مدرسة الأسماء

 

بِنُسخها القديمة والمعاصرة، لا تزال الكونفوشيوسيّة تقدّس العائلة النووية التي يشغل فيها الأبّ موقعاً مركزياً. نادى كونفوشيوس، أو كونغزي،1 بمبدأ «الرعاية المنحازة»، أي أنَّ التزامات الفرد الأخلاقيّة تجاه أسرته، وقرابة الدم عموماً، لها الأولوية على التزاماته إزاء الآخرين. أحد تلامذة كونغزي ذَكَرَ ابناً اشتكى على والده بعد أن رآه يسرق خِراف الجيران، فردّ كونغزي: «على الآباء أن يغطّوا على أبنائهم، وعلى الأبناء أن يغطّوا على آبائهم». ورغم وصف المؤسّسة السياسيّة الحاكمة في الصين بـالشيوعيّة، إلا أنّ التحالف بين القوميّة المتشدّدة في جهاز السلطة والمُحافَظَة الاجتماعيّة في الثقافة السائدة واضحٌ بشكل ملموس في الصين الحديثة، إذ لا تزال الكونفوشيوسيّة العقيدة الدينيّة الأكثر تجذّراً. لم تتكيَّف الثقافة الاجتماعيّة مع النزعة التقدميّة في الإيديولوجيا الشيوعيّة، بل تكيّفت الإيديولوجيا الشيوعية مع المحافظة الاجتماعيّة في الكونفوشيوسية السائدة. ومن هنا تأتي أهميّة «مدرسة الأسماء»، كحركة فكريّة تفنّد مبدأ «الرعاية المنحازة». الانحياز كمبدأ يشجِّع المحسوبيّات ويزكّي علاقات القرابة على حساب تحقيق التكافل الاجتماعي. تعرَّضت المدرسة دوماً إلى طمسٍ وتشويه في الحقب التاريخيّة التي كانت فيها الكونفوشيوسيّة ممسكة بزمام السلطة. في هذا النص، سأتناول بشكل مفصّل «مدرسة الأسماء» ونقاشها مع الكونفوشيوسيّة؛ النقاش الذي ترك تداعيات على الفلسفة الأخلاقية وفلسفة اللغة وعلم المنطق. 

أصل المدرسة

«نهر وي Wei في الصين كبيرٌ في الحجم. رجلٌ غنيّ غرق في النهر، وعثر فلاح فقير على الجثّة. طلبت عائلة الرجل الغني استعادة الجثّة، ولكن الفلاح اشترط مبلغاً كبيراً من المال. اشتكت العائلة عند المحامي دينغ Deng XI، والذي ردّ عليهم مباشرة: "لا تقلقوا! لن يستطيع الفلاح بيع الجثّة لأيّ شخصٍ آخر، لن يدفع أحدٌ مبلغاً كبيراً من المال لجثّة لا تعني له شيئاً". قلقَ الفلاح من تأخُّر العائلة في الردّ، ونقل خوفه إلى دينغ الذي قال له بصراحة: ’لا تقلق! العائلة حتماً تحتاج إلى جثّته حصراً لمراسم العزاء، ولن تستطيع شرائها من شخصٍ آخر‘».2

في كلّ فلسفة، يتواجد مفكّرون وكتّاب يثيرون مفارقات لغويّة تنتج جملاً منطقيّة صحيحة ومتعارضة في الوقت نفسه. أحياناً، تكون هذه المفارقات ألعاباً لغوية فارغة، وحركات بهلوانيّة لا حيثيّة فلسفيّة لها، وأحياناً أخرى، ترفع إلى الواجهة قضايا فلسفيّة دقيقة. في الفلسفة الصينيّة، يعتبر دينغ (501- 545 قبل الميلاد) من أوّل ممارسي المفارقات اللغويّة. في قصّة نزاع الجثة بين الفلاح والعائلة، يوضّح دينغ قناعته ببلاغة، إذْ إنّ الفرضيّتان قويّتان بالدرجة نفسها. كلّ طرف قادرٌ على تقديم سببٍ صالح ومساوٍ تماماً في قوّة الإقناع والصلابة المنطقيّة مع سبب الطرف الآخر. طوّر دينغ مهارة استخدام المفارقات أثناء عمله كمحامٍ في المحكمة العامة آنذاك، إذْ كان يمثّل قضايا الناس أمام المحكمة، وهو فعلياً أقدم محامٍ معروف في تاريخ الصين. مكافئ دينغ في الفلسفة الأوروبيّة والتقليد الغربي هم السفسطائيّون. عند الإغريق، كان السفسطائيون أيضاً رجال دولة يكتبون خطابات مأجورة تُقرأ أمام المحاكم بصوتٍ عالٍ. وبسبب الفرادة في استخدام الكلام، أظهروا قدرة هائلة في الدفاع المنطقي عن فرضيّتيْن متناقضتيْن في الوقت نفسه. أخرجَ بعض السفسطائيين هذه النزعة من كواليس التكسُّب والارتزاق، وحوّلوها إلى أسلوب في التفكير يطرح مشاكل فلسفيّة جديّة. الجملة الأشهر في الفلسفة الإغريقيّة هي لبروتاغوراس (481- 411 قبل الميلاد)، والتي تقول: «البشر مقياس كلّ الأشياء»، وهي المقولة المكافئة بمعناها لنسختها الصينيّة: «الفرضيّتان المتناقضتان متساويتان بدرجة الإقناع».

