مخيم الركبان: لاجئو الصحراء أمام الخطر الداهم

 

يعيش قاطنو مخيم الركبان حالة من الخوف والترقب في ظل مصير مجهول فرضته عليهم التغيرات العسكرية والسياسية التي طرأت على المنطقة، والتي أفضت إلى انسحاب مقاتلي جيش أسود الشرقية وقوات الشهيد أحمد العبدو خلال الأسابيع الماضية من مواقع كانوا يسيطرون عليها في البادية باتجاه المنطقة 55 التي حددها التحالف على أنها منطقة آمنة، وهي قطاع شبه دائري من البادية في أقصى الشرق السوري، يبلغ نصف قطره نحو 55 كم، وفيه قاعدة التنف العسكرية التي تتمركز فيها قوات جيش مغاوير الثورة، إلى جانب قوات من التحالف الدولي الذي يحميها جواً.

يقع مخيم الركبان في البادية السورية ضمن المثلث الحدودي (السوري - الأردني – العراقي)، وهو موجود في المنطقة 55 الآمنة على بعد 17 كم من معبر الوليد الحدود مع العراق باتجاه الحدود الأردنية، لكنه بات محاصراً بعد تقدم قوات النظام على عدة محاور وقطعها جميع الطرق المؤدية إليه، إذ سيطرت قوات النظام على جميع النقاط بطول 80 كم وعمق 45 كم انطلاقاً من ريف السويداء باتجاه البادية، كما سيطرت على جميع نقاط البادية من جهة ريف دمشق. وجاء انسحاب فصائل الجيش الحر من تلك النقاط، بعد أشهر من الصمود في وجه الحملات العسكرية التي شنها النظام، وفي وجه الضغوطات التي مورست عليها من قبل الجهات الداعمة. وقبل ذلك كان قد انسحب قسم من مقاتلي جيش العشائر من النقاط التي كانوا يسيطرون عليها باتجاه الأردن، وبقي القسم المعتمد من الجيش الأردني، والموكل إليه مهمة حماية مخيم الركبان وتسيير أموره، ضمن المنطقة 55.

أما الطرقات التي كانت تصل المخيم بريف حمص، فقد استطاع النظام قطعها بالسيطرة على بادية الوعر والشعاب والمحروثة منذ ما يقارب الشهرين، ليتم الطوق على منطقة المخيم بسيطرته على حاجز ظاظا قاطعاً الطريق المؤدية إلى دير الزور أيضاً، ويصبح مصير المخيم مرهوناً بمصير المنطقة 55 في البادية.

يضم مخيم الركبان 68428 نسمة يتوزعون على 17132 خيمة، وذلك حسب إحصائية منظمة جسور الأمل العاملة في المخيم في شهر أيار 2017. وأضيف عليهم 5000 نازح قدموا من مخيم حدلات (الرويشد) في شهر آب من العام الجاري، وذلك بعد اشتداد المعارك قرب المخيم في ريف السويداء على بعد حوالي 100كم عن الركبان مقابل منطقة رويشد الأردنية، إذ قامت قوات الشهيد أحمد العبدو وجيش أسود الشرقية بنقل نازحي الحدلات بعد أن هدد النظام المخيم بشكل مباشر عبر قصف أطرافه من نقاط تمركزه في منطقة وادي محمود التي تبعد عن المخيم حوالي 20 كم كخط نظر، إضافة إلى غارة جوية من طيران النظام استهدفت محيط المخيم.

قبل أن يطبق النظام حصاره على منطقة مخيم الركبان، كان المخيم بشكل أساسي يعتمد على طرق التهريب في نقل البضائع من محافظات (السويداء وحمص وحلب ودير الزور ودمشق) إلى المخيم، واليوم قطعت جميع الطرق التي كانت أيضاً بمثابة خط نجاة لمن يود الخروج من المخيم والذهاب إلى المحافظات الأخرى، بعد أن كانت هذه الطرق مؤمنة بشكل كبير عندما كانت قوات العبدو وأسود الشرقية تسيطر على أجزاء واسعة من البادية. هذا الأمر خلق أزمة إنسانية كبيرة داخل المخيم، وخصوصاً في أيام الحصار الأولى في شهر آب الماضي، حيث انقطعت المواد الغذائية بشكل كامل لعدة أيام، ما أدى إلى ارتفاع أثمان المواد التي عادت تصل بعد فترة الانقطاع، وكان الارتفاع في الأسعار كبيراً جداً بشكل أثقل كاهل معظم سكان المخيم وفاقم من معاناتهم.

