متظاهرو لبنان يتمسّكون بساحاتهم

 

قال المتظاهرون اللبنانيون في ساحة الشهداء في بيروت يوم أمس «ثورة... ثورة»، وذلك بعد انتهاء كلمة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، التي أعلن فيها إقرار موازنة عام 2020 مع خطة إصلاحية ركزت على المؤشرات المالية والنقدية، في مقابل إهمال كامل للجوانب السياسية والاجتماعية العامة. وتضمنت الخطة بنوداً عدة أبرزها رفع ضريبة الأرباح على المصارف، وتخفيض رواتب أعضاء مجلس النواب والوزراء، وعدم فرض أي ضريبة جديدة على المواطنين اللبنانيين. وقال الحريري في كلمته إنه يؤيد إجراء انتخابات برلمانية مبكرة إذا كان هذا مطلب المتظاهرين، مؤكداً أن من واجب الدولة حماية المحتجين وضمان حقهم في التظاهر السلمي، غير أن هذه العبارات لم تفلح في تغيير وجهة النظر العامة الرافضة لخطة الحريري، إذ أعلن المتظاهرون في سائر المدن اللبنانية إصرارهم على مواصلة التظاهر حتى إسقاط الحكومة وإنجاز تغيير حقيقي في النظام السياسي.

وكانت محاولة إقرار ضرائب جديدة على اللبنانيين هي الشرارة التي فجرت المظاهرات منذ مساء يوم الخميس السابع عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، إذ خرج عشرات آلاف المحتجين في سائر أنحاء لبنان مطالبين بإسقاط النظام كاملاً؛ «كلن يعني كلن». ويعاني معظم اللبنانيين من أوضاع اقتصادية ومعيشية شديدة السوء، نتيجة الفساد الحكومي ونظام المحاصصة الطائفية والضرائب المرتفعة وتردي الخدمات العامة، وهو ما أوصل البلاد إلى نقطة الانفجار التي تم التعبير عنها في تظاهرات غير مسبوقة من حيث انتشارها على الجغرافيا اللبنانية، تخللتها صدامات مع قوى الأمن اللبناني يوم الجمعة الفائت قرب القصر الرئاسي في بعبدا وقرب السرايا الحكومي في وسط بيروت.

ويهيمن تحالف حزب الله مع التيار الوطني الحر بزعامة رئيس الجمهورية ميشيل عون وصهره جبران باسيل على الحكومة اللبنانية، التي تشارك فيها معظم التيارات السياسية الرئيسية في البلاد، بما فيها تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري رئيس الحكومة. وتشكو سائر الأطراف من هيمنة حزب الله والتيار الوطني الحر على القرار الحكومي، وهو ما منحها هامش مناورة حاولت من خلاله التنصّل من المسؤولية عن الأزمة الراهنة، على غرار ما فعل الحريري عندما حاول في كلمته الأولى يوم الجمعة الفائت تحميل المسؤولية لـ «الشركاء في الحكومة»، مانحاً إياهم مهلة 72 ساعة للموافقة على ورقته الإصلاحية، غير أن جميع محاولات التنصّل هذه تصطدم بإصرار المتظاهرين اللبنانيين على توجيه هتافاتهم ضد الجميع دون استثناء.

وأول أمس الأحد، أعلن سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبناني، استقالة وزراء حزبه من الحكومة، داعياً وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط إلى الاستقالة، وقال «إذا تأخرنا أعتقد أن الآتي أسوأ، وأدعو رئيس الحكومة إلى الذهاب لـ(تشكيل) حكومة جديدة». أما الحزب التقدمي الاشتراكي، فلم يستقل وزراؤه من الحكومة حتى الآن، رغم أن زعيمه جنبلاط كان قد قال إن «تغطية حزب الله على رمز الاستبداد الحكومي جبران باسيل يجب أن تتغير، وبعض الوزراء من بينهم باسيل يجب أن يتنحوا»، وهو ما أعطى انطباعاً بأنه قد يتخذ خطوة مماثلة لخطوة سمير جعجع.

