مدارس نهاية الأسبوع في ألمانيا

 

بلغ عدد طالبي اللجوء السوريين في ألمانيا منذ العام 2014 أكثر من نصف مليون شخص، وكان مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني قد قال العام الماضي إن عدد السوريين في ألمانيا من غير حاملي الجنسية الألمانية قد بلغ 699 ألف شخص مع نهاية العام 2017. وإذ نتحدث عن أعدادٍ كهذه، فإن ذلك يعني أن هناك عشرات آلاف الأطفال السوريين في ألمانيا لا يتلقون تعليمهم الأساسي باللغة العربية، ولا يتعلمونها بشكل منهجي في مدارس، وهو ما دفع سوريين كثراً إلى التفكير في بدائل كي لا يفقد هؤلاء الأطفال لغتهم الأم.

ولأن ألمانيا بلد هجرة منذ القدم، فإن ثمة مدارس لتعليم اللغة العربية فيها أصلاً، إلا أنها كانت تتواجد في المدن الرئيسية فقط كبرلين وبون، وبأعداد قليلة جداً. وبعد موجة اللجوء الكبيرة منذ العام 2015، تزايدت الحاجة إلى وجود مدارس كهذه، ومن أجل ذلك قامت مبادرات تطوعية سوريّة في الغالب، وأخذت على عاتقها القيام بهذه المهمة.

ونستطيع اليوم التمييز بين طريقين رئيسيين لتعليم اللغة العربية في ألمانيا؛ الأول يمر عبر المدارس الألمانية، التي اعتمد بعضها اللغة العربية كلغة إضافية يتعلمها الطفل خلال سنوات الدراسة، وتحتسب درجاتها ضمن درجات تحصيله الدراسي العام، لكنها لا تزال قليلة جداً ولا تغطي جميع مناطق تواجد الأطفال السوريين.

أما الطريق الثاني فيمر عبر مدارس خاصة بتعليم اللغة العربية، تتبع أحياناً لجمعيات مدنية، وهي منفصلة عن العملية التعليمية الرئيسية في المدارس الألمانية. ولا توجد إحصائية رسمية لعدد هذه المدارس، إلا أننا وبعد التواصل المباشر وجمع المعلومات الممكنة، نستطيع أن نقول إن كل ولاية من الولايات الست عشرة الألمانية تضم اليوم مدرسة واحدة كهذه على أقل تقدير، وفي برلين وحدها على سبيل المثال هناك ما يزيد على خمسة مدارس.

انطلقت «مدارس نهاية الأسبوع» كما تسمّى بشكل أساسي من العمل التطوعي، إذ لم يكن هناك في البداية رسوم يدفعها الأهل، ولا رواتب يتقاضاها المدرسون، وكان يتم حجز الصفوف الدراسية بشكل مجاني أيام العطل الأسبوعية، في مقرات منظمات أو مدارس ألمانية، ولمدة تتراوح بين ثلاث وخمس ساعات. لكن وبهدف مأسسة العمل، ولمواجهة عدم التزام كثير من الأهالي بإرسال أطفالهم المسجلين فيها، وبسبب صعوبة العمل أيام العطل، توجهت إرادة القائمين على هذه المدارس نحو تأسيس جمعيات تشرف عليها، وتستطيع انطلاقاً من شخصيتها الاعتبارية القانونية جمع التبرعات لدفع رواتب للمدرسين، وتقاضي رسوم رمزية من أهالي الأطفال لضمان التزامهم.

تجارب من أرض الواقع

«أردنا أن تظهر الغاية من افتتاح المدرسة في اسمها»، هكذا ابتدأ عاصم السيجري حديثه عن مدرسة «لغتنا أملنا» العربية في عاصمة ولاية ميكلنبورغ- فوربومرن الألمانيّة. والسيجري هو مدير الجمعية التي تتبع لها تلك المدرسة، وهو أيضاً موظف في وزارة التعليم الألمانية. وتضُمُّ المدرسة اليوم ما يزيد عن مئة وستين طفلاً من عمر السادسة وحتى عمر الخامسة عشر، معظمهم سوريون.

