مدخل في علم النفس الإيجابي

 

قريبًا ستكون الذكرى السنوية العاشرة لانطلاق الثورة السورية، والتي جاءت بدايةً لتحاكي بركان التمرد الذي اندلع عربيًا. أطلقنا على تلك المرحلة اسم «الربيع العربي» عن وعيٍ بما سبقها من شتاءٍ طويل، وتصميمٍ أنها ستكون ينبوعًا للطاقات البشرية المكبوتة. غير أنّ الحلم انقلب قهرًا على أبنائه، ورغم استمرار الشعلة بين الرماد، إلا أن الذات السورية مجروحةٌ إلى حدٍّ لا يحتمل.   

للأسف، لن ترجع عجلة الزمن إلى الوراء. وإن نفع البكاء، فلن ينفع الرجاء. خسارتنا أمام الذات كبيرة، وكل واحدٍ منا يعيشها بطريقته: من عزلةٍ وعجزٍ ومرارةٍ واكتئاب، وصولًا إلى إفراطٍ في السلبية والعنف حيال النفس والآخرين، وصولًا إلى تبلّدٍ وانفصالٍ عن الواقع أو انتحارٍ. كل ذلك يضطرنا إلى البدء باستطلاع إمكانيات العلاج والتشافي. ومن هذا المدخل أقدم مراجعتي لكتاب إطلاق طاقات الحياة، من منظور علم النفس الإيجابي (2011) لعالم النفس والكاتب اللبناني مصطفى حجازي، على أمل أن يثقّف في سيكولوجيا اقتدار الإنسان في مواجهة الأزمات.

يتطرق مصطفى حجازي لعِلم النفس الإيجابي في الفصل الأخير من كتابه الإنسان المهدور، الذي يناقش فيه حالات الهدر الجسيمة التي تنال من الإنسان في البلدان التي تعيث فيها العصبيات والأصوليات والاستبداد. تتراوح حالات الهدر التي تطرّق إليها بين هدر الدم الصريح واستباحة حياة الإنسان باعتباره عديم القيمة والحصانة، وبين أشكال الاعتراف المشروط بالولاء. بعد تفصيلٍ لأبعاد الهدر وآثاره على النفس البشرية، يحيل الكاتبُ الإنسانَ المهدور إلى علم النفس الإيجابي، بغية مساعدته على التغلب على وضعه المأزوم. ذلك أن الهدر يمسّ الإنسان في صلب كيانه وقيمته وفكره ووعيه وطاقاته. يطرح الكاتب علم النفس الإيجابي كوسيلةٍ وأداةٍ للخروج من دائرة الهدر المُفرغة التي تتوالد عبر الأجيال، وتتفاقم جراء التآزر بين آليات الهدر البرانية والذاتية.

ولحسن الحظ أنّ حجازي توسّع أكثر في الموضوع في كتابه إطلاق طاقات الحياة. أعتقد أن الكتاب مهمٌّ بالنسبة للسوريين المنتشرين في جميع بقاع العالم، وخصوصًا أولئك الذين تَوفَّرت لهم حدودٌ معقولةٌ من النجاة، ذلك أن علم النفس الإيجابي يطمح إلى أن يفيد الأفراد والجماعات في إعادة السيطرة على زمام أمورهم قدر الإمكان، وتقديم أفضل ما لديهم تبعًا للظروف، والتعامل مع الخسارات من خلال الفهم والفعل. ولا أبالغ حين أقول إنه ينبغي أن تدخل جميع أعمال مصطفى حجازي ضمن «المنهاج الإلزامي» للناجين والناجيات.

لقد جاء علم النفس الإيجابي في العقد الأخير من القرن العشرين كردّ فعلٍ على علم النفس العيادي المرضي، الذي يركز فقط على الأمراض والنواقص والمشاكل والمعوقات، ويهمل نقاط القوة والعافية لدى الأفراد. والسبب الذي جعل الأطباء يفكرون في ذلك الاتجاه، هو أنهم اكتشفوا أن الانفعالات الإيجابية والانفعالات السلبية لدى الإنسان منفصلةٌ من الناحية العصبية. هذا يعني أنه مهما اشتغل الأطباء مع مرضاهم على حل أمور الاكتئاب والآليات الدفاعية المرضية، لن يصلوا في أحسن الحالات إلا إلى وضعٍ صفريٍّ خالٍ من جميع المشاعر والإنجاز. لن يصلوا إلى ما يقترب من السعادة أو تحقيق الذات. وتكمن المشكلة في أن الطب النفسي ركّز طويلًا، أسوةً بفرويد وغيره، على نزوة الموت على حساب نزوة الحياة، إلى أن جاء علم النفس الإيجابي مؤخرًا ليجعل من نزوة الحياة وإحيائها موضوعه الأساسي.

