مدارس بحلّة تركية في شمال حلب

 

أعلنت مديريات التربية في مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، يوم الأحد الماضي، عن بدء العام الدراسي الجديد 2019-2020 للمراحل التعليمية المختلفة دون الجامعية، وذلك وسط إقبال كبير من الطلاب في هذه المناطق، وتجهيزات عامة وصفت بأنها جيدة، وآراء متباينة حول القرارات التنظيمية الجديدة، وحول التبعية الكاملة لمديريات التربية التركية، التي اعتبرها بعض من تحدثنا إليهم أمراً إيجابياً، فيما رأى آخرون أنها تكريس لما أسموه «سياسة التتريك» في المنطقة، بالإضافة إلى جوانب سلبية أخرى كثيرة، سيورد هذا التقرير بعضها بالاستناد إلى ما صرّح به من التقيناهم من معلّمين، وما حصلنا عليه من إحصائيات اعتماداً على بعض المصادر المفتوحة.

في العام الدراسي الجديد، يتوزع ما يقرب مئة وخمسين ألف طالب على حوالي مئتي مدرسة في المنطقة الجغرافية الخاضعة لفصائل عملية درع الفرات المرتبطة بتركيا، وهي المنطقة الممتدة من غرب نهر الفرات وحتى مدينة إعزاز، وتنقسم إلى تسع مديريات تربية (إعزاز – مارع – صوران – أخترين – الباب – الراعي – قباسين – بزاعة – جرابلس) تتبع كلها مباشرة لمديريات تربية تركية (قسم منها لولاية كيليس وقسم آخر لولاية عينتاب)، وذلك بحسب نوري أحمد السيد علي معاون رئيس المكتب التعليمي في المجلس المحلي بإعزاز.

ويقول السيد علي إن القرارات التفصيلية الخاصة بالتعليم تختلف بين المديريات بحسب تبعيتها لهاتين الولايتين، إلّا أنها تتشابه في المناهج التعليمية وفي رواتب المدرّسين، بينما تستقل عن بعضها في استصدار الشهادات ونوع الخدمات المقدمة للمدارس والطلاب. وقد تحدثت بعض المصادر التي تواصلنا معها عن أن هناك مشاورات تهدف إلى إلحاق هذه المديريات بالحكومة السورية المؤقتة، التي ستشكل في حال ذلك صلة الوصل مع مديريات التربية التركية، إلّا أنه لم يصدر أي قرار بهذا الخصوص حتى الآن.

المدارس وتجهيزاتها

بعد أن تم طرد داعش من تلك المنطقة على يد فصائل سورية مدعومة من الجيش التركي في العام 2017، تم ترميم وتأهيل عدد كبير من المدارس من قبل الحكومة التركية بمساعدة منظمات إنسانية، وحصرُ كافة القرارات الرئيسية المتعلقة بالتعليم بالحكومة التركية؛ ويرى بعض الذين التقيناهم أن الجهود المبذولة في هذا المجال كانت «جيدة»، وتركت أثرها على الطلاب الذين تتزايد أعدادهم في كل عام دراسي.

يتمتع قسم كبير من هذه المدارس بمرافق عامة وبنية تحتية مجهزة بشكل شبه كامل، وذلك فيما يخص النظافة والمياه والمقاعد والمرايا والصفوف ودورات المياه النظيفة والإذاعة المدرسية وملاعب كرة القدم والسلة والطائرة والسبّورات. كذلك تتكفل مديريات التربية والمنظمات الإنسانية الداعمة بتقديم الكتب المدرسية مجاناً، وحقيبة مدرسية تضم القرطاسية اللازمة للطلاب من دفاتر وأقلام وبعض الهدايا الرمزية لترغيبهم وتحفيزهم على التعلم، مع مراعاة الفروق الفردية وإقامة دورات ومناهج تكثيفية للأطفال بأعمار كبيرة للالتحاق بأقرانهم.

كذلك تم تجهيز مناهج متخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، ومن المقرر أن يتم هذا العام تنفيذ ما يسمى «كفالة الأيتام» لإعادتهم على الصفوف الدراسية، وكذلك دعم المتسربين والمعيلين والأطفال الذين تزيد أعمارهم عن السن القانوني، ووضع معايير وإجراءات مناسبة لقبولهم من جديد في العملية التعليمية، وذلك بحسب جمعة الكزكاز مدير تربية الباب، الذي أكد على توافر الكتاب المدرسي وزيادة عدد الغرف الصفية، واستكمال التحضيرات لاستقبال الطلاب الذين تقدر زيادة أعدادهم في مدارس الباب لهذا العام بـ 4 آلاف طالب.