رغم أنّ دينغ هو أوّل فيلسوف في تقليد «مدرسة الأسماء»، إلا أنّ كتاباتٍ قليلةٍ منه نجت. لم تكن المدرسة يوماً حركة منظّمة ذات مَأسسة واقعيّة تضمّ أتباعاً ومريدين مثل الكونفوشيوسيّة والموهيزيّة. «مدرسة الأسماء» اتّجاهٌ في التفكير، والتسمية صُكَّت لاحقاً بعد قرون عند هيمنة سلالة هان.3 آنذاك، وُضِع أوّل تشخيصٍ لانشغالهم كحركة تقدّم مرافعاتٍ منطقيّة في الدفاع عن فرضيّات متناقضة باستخدام فنّ الكلام. الكاتبان الأكثر تأثيراً بعد دينغ هما: هوي شي (Hui shi) وغونغسون لونغ (Gongsun Long)، اللذان عاشا في القرنَيْن الرابع والثالث قبل الميلاد. هوي مشهور بجُمَله العشرة، ولونغ بمفارقة «الحصان الأبيض ليس حصاناً»، إذْ أطْلَقا نقاشاً محتدماً يُظهِرُ كم كانت الفلسفة الصينية متطوُّرة وجديّة. سيحاول هذا النصّ شرح الأفكار الرئيسيّة عند الكاتبَيْن، مع التركيز على الاستعارات الأدبيّة والقصص المسليّة التي تخفّف من ثقل التجريد الفلسفي.

الجمل العشرة

تميّز هوي4 كرجل دولة أثارَ كثيراً من القضايا الفلسفيّة وكمنظّر لمفاهيم الفضيلة الأخلاقيّة والصالح العام، واشتهر بشكلٍ خاص بجملته الأخلاقيّة العاشرة في نظامه الفلسفي المُحكَم. عمل كمسؤول حكومي بارز عند حاكم دولة وي Wei. قدّره الملك، ورفعه إلى مرتبة الإجلال بتسميته «خال الملك». لمّا تعرّضت وي إلى غزوٍ عسكريّ، أُجبِر مع نخبة من المسؤولين الحكوميين على الهرب خوفاً من الوقوع في قبضة الأسر. كفيلسوف له 10 أطروحات مرتّبة كما يلي:

1-  لا يوجد شيء خارج الأكبر، ولا يوجد شيء داخل الأصغر.

2-  السماكة شرط التراكم، وما لا سماكة له لا يُراكَم، رغم أنّه يمكن يكون بطول اللانهاية.

3-  الجنّة والأرض منخفضتان بالدرجة نفسها، والجبال والوديان تقع على المستوى نفسه.

4-  في اللحظة التي تصل فيها الشمس إلى عُلوّها المطلق: تبدأ بالهبوط. وفي اللحظة التي يولد فيها المرء: يبدأ الموت.

5-  كل شيئين مختلفان في المقارنة الصغرى، ومتشابهان في المقارنة الكبرى.

6-  لا حدود للشمال.

7-  غادرتُ مدينة يوي Yue اليوم، ووصلتُ البارحة.

8-  يمكن للخاتمَيْن المرتبطَيْن البقاءُ منفصليْن.

9-  أعرف جنوب الأرض، يقع في شمال يان Yan وجنوب يوي Yue.

10-الرعاية يجب أن تكون شاملة وعشوائيّة وغير منحازة، والجنّة والأرض كُلٌّ واحد.

