مخيم اليرموك: الجريمة العلنية مستمرة

 

أعلنت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري عن التوصل إلى اتفاق مع «هيئة تحرير الشام»، التي تسيطر على مربع سكني في مخيم اليرموك، يقضي بخروج عناصرها نحو الشمال السوري، مقابل إخراج آلاف الأشخاص من كفريا والفوعة المحاصرتين بريف إدلب. ويُفترضُ أن يبدأ تنفيذ الاتفاق خلال الساعات القادمة، في ظلّ تأكيدات من مصادر محليّة تفيد بأن باصات وصلت إلى قرب منطقة سيطرة الهيئة في اليرموك، وأخرى إلى كفريا والفوعة.

بالتوازي مع هذا أعلنت لجنة التفاوض المكلّفة من فصائل وفعاليات بلدات جنوب دمشق (يلدا وببيلا وبيت سحم وعقربا) التوصل إلى اتفاق «مصالحة» بوساطة روسية، يقضي بخروج من لا يرغب بالتسوية إلى الشمال السوري. ويُفترض أن تنفيذ الاتفاق سيبدأ يوم غد الثلاثاء، مما سيسمح لقوات النظام بالتحكم بجبهة المخيم الشرقية أيضاً، بعد إعلانها عن السيطرة على أجزاء من حي القدم على الجبهة الغربية من يد تنظيم داعش.

كانت العمليات العسكرية في مخيم اليرموك والحجر الأسود وحي القدم قد تصاعدت الأسبوع الماضي مجدداً، بعد فشل اتفاق بين النظام وتنظيم داعش يقضي بخروج عناصر الأخير نحو البادية، دون إعلان أي تفاصيل واضحة عن أسباب فشله. وقد أدت غارات الطيران المتواصلة على المخيم ومحيطه، والقصف المدفعي الكثيف، إلى وضع المدنيين الباقين في المنطقة تحت ظروف كارثية، إذ لا توجد أي مرافق صحية ولا أي قدرة على الخروج من جحيم النيران التي تأكل المخيم اليوم. وفي حين أدت هذه الحملة العسكرية إلى تردي الأوضع في كامل جنوب دمشق، بما فيه المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة كأحياء يلدا وببيلا، فإن مصير المدنيين في اليرموك ومحيطه على وجه الخصوص لا يزال مجهولاً مع استمرار العمليات العسكرية من عدة محاور، وليس ثمة أرقام مؤكدة حول عددهم، إذ قالت الأونروا قبل نحو عشرة أيام إنه يبلغ نحو 6000 مدني في مخيم اليرموك فقط، فيما أكدت مصادر أخرى من ناشطين في الجنوب الدمشقي إن العدد الآن يبلغ نحو 1200 شخص. ويرجع تضارب الأرقام إلى عدم إمكانية إجراء إحصاء دقيق، وإلى نزوح أعداد منهم إلى منطقة يلدا المجاورة.

في أواخر شهر آذار الماضي، أعلنت محافظة دمشق عن مشروع تنظيمي جديد، يضم أحياء القدم وشارع الثلاثين على أطراف المتحلق الجنوبي، وهي جزءٌ واسعٌ من مناطق سيطرة داعش التي يدمرها النظام الآن، لتبدو العمليات العسكرية والقصف الهستيري على أحياء المخيم والقدم كما لو أنها تنفيذٌ لهذا المشروع التنظيمي، الذي يراد له أن يُقام على أنقاض أحياء في جنوب دمشق.

المشروع الذي حمل اسم «باسيليا»، أي الجنة باللغة السريانية، هو بالفعل «جنة الإبادة والتهجير»، وهو التعبير المكتمل عن تصورات الطُغَم الحاكمة لعالمٍ خالٍ من المعترضين، يُعاد تركيبه سكانياً وعمرانياً لصالح تثبيت سيطرتها ومنفعتها الاقتصادية. وإذا كانت عمليات مخيم اليرموك ومحيطه تندرج اليوم في السياق العام لحروب الإبادة والتهجير المتنقلة التي يخوضها نظام الأسد وحلفاؤه، فإن القصف التدميري واسع النطاق يشير على نحو حاسم إلى الرغبة في إزالة أجزاء من المنطقة عن وجه الأرض، ويسمح باستنتاج أن هدف النظام هنا ليس التحكم بما تبقى من مناطق خارج سيطرته في محيط العاصمة، بل هو مرتبطٌ بتصورٌ مسبق حول ما ينبغي فعله تجاه أحياء الأطراف.

في عام 2006 وقف محافظ دمشق سيء السمعة بشر الصبّان في نهاية شارع في منطقة الشيخ سعد في حي المزة الدمشقي، وقال لمساعديه «أريد أن أرى من هنا مشفى المواساة»، ليتمّ هدم الشارع الشعبي خلال أيام مخلّفاً ساكنيه في الشارع.

واليوم في مخيم اليرموك ومحيطه تجتمع المعاني الإبادية كاملة، وربما يقف الآن شبيهٌ لبشر الصبّان وينظر إلى مدخل المخيم، قائلاً لمساعديه إنه يريد رؤية الجانب الآخر. أمّا بشر الصبّان نفسه، فقد أصبح الآن مدير شركة دمشق الشام القابضة، المتورطة في أعمال تهجير سكان حي بساتين الرازي قرب المزة، بهدف تنفيذ مشروع تنظيمي هناك تحت اسم «ماروتا سيتي».

لا تمثّل البراميل المتفجرة التي تُرمى على المدنيين الوجه الحصري للإبادة، فالأمر ليس خبط عشواء بالنسبة للنظام الأسدي، بل هو جزءٌ من بنية مكتملة تحيل إلى ثلاثة أوجه من الأعمال الإبادية؛ هؤلاء ليسوا حقيقيين، وموتهم ليس حقيقياً أيضاً. بيوتهم تعيق النظر بتجمعها العشوائي، ومن الواجب تسويتها بالأرض. ذكراهم ورواياتهم غير موجودة، بل هم كذبة يجب فرض نسيانها.