90 سم)، وأنه كان يضربهم حتى وهو على الأرض ويبدو أنه كان تحت تأثير المخدرات التي جعلته «غير حسّاس للضربات». لاحقاً، وبعد عدة شهور، سيصرح رودني كينغ أثناء المحاكمة الثانية أنه «كان يحاول أن يبقى على قيد الحياة»10. إن قلب المسؤوليات هذا هو الرهان المركزي هنا. أثناء المحاكمة الأولى قدم محامو الشرطة وثيقة واحدة مفصلية واستندوا عليها، ألا وهي فيلم الفيديو الذي صوره جورج هوليداي. هو الفيلم نفسه الذي تلقاه عموم الناس كدليل جاهر على عنف ووحشية الشرطة، استخدمه المحامون ليبرزوا، على عكس ذلك، بأن رودني كينغ كان «مُهدِّداً» للشرطة. عرض الفيلم في قاعة الاستماع وشاهده المحلفون وعلّق عليه محامو قوى الأمن كمشهد دفاع مشروع عن النفس يظهر «هشاشة» رجال الشرطة. كيف يمكن أن يُفهم هذا البون الشاسع في التأويل؟ كيف يمكن لنفس الصور أن تعطي روايتين، وضحيتين على طرفي نقيض، وفق من ينظر إلى الفيديو: محلفٌ أبيض في قاعة استماع في محكمة أو مشاهد «عادي»11.

إنه السؤال الذي تطرحه جوديث بتلر في نصٍ كتبته بعد بضعة أيام من صدور الحكم. تلفت بتلر الانتباه، ليس إلى تفاوت التأويل لمحاكمة «من هو الضحية؟»، ولكن إلى الظروف التي يُقرر فيها من هم الأشخاص الذين سيحكمون بعد مشاهدة الفيديو إن كان رودني كينغ هو ضحية «لنشجة»12 أم أن رجال البوليس هم ضحايا الاعتداء. تعتمد بتلر منظوراً فانونياً (نسبة إلى فرانتز فانون) لتقدّر أن ما ينبغي أن يكون موضع التحليل النقدي ليس منطق الآراء المتناقضة حول المتهمين، ولكن إطار الحواس والإدراكات التي ليست بديهية ومباشرة، فلا ينبغي أن يُنظَر إلى الفيديو كمعطى خام، كمادة للتأويل، ولكن «كمظهر من مظاهر حقل الرؤية المتخم عرقياً»13. بمعنى آخر، فالاختزالية العرقية للحواس14 تعرّف إنتاج المحسوس المدرك وما يعنيه الإدراك الحسي في آن: «كيف يُفهم هذا القلب للبادرة وللنية بما يتعلق بالاختزالية العرقية لحقل المرئي؟15 هل يتعلق الأمر بانقلاب قيمة الفاعلية (إيجنسي) إلى أبستيم (épistème) مُعرقَن؟ وألا يطرح هذا الانقلاب السؤال حول إذا ما كان «ما يُرى» مرتبطاً جزئياً بما ينتجه المُدرَك المعرفي العنصري كمرئي؟هذه هي إذاً السيرورة التي ينبغي مُساءلتها، تلك التي من خلالها تُبنى الإدراكات الحسية اجتماعياً، وتُنتج عبر مدونة تتابع تقييد كل فعل معرفي ممكن16.  

يُنظَر إلى رودني كينغ إذاً، بمعزل عن  موقفه البائس وكل تعبير عن هشاشته، يُنظر إليه كجسد المعتدي، وهو يغذي «تهويمات الاعتداء عند العنصري الأبيض»17. ففي صالة الاستماع في المحكمة لا يمكن أن يُرى في عيون المحلفين البيض إلا كـ «فاعل عنف». كما كان يُسحل رجال من قدامى العبيد أو من سليلي عبيد في الشوارع، أو يُخرجون من زنازينهم أو بيوتهم، طوال الحقبة التمييزية العنصرية، بعد أن يُتهموا ظلماً باعتداءات جنسية، ثم يُعذبون ويُعدمون. وكما ينكَّل اليوم بمراهقين أو شباب من الأفرو-أميركيين ويقتلون في وسط الشارع. إن رؤية رودني كينغ كجسد معتدٍ هو الشرط، وبالوقت عينه الأثر، لـ«بارانويا بيضاء»18.