التيار الوطني الحر، وعلى الرغم من هيمنته التي لا تخطئها عين على الحكومة، حاول أيضاً المناورة والاستفادة من التركيبة المعقدة للسلطة في لبنان خلال اليومين الأولين، حتى أن وزير المهجرين غسان عطا الله قال في تغريدة له إن «صرخة الشعب المقهور هي ملاقاة لمشروع رئيس الجمهورية»، في محاولة لتجنب مواجهة الحشود الغاضبة، والقول إن الفشل الحكومي ناتج عن عرقلة الأطراف الأخرى وليس عن سلوك تياره، إلا أن الغضب على «العهد» وزعيميه عون وباسيل كان أكبر من أن يتم التلاعب به، وهو ما جعل التيار بكل رموزه وأركانه خصماً واضحاً لا لبس فيه للمتظاهرين في الشارع.

وعلى الرغم من أن المظاهرات رفعت شعار «كلن يعني كلن» منذ لحظتها الأولى، وشملت في الجنوب اللبناني مهاجمة مكاتب لنواب عن حركة أمل وحزب الله على حد سواء، إلا أن المتظاهرين في اليومين الأولين تجنبوا غالباً ذكر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في هتافاتهم الغاضبة التي طالت الجميع بمن فيهم نبيه بري زعيم حركة أمل. غير أن حسن نصر الله ظهر في كلمة يوم السبت الماضي، مخاطباً المتظاهرين بنبرة متعالية، معتبراً أنهم يضيعون وقتهم وأنه «لا استقالة للحكومة في لبنان اليوم»، وهو ما دفع بهتاف «كلن يعني كلن... نصر الله واحد منن» إلى الواجهة، وأعطى انطباعاً بأن حزب الله قد يتحرك لقمع المتظاهرين بنفسه إذا ما تواصلت المظاهرات بعد إعلان الحريري عن خطته الإصلاحية.

وقد بدأت الملامح الأولى لهذا المسار تظهر منذ يوم السبت، عندما قمعت عناصر حزبية مسلحة يُعتقد أنها تابعة لحركة أمل وحزب الله تظاهرات في النبطية وصور، كما تحرك المئات من أنصار حزب الله وحركة أمل يوم أمس الإثنين رافعين رايات الحزب والحركة في بيروت، مطلقين هتافات مناهضة للمتظاهرين. وقد تحركت أعداد منهم فعلاً بالدراجات النارية باتجاه ساحات التظاهر، وهو ما كان ينبئ باحتمال وقوع صدامات لولا تدّخل عناصر من الجيش اللبناني، وقيامهم بتفريق أنصار حزب الله وحركة أمل، فيما نقلت وسائل إعلام عديدة عن مصادر في الجيش اللبناني قولها إن الجيش لن يقف على الحياد في حال تم الاعتداء على المتظاهرين في أي منطقة لبنانية.

التهديد باستخدام العنف وسفك الدماء مع إعلان خطط إصلاحية؛ هي الخلطة نفسها التي تستخدمها الأنظمة القمعية في مواجهة كل ثورة أو انتفاضة أو حركة احتجاجية، لكن يبقى أن هناك فارقاً رئيسياً في لبنان، يتمثل في أن أركان السلطة يخوضون صراعاتهم البينية في الوقت نفسه الذي يخوضون فيه صراعهم مع الحركة الاحتجاجية، وهو ما يترك مساحات واسعة للحركة أمام المحتجين، ويحمل في الوقت نفسه مخاطر تشتيت المتظاهرين وربما الانجرار إلى صراع طائفي، هو الفزاعة الرئيسية التي يستخدمها أركان السلطة اللبنانية بشكل مباشر أو غير مباشر في وجه المتظاهرين.

في مواجهة هذا الواقع المعقد، يبقى أن سؤال التنظيم هو السؤال الرئيسي الذي يواجه المحتجين، الذين يحتاجون إلى تنظيم صفوفهم وإفراز متحدثين باسمهم، بالإضافة إلى الصمود الضروري في ساحات التظاهر. وقد تداول المتظاهرون في اليومين الماضيين عدة أوراق توضح مطالبهم التي تركز على استقالة الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية وفق قانون انتخابات جديد، أما الورقة الإصلاحية التي قدمها سعد الحريري في كلمته يوم أمس، ومعها سائر المواقف المتنوعة التي أعلنها السياسيون اللبنانيون، فإنها تُواجَه بموقف واضح وبسيط من كل المتظاهرين «ثورة... ثورة» و«كلن يعني كلن».