محاولة ثانية للكتابة عن برلين

يحاول هذا النص استكمال ما لم يُنجر قبل بضعة أشهر

احتفلت برلين قبل أيامٍ قليلة، في التاسع من تشرين الثاني الجاري، بالذكرى السنوية لانهيار جدارها. وعلى اعتبار ذكرى هذا العام خاصّة، كونها تختم ثلاثة عقودٍ مرّت على الحدث الأبرز في تاريخ المدينة المعاصر (وتاريخ ألمانيا ككل)، غصّت ساحات المدينة ومراكز تسوّقها باحتفالات موسيقية واستعراضية، وأكشاك ومعارض، وغيرها من الفعاليات. وقد كان من الملفت أن تلقى المعارض الفوتوغرافية المتوزّعة في عدّة ساحات من المدينة إقبالاً كبيراً من المارّة، إذ عُرضت صور فوتوغرافية كثيرة لمراحل بناء الجدار، وشكل أحياء المدينة التي مرّ الجدار ضمنها كالخطّ الكاوي للحياة والحركة، وأيضاً صوراً للأيام الأولى بعد فتح ثغرات في الجدار وإلغاء القيود على الحركة، حيث شهدت الأحياء المركزية من الشطر الغربي، خصوصاً التجارية منها، حشوداً من أبناء الشطر الشرقي الذين قدِموا، حال فتح المجال لتحركهم، ليشبِعوا فضولهم بلقاء الرأسمالية الغاشمة شخصياً. 

برلين عاصمة ألمانيا، وأشياء أخرى كثيرة، من بينها أنها عاصمة ظاهرة «قبل وبعد» الفوتوغرافيّة، بفعل أنها دُمّرت قبل سبعة عقود، وبفعل الجدار. وقد وجدت هذه الظاهرة تكثيفاً بارزاً خلال الأيام الماضية في هذه المعارض المؤقتة، ووفرت فرصة لتجمهر الناس ودهشتهم: «انظر، برناورشتراسه، كم تغيّر!»، «بوتسدامر بلاتز كانت فراغاً مقفراً؟».. في كلّ أنواع الفوتوغرافيا تلصّصٌ ما، ولهذا النمط التصويري بالذات صنفه الخاص من التلّصص ذي التوظيف السياسي، إذ يبدو الناظر إلى صور «قبل وبعد» لمدن معينة وكأنه يسترق النظر إلى عورات الزمن. ومن الظريف أن التطوّر التكنولوجي قد وفّر إمكانية تقدّيم صور قبل وبعد بشكل متداخل تقنياً، كأن تظهر نافذة من «قبل» وسط «البعد» (مثل مشروع المصوّر سيباستيان ماهارغ لتصوير أماكن من مدريد في الحاضر وخلال الحرب الأهلية في آنٍ معاً)؛ أو إمكانية استخدام الماوس لتحريك الفاصل بين الماضي والحاضر في نفس الصورة. ويبدو الخط الفاصل المتحرك وكأنه ستارة تنسدل (أو تُفتح)، وهنا يأخذ الطابع التلصصي حالته القصوى. 

على المستوى الشخصي، ثمة اختلاف كامل وجذري في «قبل وبعد» فوتوغرافيا المدينتين اللتين قضيتُ فيهما أكبر قسم من عمري حتى الآن، أي سانتياغو دي كومبوستيلا والرقة. سانتياغو مدينة صغيرة وقديمة، في أقصى الشمال الغربي الإسباني، تتميّز بكاتدرائية عمرها حوالي ألف عام، وجامعة عمرها خمسة قرون ونيف، وفيها شارع لا يقل عمره عن نصف دزينة من القرون اسمه «الشارع الجديد» ولا يُبدي أحدٌ أدنى ملاحظة على قلة النزاهة في التسمية. ورغم وفرة معارضها، ليس في صور «قبل وبعد» اختلافٌ يُذكر على الصعيد العمراني، فبالكاد تغيّر حجر في الشطر القديم من المدينة منذ  اختراع التصوير الفوتوغرافي، وهذا الصون المتقن للعمران هو المفخرة الأساس للمدينة، التي حظيت، على عكس غالبية المدن الإسبانية، بأنها لم تعش من الحرب الأهلية إلا مناوشات محدودة على أطرافها. تمسك صورة من بدايات القرن العشرين لسانتياغو وتجد الأبنية نفسها، والشوارع نفسها، وغالباً المتاجر نفسها. تتغيّر بعض الأشجار هنا وهناك، وبعض التفاصيل في الشارع كسيارات أو عربات، ويتغيّر هندام الناس. وكونها مدينة «شيخة» ديمغرافياً، إذ أن متوسط الأعمار فيها هو من الأعلى على مستوى أوروبا ككل، وغالبية سكان المدينة القديمة متقاعدون مديدون، تكاد تعتقد أنك ترى الناس أنفسهم في صور سانتياغو في عهد ألفونسو الثالث عشر، أو الجمهورية الثانية؛ وصورة مأخوذة اليوم.