الصور لا تتكلم أبداً عن نفسها، وخاصة في عالمٍ تمثيلُ العنفِ فيه هو أحد المواد الأكثر شعبية في ثقافته البصرية19. في بداية فيديو هوليداي، نرى رودني كينغ واقفاً، وهو يتقدم باتجاه الشرطي الذي يحاول ضربه، وهو يدفع بذراعيه نحو الأمام: حركة الدفاع هذه ستُشاهد وتعتبر بشكل ممنهج كوضعية مهدِدة واعتداء موسوم. ويشرح كيمبرليه غرينشاو وغاري بيلير، أن التقنية التي استخدمها محامو رجال الشرطة لصنع دليلهم تلخصت في تقطيع الفيديو إلى توقفات للصور، والتي قدمت بعزلها الواحدة عن الأخرى مادة لتأويلات لا تنتهي. بتعديد السرديات المتناقضة حول مشهد أصبح مقطّعاً، ومعزولاً عن السياق الاجتماعي الذي أنتجه وتأتَّى منه، تمكَّنَ المحامون من تغبيش و«تقطيع»20 معنى الفيديو الملتقط بمجمله. وإن كان الفيديو بالنسبة لجزء من المواطنين (السود، ولكن ثمة أيضاً بيض) يمكنه أن يشكلّ دليلاً حاسماً على عنف ووحشية الشرطة، فإن المحامين في قاعة المحكمة استطاعوا الادعاء أن لا عنصر قاطعاً يدل على الاستخدام المفرط للقوة في الفيديو. الشرطة استخدمت العنف «استخداماً عقلانياً». اللحظة التي وصلت فيها شراسة الشرطة إلى أوجها، أي في الثانية 81 من التسجيل، أصبحت هي لحظة الدفاع المشروع قبالة ممسوس هائج.     

في دفاعه عن نفسه أمام عنف الشرطة، أصبح رودني كينغ ممن لا يمكن الدفاع عنهم. بعبارة أخرى، كلما دافع عن نفسه كلما ضُرب أكثر وكلما نُظر إليه كمعتدٍ أكثر. إن قلب معنى الهجوم والدفاع، الاعتداء والحماية، ضمن إطار يسمح بتثبيت أشكالها وفاعليها المشروعين، مهما كانت فاعلية بوادرهم، كل ذلك يُحوِّلُ الأفعالَ إلي سمات أنثروبولوجية، حتى أنه يحدد خطاً للون البشرة، ويميز بين الأجساد والمجموعات الاجتماعية المتشكلة. 

خط الانقسام هذا لا يفصل بشكل واضح بين الأجسام المهدِدة المعتدية وبين تلك المدافِعة. إنه يفصل بالأحرى بين أولئك الفاعلين (فاعلي الدفاع) وأولئك الذين يختبرون قدرة فعل سلبية حيث لا يمكنهم أن يكونوا إلا فاعلي العنف «الصرف». 

وهكذا، فإن رودني كينغ ككل رجل أفرو-أميركي توقفه شرطة عنصرية، يُعرّف كفاعل ولكن فقط كفاعل عنف، كذات عنيفة، وكل مجال فعل آخر هو مقصى تعريفاً. جُعل الرجال السود مسؤولين دائمين عن العنف هذا. هم سببه ونتيجته. البداية والمنتهى21. من وجهة النظر هذه، فقد صُنفت منعكسات الحماية عند رودني كينغ وحركاته غير المنسقة ليبقى حياً (يخابط بذراعيه، ويحاول النهوض، ويجثو على ركبتيه)، صُنِّفَت وكأنها حركات تحكمٍ كاملٍ من قبله، وكأنها تشي بـ«نيّةٍ خطرة»22، وكأن العنف لا يمكنه أن يكون إلا الفعل الإرادي الأوحد للجسد الأسود23، ما من شأنه أن يمنع عنه كل دفاع مشروع. إن من شأن حصر الفعل العنيف غير المؤهِل وغير المؤهَل، وقوة الفعل السلبية، بمجموعات بعينها تعتبر مجموعات «خطرة»، أن يمنع إدراك عنف الشرطة كاعتداء. وبما أن الأجساد التي جُعلت أقلية هي مصدر خطر وفاعل لكل عنف ممكن، فإن العنف الذي يُمارس باستمرار عليها، بدءاً من عنف الشرطة والدولة، والذي لا يمكن أن يُرى بقذارته، يبقى عنفاً ثانوياً، حامياً، دفاعياً، ردة فعل وجواباً مشروعاً. 

