مثلث برمودا

 

بعد اعتراف جهاز الشاباك بتعذيب الأسير الفلسطيني أسعد أبو غوش، أصدرت المحكمة العليا في دولة الاحتلال الاسرائيلي قراراً في نهاية العام الماضي يقول إن التعذيب مشروعٌ بحجة وقف «عمل إرهابي وشيك». كان هذا القرار سابقاً من نوعه، إذ أنه صدر بعد 18 عاماً من حكم المحكمة ذاتها بعدم مشروعية استخدام «الضغط البدني المعتدل»، المصطلح المُستخدم لتغليف التعذيب، من قبل الشاباك خلال التحقيقات.

ما اعترف به جهاز الشاباك، وهو جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، وأيدته المحكمة، هو استخدام تقنيات الـ Enhanced Interrogation سيئة الصيت. واكتسبت هذه التقنيات شهرة واسعة إبّان استخدامها رسمياً من قبل جهاز المخابرات المركزية للولايات المتحدة CIA على المعتقلين بعد هجمات 11 أيلول 2001، وقد استخدمت بتفويض من أعلى المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة العدل. تتضمن هذه التقنيات التعذيب، المعاملة الوحشية والإذلال.

ينحدر الأسير أسعد أبو غوش من مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين في مدينة نابلس، وهو عضو في حركة حماس. عند اعتقاله عام 2007، قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال أخيه الأكبر أمجد أيضاً، وخلال عملية الاعتقال قامت قوات الاحتلال بتفجير منزل أبو غوش وعرقلت وصول سيارات الإطفاء إلى المنزل المستهدف المحترق. ومن الجدير بالذكر هنا أن أمجد كان قد اعتُقِلَ قبل ذلك من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية، وتم تعذيبه هناك مما أدى إلى موت أجزاء من عصب يده.

ومع أن استخدام التعذيب من قبل الشاباك كان قد مُنع رسمياً من قبل المحكمة العليا عام 1999، إلا أن المحكمة في ذلك الوقت أيدت تقنيات «الضغط البدني المعتدل» في حالة التعامل مع «القنابل الموقوتة»، أو في حال «وجود فرصة للكشف عن، ووقف هجوم وشيك». خلال 18 عاماً من صدوره، لم يصدر تفسير واضح لمصطلح «الضغط البدني المعتدل»، ما يعني فعلياً أنه تُرِكَ لضباط الشاباك ليقوموا بتحديده وتفصيله على هواهم. كذلك حكمت المحكمة أن المحققين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في حال تم استدعائهم للمحاكم جنائية بسبب استخدامهم «وسائل بدنية» خلال التحقيق بهدف «إنقاذ حياة إنسان»، يمكن أن يستفيدوا من «دفاع الضرورة» في «الظروف الملائمة». مع ذلك، لا يوجد في القانون الاسرائيلي أي تشريع صريح يحظر التعذيب. ومع أن القانون الاسرائيلي يحظر استخدام القوة والتهديدات خلال التحقيقات، لم تتم محاكمة، ناهيك عن إدانة، أي محقق في أجهزة الأمن الاسرائيلي لارتكاب هذه الانتهاكات.

على الرغم من استصدارها لذلك القرار، لم تكلّف المحكمة نفسها عناء البتّ في مشروعية وسائل التحقيق التي استخدمها جهاز الشاباك في تحقيقاته قبل القرار. ومع أخذ القرار وحيثياته بعين الاعتبار، يمكن الاستنتاج بسهولة أن دولة الاحتلال اضطُرت إلى قوننة التعذيب، ولم تكن هناك نية على الصعيد السياسي أو القانوني لإيقافه، بل على العكس من ذلك سنّت تشريعات لتعزيز حصانة المتورطين في هذا النوع من الجرائم.

قبل هذا القرار بحوالي عقد ونصف، أمسك جهاز الشاباك فلسطينيين وأخذهما إلى منطقة مهجورة بغرض إعدامهما ميدانياً، وتم ضربهما بالحجارة والعصي الحديدية حتى الموت، في مشهد يستحضر مشاهد أخرى مماثلة في القبح للشبيحة الأسديين، وهم ينهالون ضرباً على سوريين بالأدوات نفسها حتى الموت.

عمدت حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى إنكار ممارسات التعذيب قبل هذه الجريمة، بالرغم من الإشارة بأصابع الاتهام لها باستخدام التعذيب من قبل العديد من المنظمات الحقوقية، لكن بعد ثلاثة سنوات من الجريمة والفضيحة التي تلتها، تحديداً عام 1987، اضطُرت لفتح تحقيق وشكّلت لجنة عُرفت بلجنة لانداو، التي استخلصت أنه في بعض الحالات «لا يمكن تجنب ممارسة الضغط الجسدي المعتدل». كان هذا اعترافاً من حكومة دولة الاحتلال بعمليات التعذيب وتشريعها. كانت الرسالة واضحة، ممتلئة بالحقد والدماء: لن نتوقف عن التعذيب، ولو انكشفنا فإننا سنقونن الجريمة. كان قرار اللجنة الحكومية هذا قد صدر في الشهر الذي سبق اندلاع الانتفاضة الأولى.

عُرفت الواقعة وقتها بـ Bus 300، وكان من المتورطين فيها شيمون بيريس وإسحاق شامير، اللذين عمدا على إخفاء حقيقة ما حدث، وتبادلاً منصبيّ رئيس الوزراء ووزير الخارجية بعد انتخابات 1984 نتيجة تحالف معراخ (الذي تحول إلى حزب العمال لاحقاً) مع حزب الليكود، حتى أن رئيس دولة الاحتلال (وهو منصب فخري) في ذلك الوقت حاييم هرتصوغ قدم عفواً رئاسياً. وإلى اليوم، يصرّ جهاز الشاباك على إخفاء المعلومات المتعلقة بالقضية.