وتتفق المعلومات أعلاه مع تقرير بعنوان المدارس في سوريا، كان قد صدر عن وحدة تنسيق الدعم صيف العام الماضي، ولم تتغير الأرقام الواردة فيه كثيراً في هذا العام بحسب من تواصلنا معهم من معلّمين ومدراء تربية، إذ كان قد وثّقَ أن 89% من المدارس في هذه المنطقة هي مدارس بأبنية نظامية، و8% منها هي غرف عادية تم تحويلها إلى مدارس، و3% هي مدارس مؤقتة من خيام أو كرفانات.

كما أوضح التقرير أن 92% من الغرف الصفية في هذه المدارس مجهزة بشكل جيد بالسبوّرات والمقاعد، وأن جميع المدارس مجهزة بالمياه عن طريق الصهاريج أو المياه العامة أو الآبار، وأن 74% من دورات المياه فيها مجهزة بشكل كامل وبصرف صحي، وأن 59% من المدارس لا تبعد عن الطلاب بما يزيد عن 500 متر، في حين 32% منها يبعد بمسافة بين 500 إلى 1000 متر، و9% تبعد أكثر من كيلو متر واحد.

وسائل تعليم محدودة ومناهج مجحفة ونقص في المدارس

يقول المعلّمون الذين التقيناهم إن هناك نقصاً حاداً في وسائل التعليم الضرورية، وأن المدارس تفتقر لقاعات الحاسوب وأجهزة الإسقاط الضوئي، وهو ما سيؤدي إلى تراجع أداء الطلاب وزيادة العبء على المدرّس الذي سيكتفي بالكتب التي لا تصل إلى كثير من الطلاب أصلاً، ذلك أن كميات الكتب التي تأتي عن طريق الحكومة التركية لا تلبي الحاجة. كذلك يخشى المعلّمون أن يتكرر غياب وسائل التدفئة، إذ تم في العام الماضي تسليم المازوت في الفصل الثاني، بعد أن أمضى الطلاب أشهر الشتاء الأولى والأقسى دون تدفئة.

وتعتمد المدارس منذ منتصف العام الدراسي الماضي على الطريقة التركية في الدوام المدرسي، التي تتضمن حصة دراسية من أربعين دقيقة تليها استراحة لمدة عشرة دقائق، وعلى مدى ست حصص يومياً، وهو ما يراه بعض من التقيناهم قراراً غير مدروس، خاصة وأن انقطاعاً في المعلومات يحصل بين الطالب والمعلّم في المواد أو الدروس التي تحتاج إلى شرح مطول.

كذلك يرى معلّمون، ومنهم معاون رئيس المكتب التعليمي في إعزاز، أن إدخال مادة الرياضيات واللغة التركية إلى الفرع الأدبي من الثانوية العامة أسهم في إضعاف التحصيل العلمي للطلاب، خلافاً لأقرانهم في الشمال السوري للفرع نفسه، الذين يتمّ قبولهم في الجامعات نفسها دون الحاجة لدراسة هاتين المادتين.

وقد قال المعلّمون الذين تحدثنا إليهم إن إقرار اللغة التركية في المدارس من الصف الأول الابتدائي ليس سيئاً، إلّا أن تخصيص أربع حصص دراسية لهذه المادة مقابل إنقاص عدد حصص اللغة العربية وتخصيص حصتين فقط للغة الإنكليزية، هو أمر مبالغ فيه وسيؤثر على تدريس مناهج وقواعد اللغة العربية، خاصة أن المدارس تعاني من نقص حاد في كتب منهاج اللغة التركية وضعف شديد في مستوى مدرسيها، ما يجعل الطلاب مضطرين لإنفاق ساعات أطول من أجل تعلّمها.

المشكلة الأهم بحسب جمعة الكزكاز ونوري السيد علي تكمن في نقص الأبنية المدرسية، وعدم وجود أراض يمكن بناء مدارس عليها في المنطقة، وتحويل عدد من المدارس إلى مقرات حكومية (في إعزاز تم تحويل أربعة مدارس إلى مبانٍ لقيادة الشرطة والشرطة العسكرية والمحكمة والأوقاف، ويجري تحويل مدرسة ابن المقفع جانب القلعة إلى مسجد)، إذ أن بعض المدارس يزيد عدد طلاب الغرف الصفية فيها عن ستين طالباً.