لفهم هذه الألغاز الغامضة، تُقسَّم الجمل العشرة إلى ثلاث طوائف. الأطروحتان 1 و2 تحملان مفارقاتٍ مكانيّة، والأطروحات من 3 حتّى 9 تتناول مفارقات المنظور الذاتي، أمّا الجملة العاشرة والأخيرة، فتحمل مبدأ أخلاقياً شاملاً كخلاصة لكلّ ما سبق.5

فكّ الألغاز

«الأكبر» في الأطروحة الأولى هو مفهوم الكون بالمجمل. الكون كواحدٍ كليّ مطلق في اللانهاية. لا شيء وراء هذا الكلّ الفريد المتميِّز عن الآخرين بعدم وجود أي حدود مكانيّة له. لا شيء يقع خارجه، وإن وُجِد شيء جديد، فسيكون حتماً جزءاً منه وامتداداً داخله. «الأصغر» هو نقطة الرياضيات. الصينيون أسسوا المبادئ الأولى في الرياضيات. للنقطة موقع فقط، وليس لها أي سماكةٍ أو عمق أو اتساع، ولا فراغ داخلها. الأطروحة الأولى تضعُ حجر الأساس لأوّل مفهومين في الرياضيات: النقطة واللانهاية. الأطروحة الأولى طريق الثانية. لا فراغ داخل النقطة الرياضيّة، وإذا وجد سيتفكّك فوراً إلى نقطٍ أخرى. الفراغ قابل للتفكيك إلا ما لانهاية إلى نقاط. ولأنّ النقطة معدومة السماكة، فإنّ وضع نقطة على نقطة أخرى لن يشكّل سوى نقطة أخرى، والتراكم مستحيل. لا يؤدّي دمج الأشياء معدومة السماكة إلى التراكم. في حين أنّ المستقيم الممتد إلى اللانهاية مصنوعٌ من نقاطٍ فقط!

والحال فإنّ دقة أسماء مثل «مرتفع» أو «منخفض» ترتبط بالمكان الذي تُقاس منه. مدينة نيويورك مرتفعة بالنسبة إلى صحراء وادي الموت (Death Valley) ومنخفضة بالنسبة لمدينة إيبسن في ولاية كولورادو. في الجملة الثالثة إشارة بأنّ المكان قد يكون مرتفعاً ومنخفضاً في وقت واحد من منظورَيْن مختلفَيْن، والحكم يعتمد على موقع الناظر. في الأطروحة الرابعة ذهابٌ إلى ما هو أبعد. عادةً، يُقال بأنّ الشمس تهبط عند الغروب لحظة اختفائها وراء الأفق. ولكن الشمس فعلاً تبدأ بالهبوط الفعلي في منتصف الظهيرة بمجرّد أن تلمس علوّها الأخير. تأتي سيرة الموت عند الاقتراب الوشيك منه، ولكنّ لحظة الولادة هي فعلاً شقّ طريق جديد باتجاه ثقب الموت.

الادّعاء الخامس مركّب قليلاً. لمّا تتمّ المقارنة بين الأشياء تُقصَى الصفات النوعية الخاصّة بكل شيء، وتُلْتقَط الصفات المتشابهة بينها. مثلاً، يصنّف كاتب وقارئ النصّ بأنّهم «بشر» في سياق تمييزهم عن القطط والكلاب التي تُدرَج في خانة «الحيوانات». ولكن من الممكن جمع إنسان مع كلب في خانة «سكان المنزل نفسه»، أو مع قطة في خانة «المخلوقات التي تموت دون غذاء». بتركيز أكثر: أي شيئين في الكون يتشابهان في صفة واحدة على الأقل (هي «أشياء» على الأقلّ)، ويختلفان بصفة واحدة على الأقل (وإلا فهي ليست «أشياء» منفصلة ومستقلة). التشابه في الحالة الأولى هو المقارنة الكبرى، والاختلاف في الحالة الثانية هو المقارنة الصغرى. في الادّعاء السادس قناعة فلكيّة بأنّ الأرض كرويّة. رفضَ هوي أكثر من مرّة في كتاباته فكرة وجود حدود نهائيّة يخلص بعدها العالم. في الأرض الكروية، الاتّجاه نحو الشمال هو مشيٌ في الاتجاه نفسه، ولا معنى لاسمِ «شمال» أصلاً. الأطروحة السابعة تَقبضُ على الطبيعة النسبيّة لتسميات مثل «اليوم» و«البارحة» و«غداً». لنفترض أنّ عبوراً تمّ في الحدود الألمانية- الهولندية في منتصف الليل (الساعة 00:00) وتحديداً ليلة الثلاثاء وصباح الأربعاء. الحدود جزءٌ من الدولتَيْن، ومنتصف الليل ينتمي إلى اليومَيْن. لذلك، فإنّ جملة: «غادرتُ إلى هولندا اليوم (الأربعاء) ووصلت البارحة (الثلاثاء)» لا غبار عليها. أيّ لحظة يمكن أن تكون «الآن» و«البارحة» و«غداً» في الوقت نفسه، وتكتسب التسمية شرعيَّتها فقط من الموقع الزمني للمتكلّم.