الرقة حالة نقيضة بالكامل لسانتياغو في هذا المجال، فرغم أنها تحوي آثاراً عباسية، أهمها السور الأثري، إلا أنها مدينة حديثة، والعمران فيها تغيّر باستمرار وبسرعة خلال العقود الأخيرة، لا علاقة لرقة الخمسينات بالرقة في الألفينات على المستوى العمراني. ربما الشوارع الرئيسية هي نفسها، لكن الأبنية اختلفت بشكل متكرر وكامل على مدى العقود القليلة الماضية. وقد انكسر هذا التغيّر، الطبيعي تبعاً لتطور ونمو مجتمع المدينة السريع خلال العقود الأخيرة، مع صدمه بتغيّر إجرامي مميت مع سيطرة داعش، ثم مع معركة التحالف وقسد ضد داعش، والتي وقعت فيها المدينة وأهلها ضمن نطاق «الخسائر الجانبية» غير المأسوف عليها. مع تحطيم الرقة، شاع نوعان من صور «قبل وبعد» متنافران للغاية، ويعطي تنافرهما فكرة جيدة عن معنى تلك/ هذه اللحظات من حياة المدينة: النوع الأول هو تصوير صحفيين ومسؤولين غربيين (مثل المبعوث السابق للولايات المتحدة) لتواجدهم  في أماكن في المدينة اشتُهرت بكونها مواقع إعدام لداعش، مثل دوّار النعيم، أو «سِيركل أوف هيفِن» حسب ترجمة عدد كبير من الصحفيين الأجانب خلال تغطيتهم لمعارك الرقة. ترجمة توحي وكأنه كان في المدينة فيلم لريدلي سكوت دون أن ندري.

النوع الثاني هو صور تداولها الكثير من أهل المدينة لبيوتهم قبل وبعد دمارها، فيما بينهم أو على وسائل التواصل الاجتماعي؛ أو صوراً عامة لأحياء وشوارع، بعضها جوّية، تداولناها وتراسلنا بخصوصها، نحن أهل المدينة، خلال الأسابيع الأولى التالية للمعارك، محاولين، وسط الدمار والأنقاض، تلمّس ملامح معروفة لأبنية أو بيوت أو محلات، بالطريقة نفسها التي يبدأ فيها طلاب الطب تعلّمهم تفحّص الصور الشعاعية: «هذا الظلّ له الشكل النمطي للكبد، ونراه ضمن الجسم في المكان المعروف أنه للكبد، إذاً هذا كبد!».

وثمة نوع ثالث، ليس فوتوغرافياً بالمعنى المادي، ولكنه فوتوغرافي بعمق، هو محاولة تثبيت صور ذهنية للمكان الذي تداعى. أجد مثالاً متكرراً عنه في نزعة مشتركة لديّ مع والدي في قضاء وقت طويل من محادثاتنا ونحن نحكي عن بناء معين أو بيت محدد في الرقة، قد يكون مفتاح الحديث عنه تذكّر أصحابه، أو ربما لا، تذكّر المكان كهدف بحد ذاته. حوارات من قبيل: «وإنت فايت بثاني دربة هو ثالث بيت على إيدك الشمال، مقبّل عالجِبلة وإله شباكين كبار، عليهن شبك حديد أخضر، تذكرته؟» فأرد أنا بثقة: «ألا شلون ما تذكرته!» بمبالغة شديدة في استعراضيتها، ليست إلا إخفاءاً لرعب عميق، جرياً على ردّ فعل طفولي إنكاري نقبل عليه، نحن الذكور، بطريقة مثيرة للشفقة والضحك.

سياسياً، تقتضي إمكانية عرض صور «قبل وبعد» في المكان نفسه الذي التُقطت فيه امتلاكاً للـ«بعد/الآن»، حتى لو كان امتلاكاً جزئياً. وغير ذلك، يمكن عرض هكذا نوع من الصور في أماكن أخرى، أو في اللامكان الافتراضي، كما نفعل نحن الآن في بلدان لجوئنا أو على الانترنت. في هذه الأخيرة فعل حنينٍ أو إدانة أو كليهما، بينما عرض صور «قبل وبعد» في المكان هو فعل سلطة، فعل امتلاك لحكاية «الآن وهنا»، ولمكان حصولها. ويعبّر هذا الامتلاك/ السلطة عن نفسه في عرض حال الـ «قبل» إرضاءً لافتخار الـ«بعد» بنفسه، وتهنئة لصانعيه ومالكيه. لا شيء سيء بالضرورة في ذلك، حتى لو كان فعل سلطة، بل إن علينا، نحن الواقعون في معركة وجودٍ جزءٌ أساسيٌ منها حرب سرديات عنيفة تُخاض ضد حكاياتنا، أن نسعى دون كلل لأن نعرض الـ«قبل وبعد» الخاص بنا في مكان حصوله يوماً ما. لكنني أعترف أن ثمة ما هو غير مريح في مزيج المباشرة والتلقين الذين لا مهرب منهما في معارض «قبل وبعد»، ففيها حكماً كم كبير من الخطوط الفاصلة الشديدة الوضوح، وتنافر صارخ في مباشرته بين الصور، لا مجال فيهما للخيال أو التأويل أو الحيرة.. لا خطأ في ذلك بالضرورة، من حيث المبدأ، لكن لا مهرب من أن يثير هذا الكمال والوضوح والرعاية التوجّس وعدم الارتياح، كعريف الصف، كإبن المُعلِّمة. 

لم يُسعفنا المجال للحديث عن برلين، ربما في مناسبة لاحقة.