ويوضح تقرير وحدة تنسيق الدعم أن 95% من المدارس في تلك المناطق لا تحتوي على مختبرات، و97% لا تحتوي على قاعات حاسوب، و95% لا تتوفر فيها الوسائل التعليمية و99% لا تقدم وجبات الطعام والحقائب المدرسية، وتفتقر 95% منها أيضاً إلى المكتبات، وهي النسب التي لم تتغير تقريباً في هذا العام الدراسي.

البطاقات الشخصية الجديدة أهم المعضلات

تشترط جميع مديريات التربية للتسجيل في المدارس التابعة إليها حصول الطلبة على البطاقة الشخصية الجديدة الممنوحة من قبل المجالس المحلية، بالإضافة إلى رسم تسجيل بقيمة 500 ليرة سورية وصورتين شخصيتين. وقد أوعزت المديريات بقبول الطلبة الوافدين إليها في العام الدراسي الحالي دون بطاقة، مع مهلة خمسة عشر يوماً فقط لاستخراجها.

وتعتبر المديريات أن هذا الإجراء تنظيميٌ فقط، إذ يتم من خلاله حصر عدد الطلاب وضبط مسألة التسرب الدراسي، إذ أن التعليم فيها إلزاميٌ حتى إنهاء الشهادة الثانوية، مع اعتماد مسألة الترغيب دون فرض إجراءات عقابية. كذلك يهدف هذا الإجراء بحسب المديريات إلى الحدّ من قدرة الطلبة على تقديم امتحاناتهم في مناطق النظام فيما يخص الشهادتين الإعدادية والثانوية، ودفعهم لمتابعة دراستهم في الصفوف الانتقالية في مدارس المنطقة. وبالمقابل يرى أهالي الطلاب الذين تواصلنا معهم أن هذا القانون مجحف، خاصة أن الشهادات الصادرة عن المجالس التعليمية غير معترف بها سوى في الشمال السوري والجامعات التابعة له، وهو ما سيؤثر على مستقبل أبنائهم؛ كذلك يرفض بعض الأهالي استخراج هذه البطاقات خوفاً من تبعات ذلك في حال دخولهم إلى مناطق سيطرة النظام.

يقول بعض الأهالي إن مديريات التربية ألغت الشهادة الإعدادية وحولتها إلى صف انتقالي، وأبقت فقط على الثانوية العامة، وإن الأخيرة تصدر موقعة من قبل المجالس المحلية وليس وزارة التربية، وهما أمران سيؤثران بشكل جذري على مستقبل الطلبة. ويضيفون أن قرار التسجيل عبر الهوية الجديدة سيحرم معظم الطلبة الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الإعدادية في مناطق النظام من تحصيلهم العلمي، فإما العودة إلى مدارس النظام أو التخلي عن فكرة التعليم بالكامل، وهو ما سيشجع على التسرب الدراسي.

ويجيب نوري السيد علي عن هذه النقطة بأن الشهادات الصادرة من المجالس المحلية موقعة من مديريات التربية التركية، ومعترف بها كذلك من قبل الحكومة المؤقتة، وتسمح للطلبة بإكمال دراستهم في جامعات الشمال السوري بالكامل، إضافة للجامعات داخل الأراضي التركية.

معلّمون دون خبرة تعليمية

يقول تقرير وحدة تنسيق الدعم الصادر صيف العام الماضي إن 40% فقط من المعلّمين في مدارس المنطقة يحملون شهادات جامعية أو معاهد مختصة بالتعليم، في حين تعتمد المديريات على 18% من طلاب المراحل الجامعية، و42% من حملة الشهادة الثانوية، 40% منهم إناث و60% ذكور. وهي النسب التي لم تتغير كثيراً أيضاً في هذا العام بحسب من تواصلنا معهم.

يقول بعض المعلّمين الذين التقيناهم إن واقع المعلّمين في المنطقة بالغ السوء، حتى أن بعضهم لا يجيد القراءة والكتابة بشكل جيد! ويتساءلون عن الطرق التي تعتمدها مديريات التربية في التعيين، وعمّا إذا كانوا قد خضعوا بالفعل لمسابقة. ولا يقتصر الأمر على المعلّمين بل يتعداه إلى مدراء المدارس ومدراء التربية ومسؤولي المكاتب التعليمية، الذين يتم انتقاؤهم دون آليات واضحة.