الأطروحة الثامنة تستدعي تخيّلاً لخاتمين متشابكين مستقرّان في وضعيّة بحيث لا يتلامسان ويحافظان على وضعيّة الانفصال. يُضبَط الخاتمان في زاويةٍ، بحيث يمرّ كل خاتم من مركز الخاتم الآخر. يقصد هوي بجملة الخاتمين العلاقة السياسيّة بين الحاكم والشعب، إذْ يبدوان منفصلَيْن، ولكن كلّ منها يعتمد على الآخر. لولا كدُّ الشعب لن تزدهر دولة الحاكم، وإذا لم يفتح الحاكم مخازن الحبوب عند المجاعة سيموت الشعب. الادّعاء التاسع متشابك مع الظرف السياسي الذي كان سائداً في حقبة هوي التاريخيّة. آنذاك، كان يطلق على كل من يعيش خارج حدود دولة وي Wei بأنهم همج وبرابرة، في حين أنّ سكان المركز هم النبلاء والمتحضّرون. ولكن من منظور «البرابرة» فإنّ المركز هو مكانهم، والهامش هو دولة وي.

الرعاية الشاملة

لم يكن هُوي مجرّد فنان في الكلام يتسلّى بالتناقضات المنطقيّة، و«ينكش» أمثلة تكشف الطبيعة النسبيّة للأسماء، بل حمل فلسفة أخلاقيّة من نوعٍ خاص، كانت بالضدّ تماماً من الفلسفة الأخلاقيّة الكونفوشيوسيّة السائدة في الصين القديمة (والحديثة أيضاً على فكرة)، وتحديداً مبدأ الرعاية المنحازة. حسب الكونفوشيوسيّة، البشر بالعادة منحازون وغير حياديين في قراراتهم الأخلاقيّة ورعايتهم للآخرين. يهتمّ البشر بأنفسهم أولاً، وبأُسرهم قبل الآخرين، وبأقاربهم قبل معارفهم، وبمعارفهم قبل الآخرين... وهكذا في سلسلة هرميّة تصاعديّة تعتمد معياراً ثابتاً. ولكن مقولة هوي الأساسية هي أنّه لا معيار ثابت لتقسيم الأشياء، والجمل من 1 حتّى 9 تسعى فقط لإثبات هذا الأمر. في الجملتين 1 و2 إقرارٌ بعدم القدرة على اجتراح معيارٍ مكاني لتقسيم الأشياء، وفي الجمل من 3 إلى 9 إظهار لاستحالة إيجاد معيار نوعي يقوم بالوظيفة نفسها.

والحال، فإنّ الجدل يُحسَم عادة بأنّ كل كيانٍ منفصل عن الكيان الآخر (مثلي أنا وأنت) بسبب وجود حيّز مكاني فارغ بينهما. ولكن في الجملتين 1 و2 الفراغ قابل للتقسيم إلى ما لانهاية، ومن غير الممكن إيجاد حيّز مكاني فارغ يفصل بين شيئين. بين النقطتين أ و ب توجد نقطة ج، وبين أ و ج توجد النقطة د.... محاولة إيجاد نقطة تلي أ، ومنفصلة عنها بحيز مكاني فارغ هي مستحيلة. لذلك، فإنّ عملية إقرار الحدود المكانيّة بحاجة إلى معيار ما، وهذا المعيار يكون إمّا متّفقاً عليه اجتماعياً أو اعتباطياً وتعسّفياً.

إذاً، من خلال الإشارة إلى الطبيعة النسبيّة للأسماء تؤكّد الجمل من 3 إلى 9 استحالة صياغة معيارٍ يعتمد على النوع في فرز الأشياء. إذا ما كانت مدينة نيويورك مرتفعة أم منخفضة، وإذا ما كانت الشمس تهبط في منتصف الظهيرة أو الطفل يموت لحظة الولادة، وإذا ما كانت لحظة زمنيّة هي اليوم أو غداً أو البارحة، هي كلها أمور تنطلق من المنظور الاعتباطي للشخص وموقعه لحظة الكلام.

