مدارس عفرين تحت الوصاية التركية

 


بلغة عربية مكسرة يجيبنا الطفل محمد نور من طلاب الصف السابع على بعض الأسئلة التي طرحناها عليه، يقول والده إنه لم يتمكن حتى اللحظة، وبعد سنة دراسية كاملة في العام الماضي، من كتابة وقراءة الأحرف العربية، حاله كحال معظم الطلبة الذين اعتادوا الدراسة باللغة الكردية، التي كانت اللغة الرسمية في مدارس عفرين منذ عام 2014، عندما اتخذت الإدارة الذاتية إجراءات بالتحول إلى «نظام التربية للمجتمع الديمقراطي»، وتعليم الأطفال الكرد بلغتهم الأم في المراحل التعليمية كافة، وطباعة مناهج خاصة لهم.

وكان الجيش التركي وفصائل معارضة مدعومة منه قد سيطروا على عفرين وأريافها ربيع العام 2018، ما أدى إلى تفكيك الإدارة الذاتية وإلغاء أنظمتها وقوانينها، وإلى نزوح وتهجير نحو 137 ألف شخص من أبناء المنطقة، وذلك بحسب تقرير أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة ربيع العام الجاري 2019، بينما بقي قسم آخر من أبناء عفرين وأريافها الأكراد في بيوتهم وقراهم، ومنهم محمد نور وعائلته. وتُقدِّرُ مصادرنا عدد الطلبة الكرد في مدارس عفرين اليوم بنحو 30% من مجموع الطالبات والطلبة البالغ عددهم نحو 65 ألفاً، أما الباقون فهم من أبناء العائلات العربية المهجرة من أنحاء سوريا المختلفة، التي سكنت في عفرين وأريافها.

التدريس بلغة عربية وتبعية تركية

تنقسم عفرين من حيث الإشراف على العملية التعليمية اليوم إلى ثلاث مديريات تربية هي مديرية عفرين وريفها ومديرية راجو ومديرية جنديرس، تتبع إدارياً إلى مديريات التربية التركية في ولايتي كِلس وهاتاي، وتستقي منها التعليمات الإدارية وتلتزم بالقوانين التركية التي تخص الدوام والعطل الرسمية، كما تتكفل الحكومة التركية بدفع رواتب المعلمين وترميم المدارس وتأمين الكتب المدرسية واللوجستيات الأخرى من خلال مركز آفاد المختص بالخدمات اللوجستية لإدارة الكوارث والطوارئ التركية.

ويبلغ عدد المدارس حالياً في عفرين بنحو 232 مدرسة، تم ترميمها وإصلاحها من قبل الحكومة التركية، في ما كانت سابقاً تضمّ 311 مدرسة منها 261 مدرسة ابتدائية و50 مدرسة إعدادية وثانوية، وذلك بحسب دراسة أصدرها مركز عمران للدراسات في العام 2016، بينما كان مركز حرمون للدراسات قد قدّر عددها بـ 400 مدرسة، وذلك في دراسة بعنوان «الوضع التعليمي في شمال سوريا في ظل الإدارة الذاتية» في تشرين الثاني 2017.

ومنذ سيطرة تركيا والفصائل المدعومة منها على عفرين، تم استبدال المناهج الكردية بمناهج عربية مدققة من قبل الحكومة المؤقتة، يضاف إليها ساعات تدريسية لتعليم اللغة الكردية للطلاب الكرد، إضافة إلى ساعات تدريسية لتعليم اللغة التركية، التي أصبحت لغة أساسية في هذه المدارس يتم تدريسها لسائر الطلاب.

يقول مدير أحد المدارس، وقد رفض الإفصاح عن اسمه وذلك لتجنب تعرّضه للفصل وفق لوائح التعليم التي تمنع إدلاء أي مدرس بتصريح أو معلومات للصحافة، إن مديريات التربية أداة تنفيذية، وغالباً ما تأتي قراراتها من مديريات التربية التركية، سواء فيما يخص التوظيف أو العمل الإداري، وحتى العطل. يوضح مدير المدرسة أن عطلاً مثل عيد الجمهورية التركي وعيد الطفل وعيد الرياضة والشباب أقرت في مدارس عفرين، وألغيت مناسبات وعطل رسمية سوريّة مثل عيد الأم والمعلم وغيرها، ويضيف أن الجانب التركي هو الذي يحدد الدوام المدرسي وعطلة منتصف العام الدراسي إضافة إلى عطلة تسبقه لمدة أسبوع في كل فصل، ويتساءل عن سبب فرض هذه القرارات دون أن يكون للسوريين أي دور فيها.

وعن واقع المدارس في عفرين، أجمع المدرسون الذين التقيناهم من المديريات الثلاث أن الواقع التعليمي من حيث البنى والمرافق العامة «جيد»، إذ تم ترميم عدد من المدارس وإصلاح الأبواب والنوافذ والمقاعد الدراسية، إلّا أن الوسائل التعليمة تغيب عن هذه المدارس، التي تعاني من اكتظاظ الغرف الصحية، ونقص حاد في المخابر والمكتبات وغرف الحاسوب. محدثونا قالوا إن المدارس الثلاث التي يعملون فيها خالية تماماً من هذه الوسائل، ويعتمد المعلمون على الكتاب المدرسي، الذي يواجه نقصاً كبيراً أيضاً في بعض المقررات.