في عام 2011، أصدرت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في اسرائيل المعروفة باسم بكاتي PCATI، وأطباء لأجل حقوق الإنسان، تقريراً مشتركاً بعنوان «تطبيب الطبيب، تجاهل الضحية». يتحدث التقرير عن مشاركة عاملين في المجال الطبي في التعذيب وسوء المعاملة في دولة الاحتلال، ويذكرُ طبقات الحماية التي يتمتع بها المحققون في أجهزة الأمن الإسرائيلية ومن بينها: سرّية هوية المحققين؛ إعفاء المحققين من التوثيق الضروري للتحقيقات الجنائية بالصوت أو بالفيديو؛ إنشاء نسختين مكتوبتين عن كل تحقيق إحداهما مُتاحة تحتوي لغة مخففة ومقتضبة عن مجريات التحقيق والأخرى موسّعة ومفصّلة وسرّية؛ دعمُ النظام القانوني وبالأخص المدعي العام ومدعي الدولة (على سبيل المثال لم يُفتح تحقيق جنائي بخصوص التعذيب أو المعاملة السيئة على الرغم من ورود أكثر من 700 شكوى بهذا الخصوص منذ عام 2001)، بل إن أي دعوى تصل إلى المدعي العام تتم مشاركتها مع المسؤول عن شكاوى التحقيقات في أجهزة الأمن الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك، فإن قانون وكالات الأمن الإسرائيلية ينصّ على أن العامل في هذه الأجهزة «لا يتحمل أي مسؤولية جنائية أو مدنية عن أي فعل أو إغفال يقوم به بحسن نية وبشكل عقلاني في نطاق أدائه لوظائفه». يتكلم التقرير أيضاً وبشكل مفصّل عن تواطؤ العاملين في المجال الطبي مع أساليب التحقيق المتبعة من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية.

تحدثت بعض التقارير مؤخراً عن تواطؤ في ملف التعذيب بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، فبعض الأسرى الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم على يد السلطات الفلسطينية، تمّ اعتقالهم أيضاً من قبل الشابك بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم، حيث تسلّم الشاباك ملفاتهم جاهزة مع الاعترافات التي انتُزِعَت تحت التعذيب. مع تحوّل السلطة الفلسطينية لأداة سحق تابعة للاحتلال تجاه المناضلين الفلسطينيين، يصبح ملف الأسر والتعذيب أكثر تشابكاً، ويفتح نافذة عن المشروع الذي يجمع بين سدنة التعذيب في المنطقة.

لا ينفصل ملف التعذيب والإفلات من العقاب في دولة الاحتلال عن مجريات منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، فالتمادي السلوكي المخفي ثم الفضائحي المعلن والمقونن في انتهاك حقوق الفلسطينيين كان مؤشراً من المؤشرات الأولية التي التقطتها أنظمة القمع والإرهاب المحلية في الإفلات من العقاب: نحن إذن نستطيع أن نقوم بذلك، وبشكل علني. كشفت الدولة الأسدية عن قسم من الفظائع التي ارتكبتها في زنازينها، عن إعدام آلاف الأسرى في سجون الدولة الأسدية، بوقاحة فضائحية، ممعنة في البرادة والارتياح، مكتفية بتوزيع الأسماء على سجلات النفوس المدنية التابعة لها. تبدو الدولة الأسدية مرتاحة أيضاً وهي تعرف ضمنياً أنها ستُفلِتُ من أي عقاب آتٍ، تماماً كما أفلتت دولة السحق الإسرائيلية من العقاب على مدى عقود.

في الوقت الذي تفرج فيه الدولة الأسدية عن أسماء بعض شهداء مذبحة السجون المستمرة بكثافة منذ اندلاع الثورة السورية، تزور قيادات السلطة الفلسطينية دمشق، وتصرّح بدعمها للنهج الأسدي بشكل فضائحي على أطلال الوطن السوري، وعلى ركام عاصمة الشتات مخيم اليرموك. وليس مُستبعداً أن يكون الوفد قد زار أيضاً فرع فلسطين التابع للمخابرات السورية ليبارك المذبحة ويشرف عليها بنفسه. صرّحَ عزام الأحمد رئيس الوفد منظمة التحرير الفلسطينية إلى دمشق بأنه ارتاح بشدة لكل ما سمعه ورآه خلال زيارته لدمشق، وتزامنَ تصريحه مع نبأ استشهاد نيراز سعيد المصور الفلسطيني في زنازين مخابرات الأسد. من بين آلاف الشهداء السوريين الذين قضوا بالطريقة نفسها، هناك أكثر من 500 أسير فلسطيني قُتلوا بدم بارد ومباركة رسمية فلسطينية.

هذا الثلاثي يحكي الكثير عن المجريات السياسية في منطقتنا: دولة الاحتلال، الأسدية (وأشباهها) والسلطة الفلسطينية. يبدو الثلاثي نقاط ارتكاز لمثلث برمودا الذي يبتلع ويدمّر أبناء المنطقة وأحلامهم بالحرية والكرامة والعدالة والاستقلال. وإذا اختلفت الأدوار التي يلعبها هذا الثلاثي في هندسة القتل وتشريعه، من قويّ مؤسِّس مُحصّن دولياً إلى توابع محليين يتقاسمون أدوار الإرهاب، فإن سقوط أحد زوايا المثلث كفيلٌ بإلحاق ضرر رهيب بالزاويتين الباقيتين.