يحاول حجازي بدايةً أن يُجيب على السؤال الوجيه: لماذا ينفع أن يُستخدم علم النفس الإيجابي في منطقتنا رغم نشأته الأميركية؟ فرغم أنّ السعادة صعبة المنال بالنسبة لمن عاش تحت وطأة القمع والحرب والجوع، إلا أنه يمكن تكريس هذا العِلم الحديث لغاياتٍ تتناسب أكثر مع أوضاعنا، على سبيل المثال، تحرير الطاقات الحية لدى الناس، والتي طالما عمِل الاستبداد على قمعها وقمقمتها في طموحه الدائم إلى الإخضاع. يحاول الاستبداد أبدًا أن يطفئ جذوة الحياة لدى الإنسان، وطمرها تحت ركام التجريم والتحريم والقمع والمنع، إلى أن يتعلم بدوره العجز الذي يفضي إلى السلبية والاكتئاب ومشاعر انعدام القيمة وفقدان تقدير الذات واجتياف العدوانية وانخفاض الإنتاجية وتبني المواقف الهروبية، والأهم تعطيل القدرات وطمس إدراك الفرص وتجنب المبادرات. هذا بالضبط ما تطمح إليه أنظمة القهر والهدر كي يستتب لها السلطان. وهكذا يصبح العجزُ المُتعلَّمُ الحليفَ الأول للاستبداد، حيث يرتد على شكل عدوانيةٍ إلى الذات، فيكيلها تبخيسًا وإدانةً وجلدًا، بدلًا من مواجهة قوى القهر والهدر الخارجية.

كما ينطلق حجازي من الفكرة المتفائلة، أن كلّ تَعلُّمٍ قابلٍ لإعادة التعلّم أو لتعلّمٍ مضادٍّ في الاتجاه، وأن العجز ليس قدرًا محتومًا. ذلك أن طمس الطاقات الحية لا يعني زوالها على الإطلاق، فهي تظل حاضرةً في وضعية كمون إلى أن يأتي وقت الانفجار، كما في حال الثورات، فتتكشّف نزوة الحياة. واللافت هو إيمانه أن نزوة الحياة أقوى وأعمق من أيّ شيء. ومهما طغى الاستبداد وطال، لا بد أن تتغلّب دفقةُ الحياة على الصعوبات. وهكذا يأتي الربيع بعد الشتاء، والسلام دائمًا بعد الحروب. في كل مرةٍ تستعيد نزوةُ الحياة صدارتها، فتستدرك خساراتها بعناد؛ إنها لا تستسلم. نزوة الحياة هي انتفاضة الطائر المذبوح، هي انبثاق الوردة بين الصخور، وفي السياق السوري هي الأرجوحة بين الدمار. تأتي نزوة الحياة أقوى وأعتى من الموت في أيام المحن الكبرى. لذلك ليس غريبًا أن يصلح علم النفس الإيجابي أيضًا كسندٍ للسوريين والسوريات في الشفاء، ولملمة الجراح، ومحاولة البدء من جديد، أينما كانوا.

لو لم يأتِ كتاب إطلاق طاقات الحياة كجزءٍ ثالثٍ لكتابين آخرين كتبهما حجازي: سيكولوجية الإنسان المقهور والإنسان المهدور، لسَهُلَ اتهامه بالطوباوية، أو حتى الشعبوية أو إنكار عمق مصاب الإنسان في المنطقة العربية. ولكن بعد ما سبق أن كتَبَه عن سيكولوجية الإنسان في العالم المتخلف اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، لا يمكننا فهم إطلاق طاقات الحياة إلا كمحاولة جدية لمنح المقهور والمهدور حلولًا مبدئية للنهوض من مأزقه الوجودي، وإرجاع زمام المبادرة إليه، مهما كانت الفرص ضئيلةً والإمكانيات شحيحةً وحرية الحركة محدودة.

