مخيم دير البلوط: وجه من وجوه مأساة عفرين

 

داهم عناصر «الشرطة الحرة» مساء أمس مخيمي دير البلوط والمحمدية في ريف عفرين، معلنين حظراً للتجوال فيهما، تلته حملة اعتقالات طالت اثني عشر شخصاً من المهجّرين، بتهم تتعلق بالارتباط بداعش والاتجار بالممنوعات من مخدرات وغيرها. وتأتي هذه الاعتقالات بعد أن واصل القاطنون في مخيم دير البلوط اعتصاماتهم المتتالية منذ أوائل تموز الماضي، مطالبين بتحسين أوضاعهم الإنسانية في المخيم، وكان آخرها الاعتصام الذي جرى عصر السبت الماضي، وتخللته مشادات بين المعتصمين وعدد من الإداريين في المخيم، انتهت بتدخل عناصر من «الشرطة الحرة» وإطلاقهم النار في الهواء.

يضمّ مخيم دير البلوط نحو 1400 نازح، وهو ملحقٌ بمخيم المحمدية الذي يضم مئات العائلات أيضاً، ويقع المخيمان قرب بلدة دير البلوط في ناحية جنديريس التابعة لعفرين، وتديرهما منظمة آفاد التركية، وهما يفتقران لأبسط الخدمات مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، دون وجود خطط واضحة لتحسين الأوضاع فيهما.

يضمّ المخيمان عائلات سورية وفلسطينية هُجِّرت قسراً من أحياء جنوب دمشق ومن منطقة القلمون الشرقي، وعلى الرغم من مرور فترة طويلة على وجود هذه العائلات، إلا أن الأوضاع لا تسير باتجاه التحسّن، وخاصة في مخيم دير البلوط الصغير الملحق بمخيم المحمدية. يقول «سامح» للجمهورية، وهو ناشط من جنوب دمشق يسكن في المخيم: «الوضع الإنساني كارثي، المخيم يفتقر لأبسط الخدمات، فيما يضطر أغلب سكان المخيم لبيع جزء من مخصصاتهم من السلال الغذائية، التي تصل في الشهر مرة واحدة، للحصول على احتياجات أخرى منها الاحتياجات الصحية».

تقوم إدارة المخيم بتوزيع كميات غير كافية من مياه الشرب كل أسبوعين، كما توزّعُ الخبز على السكان، بالإضافة إلى مخصصات غذائية غير كافية. ولا توجد أي بنى تحتية في المخيم سوى عدة كرفانات يتم استخدامها كحمامات عامة، فيما يقوم السكان بإعداد حُفر بجانب الخيام لتصريف المياه، ويفرغونها بشكل يومي، الأمر الذي قد يكون سبباً بانتشار الأمراض.

يتمّ العمل على حفر بئر ماء لتأمين مياه الشرب، لكنه ليس جاهزاً حتى الآن، وعن هذا الأمر يقول «سامح» للجمهورية: «مياه الشرب غير متوفرة بالمقارنة مع الاحتياجات اللازمة منها، ما يدفع الناس إلى الشرب من مياه الصهاريج التي كثيراً ما تكون ملوثة، الأمر الذي سبب حالات إسهال والتهابات معوية، خاصة لدى الأطفال».

المخيم الذي يقع في منطقة تحت الإشراف التركي المباشر، لا يضم أي مدرسة لتعليم الأطفال، لكن بعض المتطوعين من الشبان والشابات في المخيم خصصوا خيمة يقومون فيها بتدريس الأطفال. يضم المخيم نقطة طبية متواضعة الإمكانات، ولا يحصل الأطفال فيه على اللقاحات اللازمة، كما أنه ليس هناك كميات كافية من حليب الأطفال. يقول محمد، وهو أحد قاطني المخيم ومهجّر من القلمون الشرقي: «لا يقدمون حليب الأطفال، لكننا حصلنا على تبرعات شخصية تكفي لمدة ثلاثة أشهر. الأمر خطيرٌ جداً بالنسبة للرُضّع، إذ لا يوجد بديل عن الحليب. عندما أفكر بتأمين الحليب لطفلي الرضيع أصاب بالجنون، معظمنا لا يعمل هنا ولا يوجد أي دخل».

ليس تراجعُ الأوضاع الإنسانية في مخيمات الشمال السوري أمراً مقتصراً على مخيمي دير البلوط والمحمدية، بل تعاني معظم المخيمات من هذا التراجع بسبب انخفاض فعالية المنظمات الإنسانية عموماً، وإيقاف كثير منها لمشاريعها بعد تراجع الدعم الدولي. لكن لهذين المخيمين خصوصيات أبرزها أن تأسيسهما جاء متأخراً، وأنهما يقعان في أطراف منطقة عفرين باتجاه أطمة، أي على أطراف مناطق الإشراف التركي المباشر، وقريباً من مناطق إدلب الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة دون إشراف تركي مباشر. كذلك فإن هذين المخيمين هما الوحيدان في منطقة عفرين، إذ توزّعَ معظم النازحين والمهجّرين الذي قدموا إلى عفرين على المدن والبلدات والقرى، وربما يكون هذا عامل التوتر الإضافي الرئيسي في المسألة.

ولكن لماذا يعيش هؤلاء النازحون فقط في مخيمات، دوناً عن جميع من جرى نقلهم إلى عفرين؟

تقول مصادر الجمهورية إن قسماً من المدنيين المهجّرين الذين قدموا إلى عفرين من عدة مناطق سوريّة، جاؤوا برفقة فصائل مسلحة، وتم تقسيم عفرين وأريافها إلى قطاعات تتبع لهذه الفصائل، ليقوم كل فصيل بتوزيع العائلات المرتبطة به على بيوت خرج منها سكانها أثناء المعارك ولم يتمكنوا من العودة، فيما قامت العائلات التي لديها موارد دخل سواء من مدخراتها أو من مصادر أخرى باستئجار بيوت من أصحابها، أو من الفصائل التي استولت بالقوة على بيوت هجرها سكانها في القطاعات التابعة لها، لتبقى العائلات التي لا موارد لها، ولا فصائل تحتضنها، في هذين المخيمين.

أدت سيطرة القوات التركية وفصائل سورية متحالفة معها على عفرين إلى تهجير أعداد كبيرة من سكانها، وعدم قدرة كثيرين ممن هُجّروا على العودة بعد انتهاء المعارك خوفاً من الاعتقال على يد الفصائل المسيطرة في عفرين بتهمة الارتباط بوحدات الحماية الكردية، وخوفاً من الاعتداءات وأعمال الخطف في ظل الفوضى المستمرة، التي لا تفعل أيّ جهة شيئاً جديّاً لوقفها، بما في ذلك جهاز «الشرطة الحرة»، الذي داهم مخيم دير البلوط يوم أمس.

الأوضاع الإنسانية السيئة التي يعيشها القاطنون في مخيمي دير البلوط ليست إلّا وجهاً من الوجوه المتعددة لمأساة عفرين المستمرة، وتزداد الصورة قتامةً عندما يشاهد هؤلاء المهجّرون فصائل مسلّحة تتوسع في الإنفاق على إنشاء مواقع عسكرية جديدة لها وإعادة بناء سلطتها، تاركة إياهم في أوضاع مزرية يمكن تحسينها لو توافرت الإرادة.