أما عن نوعية التعليم، فيقول مدير المدرسة إنه ليس بالشكل المطلوب، ويصفه بـ «الرديء» في بعض المدارس، خاصة مع غياب المدرسين الاختصاصيين والوسائل التعليمية والإشراف المباشر والرقابة التعليمية، والأهم من ذلك «تعلّق كافة هذه الأمور بمديرات التربية التركية التي لا تقوم بدراسة الطلبات إلا بعد فترة طويلة»، ناهيك عن منع الدعم من قبل المنظمات التي تعنى بالتعليم من العمل في عفرين إلّا عبر مركز آفاد.

المشكلة الأهم برأي المعلمين تكمن في الطلبة الذين لا يجيدون العربية، إذ يعاني المعلمون أثناء شرح الدروس لهذه الفئة، خاصة وأن كثيراً من المعلمين لا يجيدون اللغة الكردية، التي تم منع التدريس بها حتى من قبل المعلمين الكرد في المدارس. كذلك فإن معظم الطلبة المهجّرين كانوا قد انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة، ما عزَّزَ الفروق الفردية بين الطلبة، مع غياب الدورات المكثفة لإلحاق الطلبة المتأخرين في تحصيلهم العلمي بأقرانهم.

مدارس تحولت إلى مقرات عسكرية وأخرى مهدمة

تُقدِّرُ منظمة حقوق الإنسان في عفرين عدد المدارس المهدمة في المنطقة بنحو 70 مدرسة، وذلك نتيجة قصف القوات التركية أو الفصائل المدعومة منها ونتيجة المعارك التي دارت في المنطقة خلال العملية العسكرية التركية عام 2018، وهو الأمر الذي أكده من تحدثنا إليهم. ذلك إضافة إلى تحويل قسم من المدارس إلى مقرات عسكرية وشرطية، رغم الزيادة في عدد الطلاب في الغرف الصفية، الذي يصل إلى 45 طالباً وطالبة في الصف الواحد أحياناً.

في مدينة عفرين، تم تحويل مدرسة فيصل قدور إلى مقر للكومندوس التركي، وتحويل ثانوية البنات بالقرب من جامع أبو بكر الصديق إلى مقر للشرطة المدنية، وثانوية التجارة إلى مقر للشرطة العسكرية، بينما اتخذ المجلس المحلي من الثانوية الزراعية مقرّاً له. كذلك كان المجمع التربوي في عفرين قد أصبح مقراً للشرطة العسكرية قبل نقلها إلى ثانوية التجارة، بينما تعرضت مدرسة الصناعة للقصف وسرقة محتوياتها خلال المعارك، وتحولت مدرسة أمير غباري إلى مقر للقوات التركية وقسم للشرطة المدنية، ومدرسة أزهار عفرين إلى مقر قيادة للقوات التركية، ومدرسة الأصدقاء إلى مقر لفصيل «الشرقية» وقسم منها إلى مشفى، ومدرسة الكرامة (أقدم مدارس عفرين) إلى الشرطة العسكرية.

وفي ناحية بلبل استولت القوات التركية على مدرسة بلبل الإعدادية لتقيم عليها قاعدة عسكرية، وتعرضت مدرستان فيها للقصف، بينما سُرقت لوجستيات عدد كبير من المدارس في الناحية التي كانت تضم 33 مدرسة.

أما في ناحية المعبطلي التي تضم 32 مدرسة، فقد تحولت مدرستا ثانوية المعبطلي ومدرسة قرية شوربة إلى مقر للقوات العسكرية التركية. وفي ناحية راجو التي تضم 45 مدرسة ثلاثٌ منها مدمرة بالكامل، تحولت ثانوية راجو إلى مقر للقوات العسكرية التركية، وأغلقت ست مدارس في القرى التابعة لها، دون ذكر الأسباب.

في ناحية شراّن التي تضم 45 مدرسة، تم تحويل مدرسة خرابة شران إلى مقر للشرطة المدنية، بينما تحولت مدرسة ميدانكي إلى مركز إيواء. وفي ناحية جنديرس التي تضم 50 مدرسة، استخدمت المدرسة الابتدائية (الإعدادية سابقاً) فيها مستودعاً لمعدات عسكرية، والمدرسة الإعدادية في الجهة الغربية كمشفى عسكري، إضافة للدمار الذي طال عدداً من المدارس، كما تحولت المدرسة الابتدائية في ناحية شيه إلى مقر عسكري للقوات التركية.