لقد أظهرنا، في حالة القفص الحديدي، من جهة كيف أن تكنولوجيا السلطة، وباستهدافها لقدرة فعل الجسد كانت تحول القدرة إلى عجز (كلما قاتل المرء للهروب من المعاناة، كلما اقترب من الهلاك بسبب قتاله)؛ ومن جهة أخرى أظهرنا كيف يصبح الدفاع عن النفس الذي يبذله المرء للنجاة منكراً بشكل لئيم. يصبح الدفاع عن النفس مستحيل التطبيق للجسد المقاوم. في حالة رودني كينغ يظهر عنصر آخر، لا يعود الأمر يتعلق بقدرة الفعل، فما في المحك هو أيضاً الصفة الأخلاقية والسياسية، الاعتراف بالأفراد «بالمعنى الحقوقي»، بالأحرى بالأفراد وحقهم في الدفاع عن أنفسهم أو لا. لا يمكن أن يُنظَر إلى كينغ كجسد يدافع عن نفسه، ينظر إليه مبدئياً وقبلياً كفاعل للعنف. فإمكانية الدفاع عن النفس هي امتياز حصري لأقلية مسيطرة. في حالة لنشجة رودني كينغ، لا يُنظر إلى الدولة وممثليها من الأذرع المسلحة على أنها عنيفة، هي تُعتبر صاحبة ردة فعل على العنف، تدافع عن نفسها ضد العنف. بالمقابل، وبالنسبة لرودني كينغ، ولكن بالنسبة لكل الأجساد أيضاً من ضحايا رطانة الدفاع المشروع، فهو كلّما دافع عن نفسه أكثر كلّما أصبح ممن لا يمكن الدفاع عنهم. 

كان يمكن لميليه دو لاجيرارديير أن يدافع عن نفسه، ولكن بدفاعه كان ينزع عنه الدفاع. دافع رودني كينغ عن نفسه، ولكنه بدفاعه أصبح ممن لا يمكن الدفاع عنهم. ها هنا منطقان للإخضاع، يلتقيان في تذويت الأفراد تذويتاً بائساً. هذان المنطقان هما ما يسعى هذا الكتاب لالتقاطه. في مواجهة تكنولوجيا السلطة التي لم تستثمر يوماً أكثر مما تستثمر في منطق الدفاع هذا لتؤمن ديمومتها. 

من هنا، يمكننا محاولة الإحاطة بطريقة من طرائق السلطة، ما سأسميه «الطريقة الدفاعية». كيف تعمل وتسير؟ إنها تعمل باستهداف ما ينبئ بأنه قوة، اندفاعة، حركة استقطابية للدفاع عن النفس، لتدعّم للبعض مساره، وامتداده بإطارٍ يشرعنه، أو على العكس تعيق للبعض الآخر تَحققه، أو حتى إمكانيته الكامنة، جاعلة من الاندفاعة شيئاً غير مؤهل أو خطراً، مهدِداً للآخرين وللذات. 

هذه الطريقة الدفاعية ذات الحدّين تخط خطاً فاصلاً واضحاً بين أفرادٍ جديرين بالدفاع عن أنفسهم وبين أجسادٍ حوصرت ضمن تكتيكات دفاعية من جهة أخرى. لا تعود لتلك الأجساد الهشة، والتي يمكن تعنيفها، إلا ذواتٌ عزلاء. هذه الذوات التي تُضبط بالعنف لا يمكنها أن تعيش أو أن تنجو إلا بقدر ما تتزود بتكتيكات دفاعية. هذه الممارسات البديلة هو ما أسميّه الدفاع عن النفس بالمعنى الحرفي للكلمة، كنقيض للمعنى الحقوقي للدفاع المشروع. على عكس هذا الأخير، فالدفاع عن النفس، للمفارقة، ليس له ذاتٌ فاعلة، أعني أن الذات الفاعلة التي يُدافَع عنها هنا ليست موجودة قبل هذه الحركة التي تقاوم العنف الذي يستهدفها. بهذا المعنى، ينتمي الدفاع عن النفس إلى ما أقترح تسميته «الأخلاقيات القتالية للذات» ( éthiques martiales de soi ).