كانت الأوضاع الإنسانية في مخيم الركبان بالغة الصعوبة أصلاً قبل هذه التطورات، واليوم باتت أكثر قسوة1. يقول أبو محمود، وهو أحد سكان المخيم: «عانينا في الفترة الماضية بسبب انقطاع المواد الغذائية لعدة أيام وارتفاع أسعارها بشكل كبير بعد توفرها». ويضيف: «فرص العمل في المخيم شبه معدومة، ويعتمد غالبية سكان المخيم على ما يصلهم من أموال من أقاربهم وأبنائهم من خارج المخيم، ولا تستطيع معظم العوائل تغطية مصاريف الشهر بسبب قلة الوارد وارتفاع أسعار المواد القادمة من التهريب».

تزامن انقطاع المواد الغذائية عن مخيم الركبان مع تفاقم أزمة المياه، بسبب تقطع في وصوله إلى المخيم من الداخل الأردني، حيث تتم تصفية المياه الكلسية داخل الأراضي الأردنية، ثم نقلها عبر صهاريج إلى المخيم. هذه العملية تعطلت لمدة شهر ونصف دون معرفة السبب الرئيسي لهذا الانقطاع، واستعاض أهالي المخيم عن المياه المصفاة بمياه تجمع الأمطار في المخيم، إضافة للمياه المالحة لبئر(الدكاكة) القريب من المخيم، وهي مياه غير صالحة للشرب.

كانت الرعاية الصحية ضعيفةً أصلاً في المخيم، لكنها اليوم تتجه لتصبح شبه معدومة في هذا التجمع البشري الهائل، إذ تقتصر على وجود مستوصف لمنظمة جسور الأمل بتجهيزات متواضعة، يديره بعض الممرضين والفنيين، فيما يخلو المخيم من أي وجود للأطباء. يقول أبو أحمد، أحد مشرفي منظمة جسور الأمل: «إمكانيات المستوصف المحدودة لا تستطيع مواجهة الأمراض والحالات الحرجة التي تحصل في المخيم، هناك أعراض واسعة لمرض الجرب انتشرت في الآونة الأخيرة وأمراض لا نعلمها، فهي تحتاج لخبرة الأطباء المختصين، إضافة إلى تدني مستوى وسائل الفحص الطبي والمخابر والتجهيزات الطبية، يرافقه نقص حاد في الأدوية». ويضيف أبو أحمد: «إحدى الحالات التي وقفنا أمامها عاجزين هي الطفلة غرام، التي تعاني من نتوء عظمي شكل لها كتلة فوق الفقرات القطنية شلت حركة أطرافها. تحتاج الطفلة لمختصين وربما لعمل جراحي ورعاية طبية فائقة، عجزت نداءات أهلها عن الحصول عليها».

انعدام الرعاية الصحية في المخيم رافقه توقف شبه تام في عملية التعليم، فأطفال المخيم محرومون تقريباً من التعلم منذ ما يقارب الثلاث سنوات لعدم وجود مدارس أو أي ظروف مواتية داخل المخيم لسير العملية التعليمية. في السنة الماضية أنشأت منظمة جسور الأمل مدرسة تضم 400 طالب، بإمكانيات محدودة لا تمكنها من استيعاب جميع أطفال المخيم.

الفقر الشديد والحياة القاسية في هذه البقعة الصحراوية المكتظة بالنازحين المحرومين من مقومات الحياة خلفت مشاكل اجتماعية كثيرة داخل مجتمع الركبان، الذي يعتبر مجتمعاً سورياً مصغراً يحوي لاجئين من غالب المحافظات السورية بتنوعهم. واليوم تسود في المخيم تجارة الممنوعات (الحشيش، الحبوب المخدرة)، حيث يستغل بعض المهربين وتجار البشر حاجة النازحين والضغوط النفسية الناجمة عن الأوضاع السيئة لترويج هذا النوع من الممنوعات، عن طريق استغلال فئة المراهقين في ترويجه عبر إغرائهم بالمال بداية واستجرارهم إلى تعاطيه، الأمر الذي يزيد أعباء العائلة التي يقع أحد أبنائها في شرك هذه الآفة الخطيرة، حيث يجبرون على إعطائه المال اللازم لدفع ثمن الحبوب، هذا إذا لم يكن قد تورط بالترويج لصالح التجار مقابل التعاطي. وفي بعض الحالات يلجأ الشاب للعمل في أي مجال متاح لتأمين ثمن المواد التي أصبحت مطلباً أساسياً له قبل الطعام والشراب، كما في حالة الشاب (س) ذي العشرون ربيعاً، الذي تدهورت صحته النفسية نتيجة الإدمان.