ومن هنا نفهم عرضه لمثالين عن شخصين عاشا في ظروفٍ في غاية الصعوبة (معتقل سياسي في السجون الإسرائيلية، وامرأة معاقة جسديًا في بيئةٍ معاديةٍ لها)، ولكنهما تَمكَّنا من التأثير على حياتهما ومحيطهما، لأنهما كانا يتقنان فن التفكير الإيجابي فطريًا. مهما كانت النتائج بسيطةً في بادئ الأمر، إلا أن صمودهما أمام قهر الحياة وضعهما في المسار الذي حماهما من الانكسار وفقدان الشعور بالقيمة الإنسانية. يبدو هذان المثالان صادمين للوهلة الأولى، كما لو أن الانهيار أمام الجبروت مرفوضٌ، كما لو أن المسؤولية تقع بأكملها على عاتق الضحية، إلا أن حجازي لا يفعل ذلك انطلاقًا من تماهيه مع القوة، وإنما رأفةً بالمُستَضعَف خشيةَ انزلاقه السريع والنهائي نحو فقدان احترام الذات. يؤمن حجازي أن في نفس كلٍ منّا قوة كامنة، اسمها نزوة الحياة، كل ما علينا هو  تقفي أثرها في الروح الكليمة.

التفكير الإيجابي هو من أهم آليات علم النفس الإيجابي، أي التفكير الذي يعمل على الخروج من حالة العجز المُتعلَّم. ولكنّ المشكلة الكبرى هي أن أغلبية الناس يميلون إلى ترجيح السلبي على الإيجابي، مما يجعل النزعات التشاؤمية ظاهرةً شائعةً عربيًا، حتى قبل تردّي الأوضاع الذي أصاب المنطقة مؤخرًا. نميل عادةً إلى تضخيم سلبيات سلوكيات الآخرين، لا بل نتصّيدها إنْ سنحت الفرصة. ولا يوجد أسهل من نشر المزاج الهدّام الذي يبدو أنه ينتقل بالعدوى بين الناس. ولا نكتفي بذلك، بل نزيد الطينة بلةً بحصر أسباب فشلنا الفردي وإذلالنا وقهرنا في ذواتنا، بدلًا من إحالتها إلى الظروف الخارجية القابلة للتغيير من حيث المبدأ. كما نعممها على جميع قطاعات الحياة، ونؤمن أنها دائمةٌ لن تزول. رغم أن تضخيم السلبيات وتعميمها والقبول بالصراعات المُنهِكة هو نوعٌ من أنواع التفريج الانفعالي، إلا أنه يُفضي غالبًا إلى تعطيل الفاعلية الذاتية وتراجع روح المبادرة والتخلي عن المسؤولية. 

الخطوة الأولى في التفكير الإيجابي هي وعيُ ما أنت عليه وما تشعر وتفكر به وتفعله. بمعنى آخر، التبصّر بأحوال النفس، وصولًا إلى الشفاء من اضطراباتها، كما أنه الأساس التمهيدي لكل تغيير. لا يعني التفكير الإيجابي التركيزَ على الإيجابيات وإهمال المآزق والمشاكل والمعوقات، بل التساؤل: ما هي سلبيات وضعيةٍ إيجابية؟ وما هي إيجابيات وضعيةٍ سلبية؟ كيف يمكننا تعظيم الإيجابيات والشغل على السلبيات؟ أي أن التفكير الإيجابي هو النقيض للعجز واجترار المرارة والركون إلى الهزيمة الذاتية. كما وضع علم النفس الإيجابي برنامجًا تدريبيًا مفصلًا لعبور الخطوات اللازمة نحو التفكير الإيجابي، وقد تطرق الكاتب إلى بعض جوانب هذا البرنامج بأسلوبٍ يوصلنا إلى لب الفكرة ويعطينا بعض النصائح للشغل على مشروعنا إن أردنا. والأهم من كل ذلك أنّ تعلّم التفكير الإيجابي خطوةً خطوة له تأثيرٌ نفسيٌّ مُستدامٌ لا يزول مع الزمن.

