متظاهرو السويداء وتحديات الاستمرار

 

أصدر «شباب الحراك السلمي» في السويداء بياناً يوم أمس الأحد، أعلنوا فيه أنهم سيعودون إلى المظاهرات، وذلك بعد أيام من توافقهم على التهدئة إثر اعتقال النظام السوري عدداً من المتظاهرين، وتقديمه وعوداً بالإفراج عنهم شريطة توقف المظاهرات، وهي الوعود التي أخلّت بها «اللجنة الأمنية» التابعة للنظام، بعد أن قررت إحالة سبعة من المتظاهرين المعتقلين إلى العاصمة دمشق، وإحالة ثلاثة آخرين إلى القضاء في السويداء نفسها.

وكانت مظاهرات متتالية قد خرجت في المدينة خلال الأسابيع القليلة الماضية، طالب فيها المتظاهرون بالحرية وإسقاط النظام وإيقاف الفساد والنهب، ما دفع نقاشات ساخنة إلى الواجهة، في أوساط السوريين عموماً حول دور المدينة في الثورة وموقف أهلها من النظام، وبين أهالي السويداء بشكل خاص حول صبغة هذا الحراك ومطالبه.

مظاهرة في مدينة السويداء تطالب بإسقاط النظام

ويشير من تحدثنا إليهم من النشطاء إلى أن التهدئة كانت ضرورية لإعادة تقييم الموقف، وذلك بعد اللحظات العاصفة التي مرت في المدينة إثر الحراك المفاجئ وتداعياته، على خلفية المطالب والشعارات الجذرية المرفوعة فيه، التي استعادت هتافات الثورة السورية، وعلى رأسها الشعارات المطالبة برحيل الأسد ونظامه.

في حديث لها مع الجمهورية، قالت ناشطة في الحراك من المدينة، رفضت ذكر اسمها لأسباب أمنية، إن «أكبر شريحة في المظاهرات التي خرجت في السويداء هي شريحة الشباب، وهي التي نادت في الغالب بمطالب جذرية تصل إلى إسقاط النظام، خلافاً للشرائح الأكبر سناً، التي تطالب بتحسين الظروف المعيشية، ولا تتبنى في الغالب لهجة صدامية. وقد خلق هذا شرخاً أو اختلافاً في الآراء في حراك السويداء اليوم». مضيفة أن «الحراك كان يتوسع قبل التهدئة التي كان الهدف منها إخراج المعتقلين، وكان عنف النظام يتوسع معه، إلى جانب مساعي احتواء التظاهرات من جانب رجال الدين، الذين يحذرون من أن المظاهرات قد تؤدي إلى إطلاق يد أجهزة النظام الأمنية في المدنية، ما قد يعني سوق آلاف الشبان إلى الخدمة العسكرية منها بعد أن كانت تتمتع بنوع من الحصانة يقيها من حضور أجهزة النظام الأمنية الكثيف والمباشر فيها».  

وأوضحت الناشطة أن «مظاهرات السويداء كانت عفوية وغاضبة، ولا تحمل رؤية واضحة وليس لها حاملٌ سياسي بعد، إلا أن هناك حديثاً عن ضرورة توحيد المطالب، فيما لا يزال الحراك متعدد الرؤى والآراء حتى الآن، ولا نعرف إن كان هذا سيتغير لاحقاً».

وكانت محافظة السويداء قد شهدت موجات مستمرة من الحراك على مدار السنوات التسع السابقة، وعن هذا تقول الناشطة والأكاديمية سوسن أبو زين الدين إنه «لم يمر عام على السويداء دون أن تشهد حراكاً لأسباب مختلفة. في 2011 و2012 خرجت مظاهرات فيها ضمن سياق الثورة العام، ثم حين انقسمت الخريطة السورية إلى مناطق نظام ومعارضة بدأ حراك السويداء يأخذ طابعاً خاصاً. وقد تجلّى ذلك مع حركة رجال الكرامة، ثم الحراك الذي حصل مع اغتيال عدد من رجال الكرامة وعلى رأسهم وحيد البلعوس، وإسقاط تمثال حافظ الأسد في 2015. حتى الحراك المحلي، الذي حصل على خلفية المواجهات مع داعش واتهام النظام بعدم حماية المدينة، وهو الحراك الذي لم يحمل شعارات الثورة بشكل مباشر، لكنه كان جزءاً من صراع المدينة الخاص مع النظام. ثم جاءت مؤخراً مظاهرات حركة بدنا نعيش مطلع العام الجاري، التي رفعت مطالب معيشية اقتصادية دون أن ترفع شعارات مناوئة لنظام الأسد بشكل مباشر، والتي يبدو واضحاً أن القائمين عليها فاعلون أيضاً في حراك اليوم. ذلك فضلاً عن الأعمال الاحتجاجية المتفرقة الدورية خلال هذه الأعوام كلّها، التي تجلّت في وقفات احتجاجية متنوعة وأعمال غرافيتي وما إلى هنالك».