يقول ماجد، وهو اسم مستعار لأحد قاطني المخيم، رفض الكشف عن هويته خوفاً من الخطر الذي قد يلحقه به تجار الممنوعات في المخيم: «كنت شاهداً على تردي حالة (س) بعد إدمانه على الحبوب المخدرة. (س) شاب من عائلة فقيرة في المخيم كان يعمل على (طنبر) عربة يجرها حصان في سوق الركبان الصغير، لكن تمكن تجار المخدرات من توريطه وجره إلى تعاطي الحبوب المخدرة، واستمر على هذه الحالة ما يقارب السنتين حتى فقد رشده وبدأ يشكل خطراً على من حوله. أنا شخصياً تعرضت لهجوم منه مرتين حاول فيها ضربي وهو يصرخ بكلام غريب». ويضيف ماجد: «بعد إصابته هذه أراد أهله إيصال قصة ابنهم إلى المنظمات الدولية علهم يحظون بفرصة لعلاجه خارج أسوار المخيم، إضافة إلى إشارتهم إلى هذا المرض الخطير الذي يعصف بأبناء المخيم، وتحدثوا إليَّ لأصلهم بمن يستطيع نقل مشكلتهم، لكنهم تراجعوا في اللحظات الأخيرة وللسبب نفسه، خوفاً من أذى تجار الممنوعات، حيث لا يوجد في شرع المخيم من يستطيع حمايتهم».

أيضاً تزايدت حالات الطلاق في المخيم في الآونة الأخيرة بصورة غير مسبوقة، ويرجع هذا لأسباب كثيرة أولها الفقر وما يعكسه على ظروف العائلة من حاجة وضغط نفسي، وثانيها غياب التوعية لمخاطر الزواج المبكر الذي انتشر في المخيم منذ أكثر من عام، والذي يعزى سببه لعدم قدرة الآباء على تحمل مصاريف بناتهم فيسارعون إلى تزويجهم للتخلص من «همهم». في هذا المقام يقول رائد أحد سكان المخيم: «إحدى حالات الطلاق كانت من الحوادث المؤلمة التي سمع بها غالبية سكان المخيم، حدثت في الحي الذي أعيش به (ينقسم المخيم إلى أحياء وهي تجمعات خيم)، حيث استمر الخلاف بين الزوج والزوجة لحوالي ستة أشهر طالبت خلالها الزوجة بالطلاق من زوجها العاطل عن العمل بعد أن أنهك الفقر المنزل، وبعد عدة محاولات رضخ الزوج لطلب زوجته، وتم الطلاق ليقوم الزوج على إثرها بعرض طفليه للبيع على مرأى ومسمع أهالي المخيم».

تتعدد جوانب المعاناة في مخيم صنفه ناشطون من ضمن عدة مخيمات في سوريا أطلقوا عليها تسمية مخيمات الموت، حيث الخيام المتناثرة في صحراءٍ بعيدةٍ عن عيون وسائل الإعلام وكاميرات الناشطين والمنظمات الإنسانية، يسكن فيها سوريون تعتصرهم حياة قاسية لا تعطيهم أي بادرة أمل عن وقت محدد تنتهي فيه مأساتهم، فيبقون قيد الانتظار، واليوم في مخيم الركبان يواجهون احتمال كارثة كبرى جديدة بسبب ارتباط مصيرهم بالفترة الزمنية التي سيحافظ فيها التحالف على المنطقة 55، التي قد لا تكون طويلةً إذ يخطط الأمريكيون لنقل فصائل الجيش الحر المتواجدة في الـ 55 إلى منطقة الشدادي في ريف الحسكة على تخوم دير الزور الشمالية، وبذلك قد يبقى المخيم عرضة للاستباحة من قبل قوات النظام والميليشيات الطائفية المرافقة له كميليشيا النجباء وميليشيا حزب الله المتواجدة مع الفرقة الخامسة في ريف السويداء.