يقول المدرس أحمد (اسم مستعار) إن هذه المدارس تعود إلى مديريات التربية، ولا يجب تحويلها إلى مقرات عسكرية، خاصة في ظل النقص الحاصل في أعداد الغرف الصفية، واضطرار الأطفال للتوجه إلى مدارس بعيدة نسبياً عن أماكن سكنهم لإكمال تحصيلهم العلمي، مبدياً دهشته من تحول مدرسة إلى مقر عسكري!

ويضيف أحمد أن مدارس أخرى جرى تغيير أسمائها، «رغم أنها لا تحمل أي دلالات يمكن اعتبارها مرفوضة من قبل الجانب التركي أو الفصائل»، ومنها مدرسة ميسلون التي تحولت إلى مدرسة فخر الدين باشا. يتساءل أحمد عن فخر الدين هذا، و«ما الذي يعنيه هذا الاسم للسوريين، في مقابل اسم ميسلون التي تمثل جزءاً من تاريخ الكفاح السوري ضد الانتداب الفرنسي».

ويكمل أحمد أن مديريات التربية ومعلميها لا يستطيعون الاعتراض على أي قانون أو قرار، الأعلام التركية تملأ المدارس وصور الشخصيات التركية كذلك الأمر، ويصف ما يحدث بأنه سياسة «تتريك»، ويبدى تخوفه من «التاريخ الجديد الذي يرسمه المعلمون ومديريات التربية للطلبة» في سبيل استرضاء الحكومة التركية والبقاء على رأس عملهم.

المعلمون تحت تهديد الفصل

لا تختلف السياسة التعليمية العامة في مناطق عفرين عنها في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة التركية في إعزاز والباب وغيرها من مدن وبلدات شمال وشرق حلب، ويرى بعض من التقيناهم أن التدخل التركي في المدارس السورية رفع من سوية التعليم وتأمين الخدمات العامة كـ «الترميم والإصلاحات والمقاعد والكتب المدرسية والمياه ووسائل التدفئة»، كذلك تكفّلها برواتب المعلمين التي تبلغ 700 ليرة تركية للمعلم غير المتزوج و 750 للمتزوج، و800 للمدير غير المفرغ و850 للمتفرغ، وذلك بمقارنتها مع مناطق المعارضة الأخرى في إدلب وحماة وريفي حلب الغربي والجنوبي واللاذقية، التي توقف الدعم عنها منذ بداية العام الدراسي الحالي جزئياً وبنسبة كبيرة وصلت حتى 65%، والتهديد بانهيار القطاع التعليمي بالكامل.

يقول المدرس يوسف إن التبعية لمديريات التربية التركية حققت حالة من الاستقرار التعليمي للمعلمين والطلبة في آن معاً، حتى وإن كان الثمن «بعض الأعلام والصور وإدخال اللغة التركية في المناهج»، فالأهم من وجهة نظره «تحقيق الاستقرار وديمومة التعليم»، خلافاً لآراء أخرى عبرت عن استياء أكبر من الوصاية التركية على مدارس عفرين.

وكانت مديرية التربية في هاتاي التركية قد أصدرت تعليمات إدارية بحق المعلمين في مدارس جنديرس، ما أدى إلى فصل عدد منهم على مراحل، يقدر مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا عددهم بـ 70 مدرساً، معظمهم من الكرد، إلّا أن عدداً منهم عاد إلى التعليم بعد استكمال الأوراق المطلوبة. ويرى المدرّس علي (اسم مستعار وأحد المفصولين) أن هذا القرار جائر، ومن المفترض أن يتم تطبيق مقتضياته من أوراق لازمة وغيرها على التعيينات الجديدة، خاصة وأن معظم المفصولين كانوا قد أمضوا فترة طويلة في التدريس أيام الإدارة الذاتية، ويصعب الحصول على أوراق تثبت سنوات الخبرة لديهم. ويُرجِع مركز التوثيق سبب الفصل إلى سياسة تستهدف إبعاد سكان عفرين عن مختلف المؤسسات التعليمية.

كذلك ترى المدرّسة إيمان في إيقاف الرواتب خلال العطلة الصيفية لغير المختصين «قراراً غير مدروس»، خاصة أن الرواتب ضعيفة بالأساس ولا تحقق استقراراً مالياً، تقول: «إن الرواتب لا تفي بالمستلزمات الأساسية كأجرة البيت والكهرباء والماء»، وانقطاعها سيؤدي إلى ضعف المردود التعليمي للمدرسين، أو البحث عن عمل آخر، وهو ما يخالف أحد الشروط الموضوعة من قبل مديرية التربية، إذ يتعرض للفصل كل مدرس يلتزم بأي عمل آخر.

يبلغ عدد العائلات القاطنة في عفرين اليوم 23964 عائلة، يشكل أبناء عفرين وريفها 35% منهم، بينما يُشكّلُ المهجّرون من دمشق وريفها نسبة 35% أيضاً، ويُشكّلُ مهجّرو حلب 13%، و5% من حمص، و3% من ديرالزور، 9% من بقية المناطق السورية، وذلك بحسب إحصائية المجلس المحلي في عفرين في نيسان 2019.