يعتمد علماء النفس الإيجابي المذهبَ القصدي، حيث الإنسان هو صانع خياراته وقراراته. إنهم يبنون بذلك على التيار الإنساني الذي أسسه أدلر مناديًا بحسن الحال انطلاقًا من الغائية الذاتية. حيث تشكل نظريته النواة الأولى لعلم النفس الإيجابي، ومفادها أن الوراثة والبيئة تقدمان المادة الخام للشخص كي يبني عالمه انطلاقًا من ذاته الابتكارية. يصنع الإنسان عالمه في حالةٍ دائمةٍ من الصيرورة التي تتخذ طابع مشروع الحياة المستمر. وبهذا نكون بصدد منظورٍ فاعلٍ ومبادرٍ ومُقرِّر، على عكس المنظور التحليلي النفسي الفرويدي المنفعل والمُتلقي. والدليل على هذه النظرية نجده في إنجازات البشرية الكبرى، التي تقوم أساسًا على هذه القصدية الذاتية الفردية أو الجماعية، مما لا ينفي أثر الدوافع اللاواعية التي تتخذ في حالات العطاء الاستثنائي شكل قوة دفعٍ لا تنضب. كما أن كثيرًا من المبدعين والمبدعات عُرِف عنهم اضطراباتهم النفسية، التي لم تقف حجر عثرةٍ في وجه طاقاتهم الصحية التي لم يصبها المرض. وعلى خلاف فرويد الذي أكد على طاقات الإنسان اللاواعية الشيطانية، ينطلق علم النفس الإيجابي من القوى الطيبة والخلّاقة التي تعمل بموازاتها. والأهم من كل هذا أنه لا ينظر فقط إلى ما نحن فيه، وإنما إلى ما يمكن أن نصيره، فيفتح باب الاستشفاء والتغير ونمو الإمكانات وإطلاق نزوة الحياة.

لا يحاول علم النفس الإيجابي رسم صورةٍ وردية، وبخاصة أنه اكتشف بنفسه أن تجارب الحياة القاسية قد تزيد من قوة الإنسان وصلابته، ولكن بمقدورها أن تشلّه كذلك إذا تجاوزت حدودًا معينة. لذلك يحاول علم النفس الإيجابي أن يولي الاهتمام لكفّتي ميزان ضغوط البيئة بسلبياتها وإيجابياتها، من دون التركيز التوحّدي على العجز على حساب الاقتدار والنماء. ربما لن تكون النتيجة بالنسبة للسوريين حياةً مليئةً بالسرور، وإنما حياةً أقل هدر، وأكثر امتلاءً بالمعنى والعطاء.

وكما يعترف حجازي أنه لم يُضمّن كتابه سوى مقتطفاتٍ من علم النفس الإيجابي، مما رآه مهمًا من منظور الإنسان المقهور والمهدور، كذلك لم يتسنّ لي سوى انتقاء رؤوس أقلامٍ مما وجدتُ مناسبًا في سياق مراجعةٍ قصيرة للكتاب. ذلك أن الكاتب تَطرَّقَ إلى عدة مواضيع، ولا يسعني في ما يلي سوى المرور على ذكرها لا أكثر: آليات التفكير الإيجابي ومعوقاته، والانفعالات السلبية والإيجابية، والعجز المُتعلَّم، والتفاؤل والتشاؤم، والأمل الفاعل، والحرية الجوانية، والدافعية الجوانية الأصيلة، والإنجاز، والاستغراق، والفاعلية الذاتية والجماعية، والالتزام بقضية كبرى، واقتدارات الحكمة والشجاعة والحس الإنساني والعدالة والاعتدال والتسامي، والذكاء العاطفي، والقيادة التحويلية المنمية، وحسن الحال. كما حاول الكاتب تطبيق هذه المبادئ على علم نفس الأسرة في كتابه الأسرة وصحتها النفسية (2015).

قد يشكل إطلاق طاقات الحياة مدخلًا للقارئ لوعي ردودِ أفعاله على الأزمات، وتنبيهه للمروحة الكبيرة من الاستجابات التي بوسعه الاختيار من بينها، بغرض استدماج استجاباتٍ تدعم الصحة النفسية الفردية، وربما الجماعية على المدى البعيد. فالاستثمار في تنمية الإنسان وصحته لا يقل أهميةً عن الشغل على البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية العامة. كما أرى من الضروري التفكير بتبني علم النفس الإيجابي من قبل المؤسسات التي تتعاون مع الناجين والناجيات. ليس بغرض أن يشكل فرعًا مستقلًا، بل كي يتخلل العلاجات النفسية الأخرى، ويثريها من خلال محورة الاقتدار ضمن نموذجٍ كليٍّ وشمولي ومتكامل للإنسان.

ثمة فجوة كبيرة بين أحلامنا وواقعنا. ولو حاولتُ تلخيص الكتاب في بضعة كلمات، لن أجد أفضل مما يردده البعض: «اليأسُ ترفٌ لا يملكه السوريون!». هذا لا يعني أنه لا يحق لنا السقوط، بل أننا سوف نكون قادرين على النهوض من جديد.