إن تحديد هذه الطريقة الدفاعية السلطوية في مواقع انطلاقها، في ظروف استعمارية، من شأنه أن يسائل الاستحواذ الاحتكاري للعنف الذي مارسته الدول التي تطالب بالاستخدام المشروع للقوة البدنية. أكثر من كونها نزعة احتكارية، يمكننا أن نطرح فرضية اقتصاد امبريالي للعنف الذي يدافع، وللمفارقة عن أفراد معترف بهم أصلاً كجديرين بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. هذا الاقتصاد يحفظ شرعية بعض الأفراد لاستخدام القوة البدنية، ويمنحهم قدرة الحفاظ على الذات وقدرة قضائية (إحقاق العدل بأنفسهم)، ويمنحهم رخص للقتل. 

ولكن الرهان هنا ليس فقط التمييز الجوهري بين «الأفراد المدافع عنهم» و«الأفراد دون دفاع»؛ بين الأفراد المشروعين للدفاع والأفراد غير المشروعين (والذي يصيرون بذلك ممن لا يُدافَع عنهم)، هناك أيضاً عتبة أكثر دقة وأقل وضوحاً، إذ ينبغي إضافة أن حوكمة الأجساد هذه تأتي على مستوى العضلة. موضوع فن الحكم هو السيالة العصبية، والانقباضة العضلية، وتوتر الجسد كبدن، وإفراز الهرمونات؛ ففن الحكم إياه يُعمل على ما يستثير البدن أو يثبطه، ما يتركه يعمل أو يصدّه، ما يحتويه أو ما يحرّضه، ما يهدئ من روعه أو ما يجعله يرتجف، ما يجعله يضرب أو لا يضرب.  

الانطلاق من العضلة بدل الانطلاق من القوانين من شأنه، دون شك، إزاحة المنظور الذي تمّت فيه أشكلة العنف ضمن الفكر السياسي. يركز هذا الكتاب على اللحظات التي تم فيها العبور إلى العنف الدفاعي، اللحظات التي لم يبد لي أنها يمكن أن تُدرك من خلال تحليلات سياسية وأخلاقية تركز على أسئلة «الشرعية». في كلٍ من تلك اللحظات، لم يكن للعبور نحو العنف الدفاعي رهان آخر سوى الحياة: ألا يُقتل المرء مباشرةً. يُفكَّر بالعنف البدني في هذا الكتاب كضرورة حيوية، كبراكسيس مقاومة. 

تاريخ الدفاع عن النفس هو مغامرة استقطابية، لا تفتأ تضع في المواجهة تعبيرين متضادين للدفاع عن «النفس»: التقليد القضائي-السياسي المهيمن للدفاع المشروع، والمرتبط بكوكبة من ممارسات السلطة متعددة الأوجه في وحشيتها من جهة، والتاريخ  المطمور لـ «الأخلاقيات القتالية للذات» من جهة أخرى، الأخلاقيات التي عبرت الحركات السياسية والسلوكيات المتمردة المعاصرة، مجسدة بذلك استمرارية، مثيرة للعجب، للمقاومة الدفاعية التي صنعت قوتها. 

أقترح في الكتاب التعريج على تاريخٍ تراكمي من الدفاع عن النفس. ورسم خطوط هذا المسار لا يختزل بالانتقاء من أمثلة شهيرة، بل بالأحرى بالبحث عن ذاكرة للنضالات يشكل فيها جسد المقهور والمهيمن عليه الأرشيف الأساسي: المعارف والثقافات التوفيقية لدفاع العبيد عن أنفسهم، براكسيس الدفاع النسوي عن النفس، أو تقنيات القتال التي طورتها في أوروبا الشرقية تنظيمات يهودية لمناهضة التطهير (البوغروم)..

بفتح هذا الأرشيف، والذي يضم سرديات أخرى، لا أدعّي عملاً تاريخياً، ولكني عملت بالأحرى على تدوين شجرة عائلة. في هذه السماء المعتمة هناك كوكبة من النجوم تلمع لأن لها أصداء وعناوين ووصايا واقتباسات، تصل بخطٍ يكاد لا يُدرك، وحميمي، بين مختلف النقاط المضيئة تلك. فالنصوص المؤسسة المكونة لفلسفة النمور السوداء (Black Panther Party for Self Defense) تحيي ذكرى المنتفضين في غيتو وارسو؛ ودوريات الدفاع عن النفس للكوير ورد ذكرها واقتباسها في تقرير لحركات سوداء في الدفاع عن النفس؛ الفنون القتالية للجو-جيتسو التي مارستها النساء الإنكليزيات الأناركيات الأمميات السوفرجيات24 لم تتيسر لهن فعلياً إلا بفعل السياسة الإمبريالية التي التقطت معارف ومهارات من المستعمَرين، ومن كونهم عزّل دون سلاح. 