ويرى بعضهم أن التعيين يتبع للواسطات، وأن عدداً من المعلّمين دخلوا السلك التعليمي بشهادات مزورة، كما تتعرض المدارس للتمييز، ففي حين يوجد في بعض المدارس عددٌ من أصحاب الشهادات الجامعية، تفتقر بعض المدارس لأي معلّم مُجاز، وتعتمد على حملة الشهادة الثانوية، فلماذا لا يتم التوزيع بشكل عادل على لأقل؟!

عن هذه المسألة يقول جمعة الكزكاز مدير تربية الباب إن هناك دورات تعليمية تقام بشكل سنوي، بهدف رفع سوية المعلّمين في طرائق التدريس والتعامل مع الطلبة ووسائل التعليم، وهي إلزامية لمن هم ضمن الملاك التربوي.

يتقاضى المعلّمون رواتب شهرية بمقدار 700 ليرة تركية لغير المتزوجين، و750 للمتزوجين، و800 لمدير المدرسة غير المتفرّغ و850 للمدير المتفرّغ، علماً أن سعر صرف الليرة التركية حالياً يقارب 5.57 ليرة لكل دولار. ويحصلون على معاشاتهم عبر بطاقة الكترونية من خلال صرافات مؤسسة PTT التابعة للحكومة التركية، وهي معاشات متدنية جداً ولا تلبي الاحتياجات المعيشية، خاصة مع توقيعهم لاتفاق يقضي بعدم عملهم مع أي جهة أخرى وعدم ممارسة أي عمل خاص تحت طائلة الفصل. كذلك تضمنت الشروط التي وقّعَ عليها المعلّمون عدم مشاركتهم في أي مظاهرات «سلبية» (يقولون إن المقصود هو المظاهرات ضد الحكومة التركية)، وعدم توجيه الانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الإدلاء بأي تصريحات للإعلام، وهو السبب الذي اضطرنا لإخفاء أسماء المعلّمين الذين أدلوا لنا بشهاداتهم.

الأكثر غرابة في قضية المعلّمين هم أولئك الذين تم تعيينهم لتدريس منهج اللغة التركية، إذ يقول من التقيناهم إن معظم هؤلاء غير مختصين ولا يحملون أي شهادة جامعية، وأحياناً لا يحملون حتى شهادة الثانوية العامة؛ بعضهم قضى بعضاً من الوقت في تركيا وتعلّم بعض الكلمات والأحرف هناك، وتم اعتمادهم على أساس الخبرة، وهو ما سيترك أثراً سلبياً على الطلبة في المستقبل وانخفاض درجاتهم، خاصة أن الأسئلة يتم وضعها وتصحيحها في تركيا للشهادة الثانوية.

*****

في ظل هذه الأوضاع، يلجأ كثيرٌ من الأهالي إلى «الكُتّاب»، وهي حلقات دراسية تُقام في المساجد بدعم من منظمات تركية، بهدف تعليم أطفالهم الحروف العربية وبعض القواعد وتحسين مستواهم العام؛ كذلك يفصح بعض الأهالي عن مخاوفهم من التسرب الدراسي في العام الحالي، وذلك في بعض المناطق التي تم إلغاء بعض الصفوف فيها بحجة عدم اكتمال العدد، ونقل الطلاب إلى مدارس تزيد مسافة الوصول إليها عن عشرة كيلو مترات، وهو ما يستحيل معه إكمال التحصيل العلمي بالنسبة لكثيرين منهم، في ظل غياب وسائل النقل والكلفة الكبيرة.

لا تُفرض أي رسوم على الطلبة خلال العام الدراسي، باستثناء مبلغ 500 ليرة سورية الذي يساوي أقل من دولار واحد، وهو ما يخفف من الأعباء المالية على العائلات، ويبقى أن مدارس ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، وبالرغم من المشاكل التي تعترضها، تنعم ببنية تحتية جيدة وحياة آمنة إلى حد بعيد، لكن بعض الأهالي يقولون إن «التتريك يشبه القصف، إلّا أنه أقل وطأة»، مطالبين بأن تمتلك مديريات التربية السورية في مناطقهم زمام الأمور. وعلى أمل تحقيق ذلك في المستقبل القريب، يخبرنا والد أحد الأطفال: «لا نريد صوراً لأي رئيس في صفوفنا» في إشارة إلى صور الرئيس التركي في بعض المدارس، و«لا نريد أعلام دول أخرى فوق رؤوس أطفالنا... لا نريد العودة إلى الأمة العثمانية».