بعد وصوله إلى ألمانيا منذ حوالي ثلاث سنوات، تنبّه السيجري إلى أهمية هذا المشروع، خاصة لأنه يشكل فرصة استثنائية تسمح للأطفال السوريين بالعودة إلى ما أسماه «قطعة من الوطن». يقول: «لم يكن خلق جو اجتماعي غاية مُدرَكة بالنسبة لنا أول الأمر، لكننا استطعنا لمس الحالة الإيجابية الناتجة عن تقليص شعور الاغتراب لدى الأطفال، وهذا ما جعلنا نصرُّ على استمرارية المشروع. إضافةً إلى أنني وبشكل شخصي رأيتُ في المدرسة مشروع عمل جماعي محايد للسوريين، في الوقت الذي لم يستطع السوريون خلاله الاجتماع على أي هدف في أي عمل آخر يحمل طابعاً جماعياً، لا سيما أن هذه المدرسة لم تقتصر على تعليم اللغة، بل تجاوزته إلى نشاطات كثيرة كالاحتفال بالأعياد العربية ودورات تعليم السباحة، كرة القدم، الموسيقى، والرسم. ومن جهةٍ أخرى قد تكون اللغة العربية أيضاً عاملاً مساعداً أمام من يود العمل في بلدٍ ينطق باللغة العربية مستقبلاً».

وتحت إشراف الجمعية، استطاعت مدرسة «لغتنا أملنا» أيضاً تأمين دورات تدريبية في مجال طرائق التدريس الألمانية للمنخرطين في مجال التدريس، والذين لم يكن لديهم خبرات كافية سابقة قي هذا المجال.

لكن ثمة صعوبات وتحديات تواجه عمل هذه المدارس، من بينها ضيقُ الوقت المخصص لها خلال العطلة الأسبوعية، بسبب التزام الأطفال بالمدارس الألمانية بقية الأسبوع، وهو ما جعل إمكانية الوصول إلى مستوى مقبول في اللغة العربية أمراً غايةً في الصعوبة، ويحتاج وقتاً أطول.

كذلك ثمة صعوبة أخرى يواجهها المدرسون، وهي أن كثيراً من الأهالي يشعرون أن هذه المهمة منوطة بالمدارس فقط، فلا يقدمون عوناً لأطفالهم في هذا المجال، وهي إحدى الصعوبات التي واجهتها غادية رنة، مديرة مدرسة «لغتنا أملنا»

لدى غادية خبرة تزيد على عشرين عاماً في مجال التدريس في سوريا، ولذلك كانت لديها القدرة على تمييز التحديات المختلفة ومواجهتها، وعن ذلك تقول: «إحدى التحديات التي واجهتنا كانت مواقف بعض الألمان ممن شعروا بالخطر من فكرة التزام الأطفال العرب بتعلم لغتهم، في حين يجب عليهم المضي قدماً في تعلم اللغة الألمانية فقط، وعبروا عن ذلك تارة في مقالات صحفية وتارة أخرى في مواقف سياسية، أو حتى مباشرة في أماكن تجمعنا بهم. كان يجب أن نثبت لهم أن من يتقن لغته الأم، يستطيع التقدم باللغة الألمانية بشكل أفضل، لأنه سيستطيع الوصول أسرع إلى فهم معاني الكلمات من خلال مرادفاتها في ذخيرته اللغوية العربية. وهذا ما حققناه بالفعل، حين بدأ معلموا المدارس الألمان يطلبون مساعدتنا مع الطلاب العرب في مدارسهم، بعد أن قارنوا النتائج التعليمية لدى الأطفال الذين يتعلمون العربية بشكل منهجي، بنتائج الأطفال الذين لا يتعلمونها، ولمسوا الفارق بأنفسهم».

وفي سياق شرحها لقبول اللغة العربية كلغة ثالثة معترف بها في بعض المدارس الألمانية، تقول السيدة غادة: «يختلف نظام التعليم في ألمانيا نسبياً بحسب الولايات، إلا أنه يتطلب بالعموم تعلّمَ لغتين إضافيتين إلى جانب الألمانية. ولم تكن العربية في معظم الولايات والمدارس لغة مقبولة في هذا السياق، بسبب قلّة الناطقين بها وعدم تدريسها وفق منهاج رسمي، لكن مع انتشار المدارس المشابهة لمدرستنا، أصبحت نسبة الأطفال الذين استطاعوا تجاوز امتحانات اللغة العربية في المدارس الألمانية أكبر، الأمر الذي أدى إلى قبولها كلغة إضافية يُمتحن فيها الطالب، دون الحاجة حتى لتدريسها في المدارس الألمانية نفسها في أحيان كثيرة. ويتناغم هذا النظام مع القوانين الأوروبية، التي تنص على أن تعليم اللغة الأم حقٌ يضمنه القانون، مع اختلاف مدى وكيفية تطبيق هذا الحق ضمن نظم التعليم من دولة أوروبية إلى أخرى، ومن ولاية إلى أخرى في داخل ألمانيا نفسها».