وقد كوّن تاريخي الشخصي وتجربتي الجسدية الموشور الذي رأيت من خلاله وسمعت وقرأت هذا الأرشيف. ثقافتي النظرية والسياسية أورثتني فكرة مؤسِسة مفادها أن علاقات السلطة لا يمكن أن تُحسم في مكانها في معارك جماعية وجهاً لوجه، ولكنها تمس تجارب معاشة من الهيمنة في حميمية غرفة نوم، أو في زاوية مخبأة في ميترو أو وراء السكينة الظاهرية لاجتماع عائلي… بعبارة أخرى، بالنسبة لبعضهم ولبعضهنّ، مسألة الدفاع عن النفس لا تتوقف عندما تتوقف لحظة التعبئة السياسية، ولكنه تجربة معاشة باستمرار لظواهرية العنف. هذه المقاربة النسوية تلتقط على الخط الناظم لعلاقات السلطة ما كان يُفكَّر به على أنه خارج السياسة أو ما دونها. وهكذا، بالانزياح الذي أُجريه في المقاربة، آمل العمل ليس على مقياس الذوات السياسية المنجزة، ولكن على مستوى تسييس الذوات: في اليومي؛ في حميمية انفعالات غضب مكظوم في دواخلنا؛ في وحدة تجارب العنف المعاشة التي في مواجهتها نمارس الدفاع عن النفس دون انقطاع، ودون أن نعطي لهذه التجارب وسمها كدفاع عن النفس. ماذا يفعل العنف لحيواتنا كل يوم، لأجسادنا وعضلاتنا؟ وما الذي يمكن لنفس الأجساد والعضلات أن تفعل أو لا تفعل ضمن العنف أو بواسطة العنف؟ 