تضيف أبو زين الدين أن «حراك اليوم يُعدّ استثنائياً لأنه رفع سقف المطالب إلى الحد الأقصى، وأغلب محركيه من الشبان والجيل الجديد، وانتقلت فيه المطالب الجذرية من الهامش إلى المتن ليدور النقاش حولها»، لافتة إلى أنه «رغم وجود كل هذه المعطيات في مظاهرات السويداء اليوم، إلا أن هناك شعوراً بالقلق من تحميلها ما يفوق طاقتها. لا شك في أن ما حدث كان باعثاً للأمل، وأعاد تدفق الأدرينالين في أجساد معارضي النظام، إلا أن هذا الحماس قد يكون حائلاً دون التفكير في ما لا يستطيع حراك العشرات أو المئات فعله في المشهد السياسي السوري اليوم، خصوصاً مع وجود جدال داخل الحراك أصلاً حول هويته، وفي أي اتجاه يجب أن يسير».

من جهته، يقول الناشط المدني سامر المصفي من أبناء السويداء، إن الحراك «كان مفاجئاً بسقف مطالبه المرتفع، واحتاج النظام وقتاً لامتصاص الصدمة التي سبّبها. فالأيام الأولى لم تشهد مواجهات تُذكر، ثم بدأ النظام بتحريك مؤيديه واعتدت قواته على المتظاهرين واعتقلت بعضهم، وسعى لاستفزاز المتظاهرين لتبرير العنف ضدهم».

وأوضح مصفي أن «هناك تبايناً في الآراء ووجهات النظر لدى جميع الفاعلين في السويداء اليوم. فالنظام مرتبك في طريقة تعامله مع المحتجين، وظهر ذلك في طريقة التعامل مع المظاهرات، ثم في سوقه المعتقلين بدايةً إلى سجن مدني في السويداء، وهو الأمر الذي اعتُبر محاولة منه لامتصاص الغضب، ثم في إعلانه أمس تحويلهم إلى دمشق ما فُسِّرَ على أنه موقف تصعيدي منه»، مضيفاً أن «الفاعلين في الحراك أيضاً يمكن تقسيمهم  إلى ثلاث فئات، الشابة التي تمتلك مطالب جذرية، والمعارضة التقليدية الخائفة من العواقب، وفئة ثالثة هي التي تطالب بتحسين الوضع المعيشي لا أكثر».

يتابع المصفي القول إن المؤسسة الدينية، التي يعول عليها النظام في السيطرة على الشارع، ويعول عليها جزءٌ من الشارع في حمايته وإخراج معتقليه «منقسمة بدورها إلى ثلاثة تيارات، الأول يمثله حكمت الهجري الذي يُعتبر أكبر المشايخ نفوذاً وهو رجل النظام بشكل واضح، والثاني الذي يمثله يوسف الجربوع الذي يُعتبر براغماتياً إلى حد ما، والثالث الذي يعتبره البعض متعاطفاً إلى حد ما مع الحراك ويمثله حمود الحناوي. هذه التقسيمة لا تغير موقف المؤسسة العام المقرب من النظام بالطبع، ولكن يجب الإضاءة عليها لفهم الديناميكية التي تحركها». مشيراً إلى أن «الفاعل الديني الرابع هو حركة رجال الكرامة التي لم تتخذ موقفاً واضحاً حتى الآن من الحراك، والتي لا يرغب الحراك السلمي في تدخلها، إلا أن ثمة شكوكاً في أن النظام يسعى إلى استدراجها للمواجهة المسلحة معه، بهدف فرض واقع يكون فيه هو الأقوى».

يقول المصفي في ختام حديثه: «وسط كل هذه التباينات والملامح المختلفة، يجب في رأيي العمل على ما يستقطب أكبر عدد من الناس في الحراك، لا على ما ينفرهم أو ما يؤدي إلى انفضاضهم. فاقتصار المظاهرات على العشرات أو المئات يقلل من فاعلية الحراك وقوته، وربما كان سقف الشعارات المرتفع سبباً في تردد الكثيرين بالمشاركة. علينا الاستفادة مما حصل في سوريا خلال الأعوام السابقة، واستغلال نقاط القوة الموجودة في مشهد اليوم لصالح الشارع، ومنها التغطية الإعلامية الكثيفة، ووجود مزاج عام غاضب من النظام، يبدو الشارع فيه أكثر قابلية لفكرة الاحتجاج خلافاً للأعوام السابقة، وذلك بسبب الأوضاع المتردية التي وصلت إليها البلاد اليوم».