اللغة والاندماج

أما عن الاندماج وعلاقته بتعلّم اللغة الأم، فتقول راما عقيد، مدرّسة اللغة العربية منذ عامين في المدرسة نفسها: «إن الاندماج بمفهومة السائد هو عمل أحادي الاتجاه، غير أنه من وجهة نظري ينبغي أن يكون ثنائي الاتجاه، ولا ينبغي أن يعني تلاشي اللاجئين والمهاجرين في المجتمع المضيف، فالاحتفاظ بالهوية العربية بعد الهجرة لا يتعارض بالضرورة مع الحصول على هوية أخرى مستقبلاً، بل إنه قد يساعد فيه ويعززه، كما أنه سيؤدي بالضرورة إلى تحقيق التوازن النفسي الذي فقده كثير من المهاجرين القدامى، عندما فكروا بالعودة إلى بلادهم ولم يستطيعوا».

في هذا السياق، تقول مديرة إحدى المدارس الألمانية السابقة، والمختصة بالشؤون السياسية والاجتماعية، آلموت لوبكيس: «إن تعزيز تعليم اللغة الأم في المدارس ليس من القضايا الجديدة، فمع موجات الهجرة المختلفة إلى ألمانيا كانت هذه القضية دائماً على جدول الأعمال. وقد تم اعتماد اللغتين التركية والروسية سابقاً في مدارس ألمانية كثيرة إضافةً إلى اللغة الألمانية، ومن الممكن جداً أن يتوسع هذا مستقبلاً مع اللغة العربية، نظراً للعدد الكبير من القادمين العرب إلى ألمانيا».

اللغة والهوية

ترتبط مسألة اللغة بالنسبة لكثيرين بمسألة الهوية الوطنية وحتى الدينية، لكن ثمة وجهات نظر متعددة حول هذا الأمر، ومن خلال تجربته الطويلة في العمل مع الأطفال في مراكز الإيواء في الحسكة، ثم تأسيسه لمنظمة خطوات للتنمية الاجتماعية في ألمانيا منذ عدة شهور، يقول السيد هاني شويخ، مدير مدرسة خطوات العربية في مدينة لاتزن الألمانية: «ليس للأمر علاقة مباشرة بالدين ولا بالسياسة، بل باللغة العربية التي أعتبرها مكوّناً رئيسياً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للمهاجرين العرب، فانتقال الأطفال إلى بنية اجتماعية مختلفة تماماً، يتطلب منا بذل كل الجهد للمحافظة على أحد حوامل الهوية الرئيسية ألا وهو اللغة، كي لا نتحول إلى مجرد أرقام في المجتمعات المضيفة».

من داخل مدرسة خطوات العربية في مدينة لاتزن الألمانية

من داخل مدرسة خطوات العربية في مدينة لاتزن الألمانية
من داخل مدرسة خطوات العربية في مدينة لاتزن الألمانية

وفي حديثه عن المناهج المعتمدة، يضيف شويخ: «عانينا الكثير في سبيل الحصول على مناهج مخصصة لأطفال المهجر، إذ لم تكن متوفرة في بداية الأمر، لذلك يقوم السوريون اليوم أيضاً بمهمة التأليف والطباعة». وهو يرى أن الافتقار إلى جهد جماعي يحقق تضافر هذه المشاريع، لا يزال عائقاً أمام الاطلاع على التجارب الأخرى المشابهة.

أما ريتا إسماعيل، التي كانت مدرسة للغة العربية في سوريا، وتشغل اليوم موقع الإدارة في مدرسة ياسمين في مدينة غيرا الألمانية، كما أنها عضو في المجلس البلدي للمدينة، فهي تعرّف رؤيتها للدور الذي تلعبه هذه المشاريع في مسألة الهوية بالقول: «أنا لستُ ألمانياً، بل أنا سوري في ألمانيا، هكذا يجب أن نرى المسألة». لكنها ترى من جانب آخر أن اللغة ليست فقط لأجل ذلك، إذ تقول: «من خلال عملي، لاحظتُ أن رغبة الأهل بتعليم أطفالهم اللغة مدفوعة برغبة لتعزيز الانتماء الديني، وهو أمر يبدو طبيعياً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن النسبة الأكبر من اللاجئين والمهاجرين العرب مسلمون».

لكن يبقى أن ثمة غايات أخرى لتعليم اللغة العربية، إذ تقول آلموت لوبكيس: «مستقبلاً وبعد نهاية الحرب، فإن عدم معرفة الأطفال باللغة العربية سيكون عائقاً أمام رغبة من يود العودة إلى وطنه منهم، وهذا ما قد يسبب نزاعاً بين الآباء والأبناء. رأينا كم كانت صعبةً محاولة الأطفال العودة إلى أوطانهم التي أصبحت غريبةً عنهم بعد نهاية الحرب في يوغوسلافيا، ولا يجب أن يتكرر هذا الأمر مرة أخرى».