  • 1. Joseph Elzéar Morénas, Précis historique de la traite des noires et de l’esclavage colonial, Firmin Didot, Paris, 1828, P.251-252.
  • 2. داميان، بالإحالة إلى روبير فوانسوا داميان، وهو رجل حاول الاعتداء على لويس الخامس عشر فقبض عليه وعُذّب، وكان آخر المحكومين الذين يقع عليهم حكم الفسخ في النظام القديم في فرنسا (المترجمة).
  • 3. Michel Foucault, Surveiller et Punir, Paris, Gallimard, 1975.
  • 4. Judith Butler, Ce qui fait une vie. Essai sur la violence, la guerre et el deuil, Paris, Zones éditions, 2010
  • 5. انظر إلى مقدمة Grégoire Chamayou, Kubark, le manuel secret de manipulation mentale et de torture psychologique de la CIA, Paris, Zones éditions, 2012
  • 6. يعرف جورج كانغيليم الحياة بأنها «بعيدة كل البعد عن أن تكون لا مبالية وغير معنية بالشروط التي تصنعها»، وهو ما يعرّف تماماً مفهوم القطبية: الحياة هي قطبية أو هي نشاط قطبي. انظر: Le normal et le pathologique, PUF, paris, 1966, p.78-79
  • 7. الفيديو متوفر على اليوتيوب ويمكن مشاهدته هنا
  • 8. نطلقت عام 1965 حراكات واتس. انظر Mike Davis, Dead cities, Verso, Londres, 2006 والذي تُرجم جزء منه في Les Héros de l’enfer, Textuel, Paris, 2007 مع مقدمة كتبها دانييل بنسعيد.
  • 9. جرت محاكمة ثانية في شباط فبراير 1993 على مستوى المحكمة الفيدرالية بدعوى انتهاك الحقوق المدنية لرودني كينغ، وحكمت بـ32 شهراً من السجن مع النفاذ لشرطيين من أصل الأربعة المتورطين في حفل التنكيل ليلة 3 آذار 1991 وبُرئ اثنان. أثناء هذه المحاكمة، أقرّ القضاة بأن رجال الشرطة تصرفوا ضمن الإطار القانوني لوظيفتهم خلال الدقائق الأولى للتوقيف، واعتبروا أن الضربات الأولى التي أوقعوها على رودني كينغ كانت مبررة كردة فعل على السلوك المتمرد لهذا الأخير، وسيدانون فقط على الضربات غير المفيدة اللاحقة.
  • 10. انظر Seth Mydans, New Yorker Times, 10 mars 1993
  • 11. أستخدم عمداً هذا التعبير، «عادي»، لأن جورج هوليداي هو أبيض، وبذلك استوجب الدخول في تحليل لتحرك «الرأي» الوطني والعالمي فيما يتعلق برودني كينغ. ما يهمني هنا هو البعد الأدائي للهوية العرقية التي تنتجها صالة الاستماع في المحكمة وزمنية المحاكمة من بين أشياء أخرى.
  • 12. أحببت أن أعرّب مفردة Lynchage لـ «لنشجة»، وعدم الاكتفاء بمفردة تنكيل أو سحل، وهو بالمناسبة المعنى المستخدم مجازياً حالياً في اللغات الأجنبية، إلا أن المعنى الأول للكلمة مرتبط بشارل لينش، أحد القائمين على فرق «الحراس» أثناء الحرب الأهلية الأميركية، التي كانت تعمل على إحقاق "العدالة" دون الرجوع إلى جسم قضائي رسمي، تقوم بإعدام السود شنقاً دون محاكمتهم (المترجمة).
  • 13. Judith Butler, “Endangered/ Endangering: schematic racism and white paranoia” , in Robert gooding-Williams (dir.), Reading Rodeny King/ Reding Urban Uprising, Routledge, New York/ Londres, 1993, p.15-22; p. 15.
  • 14. المقصود من الحواس هنا النظر، للتدليل على مشاهدة الفيديو (المترجمة)
  • 15. المرجع نفسه، ص. 16
  • 16. على سبيل المثال وللتوضيح، يحاول المؤلفون في دراسة نُشرت في Journal of Health and Social Behavior عام 2005 وبناء على دراسة عيادية إظهار أن الأفرو-أميركيين يشعرون بالغضب أكثر من البيض ومصادرهم الداخلية لإدارة انفعالاتهم بشكل «مقبول اجتماعياً» أقل. انظر J.Beth Mabry and K.Jill Kiecolt, « Anger in Black and whites : Race, Alienation and Anger », journal of Health and Social Behavior, vol. 46, n°1, 2005, p.85-101. إن تأكيدات كهذه تندرج ضمن إنتاج أوسع لعلوم عنصرية تُجدد باستمرار، خاصة في علم الأمراض النفسية، وفي علم النفس وفي علم النفس الاجتماعي.
  • 17. Judith Butler, “Endangered/ Endangering: schematic racism and white paranoia” p.20
  • 18. نفس المرجع، ص.16
  • 19. في الحقيقة، ما يعطى صفة الدليل انطولوجياً، في الجهاز القضائي هو تركيب سردي: وبالتالي التسجيل أو الفيديو ليس حقيقة منجزة يجب التقاطها ولكنها شيء مرئي وقابل لأن يكون دليلاً.
  • 20. Kimberlé Grenshew et Gary Peller, « Real Time/ Real Justice” يتحدث الكاتبان عن تقنية سردية تتلخص بالتقطيع.
  • 21. Judith Butler, “Endangered/ Endangering: schematic racism and white paranoia” p.20
  • 22. هي العبارات التي استخدمها رجال الشرطة في جلسة استماع أثناء المحاكمة الأولى.
  • 23. إن إضفاء صفة العنف على الموضوع الذي يقع عليه العنف هو الآلية التي تلخص العنف وهو ما يجعل نظر ورؤية اللجنة متواطئة مع العنف الشرطي، Judith Butler, “Endangered/ Endangering: schematic racism and white paranoia” p.20
  • 24. السوفرجيات أو المصوّتات هو تجمع نسائي، الاتحاد الاجتماعي السياسي النسائي، أسس في بريطانيا عام 1903 للمطالبة بحق النساء في التصويت وقد حصلن عليه عام 1928. طرائقهن في الفعل السياسي كانت قائمة على الاستفزاز والتمرد على الطاعة. وانسحبت التسمية على كل الحركات النسائية في العالم التي تطالب بحق المرأة بالتصويت.