مرّة أخرى: أي معيار نوعي في فرز الأشياء هو نسبيّ ومتغيّر. ومن المستحيل تقديم دفاع فلسفي مقنع عن الرعاية الكونفوشيوسيّة المنحازة التي تعتمد على مبدأ القرابة كمعيار ثابت. لذلك، فإنّ الرعاية والمبادئ الأخلاقية يجب أن تكون شاملة وعشوائيّة وغير منحازة وحياديّة، وهذا بالضبط جوهر فلسفة هوي الأخلاقيّة. الكونفوشيوسية المعاصرة أخذت نقد هوي على محمل الجد، وردَّت بأنّ الرعاية الشاملة هي إجراء متناقض مع الطبيعة البشرية. في النهاية، وحسب التجربة المحسوسة، الناس يكترثون أولاً لأولادهم قبل أولاد الآخرين، ومن غير الواقعي وضع مبدأ أخلاقي يقف على هذه الدرجة مع التوتر والتباعد مع الطبيعة البشرية.

التطابق والاحتواء

غونغسون لونغ معروف بحواراته الفلسفية الثنائية وبجملة «الحصان الأبيض ليس حصاناً». أسلوبه في التفلسف شبيه بالحوارات في الفلسفة الإغريقيّة عند أفلاطون وسقراط، إذ يدافع طرف عن فرضيّة معيّنة في حين أنّ الطرف الآخر يقف على موقع النقيض منها. مفتاح فهم مفارقة الحصان الأبيض هو الغموض والالتباس المتأصّلان في البنية القواعديّة للغة نفسها. لحسن الحظ، تحمل الجملة باللغة العربيّة الالتباس نفسه، وهذا ما يجعل فهم الإشكاليّة أمراً لا يتطلّب أي معرفة باللغة الصينيّة.

الآن؛ ماذا يعني القول بأنّ X ليس Y؟ ورغم أنّ الجواب يبدو واضحاً جداً، إلا أنّ هنالك فرقاً بين جملة «الرجل الخفاش ليس خفاشاً»، و«الرجل الخفاش ليس الممثل جيمي أولسن». الجملة الأولى تنفي انتماء الرجل الخفاش إلى مجموعة معيّنة هي مجموعة الخفافيش، في حين أنّ الجملة الثانية تنفي تطابق الرجل الخفاش مع الممثل جيمي أولسن. عادة، لا يُلاحظ هذا الفرق، وسياق الكلام يوضّح المعنى المقصود. ومنه، فإنّ لجملة «الحصان الأبيض ليس حصاناً» مَعنَيان.

A-  مجموعة الأشياء التي تكون أحصنة وبيضاء في الوقت نفسه ليست جزءاً («غير محتواة» بلغة الرياضيات) من مجموعة الأشياء التي تكون أحصنة فقط.

B-  مجموعة الأشياء التي تكون أحصنة وبيضاء في الوقت نفسه ليست متطابقة مع مجموعة الأشياء التي تكون أحصنة فقط.

الجملة A خاطئة، لأنّ مجموعة الأحصنة البيضاء محتواة فعلاً في مجموعة الأحصنة، ولكن الجملة B صحيحة، لأنَّ مجموعة الأحصنة البيضاء ليس بالضرورة أن تكون متطابقة مع مجموعة الأحصنة. مجموعة الأحصنة ستحتوي ألواناً مختلفة من الأحصنة السوداء أو الحمراء أو البنية أو البيضاء أو أي لون آخر، وبالتالي فهي ليست متطابقة تماماً مع المجموعة المؤلّفة من الأحصنة البيضاء فقط. عندما يقول لونغ بأنّ «الحصان الأبيض ليس حصاناً» فهو يقصد تماماً الجملة B أي أنه يشير إلى التطابق وليس إلى الاحتواء.

خاتمة

حقّقت «مدرسة الأسماء» صدمة داخل الفلسفة الغربيّة عندما تُرجمت أوائل النصوص إلى اللغة الإنكليزية في النصف الأوّل من القرن العشرين. ثمّة اعتقاد بأنّ هذا الاتجاه في الفلسفة يقوّض المنطق، ويسعى إلى تدمير الثقة باللغة، ولكنّ يردّ آخرون بأنّ هذا الاعتقاد خاطئ، لأنّ كتّاب المدرسة يستخدمون المنطق أولاً. إثارة المفارقات هو لإبقاء الذهن في حالة من الاشتعال الدائم من خلال استراتيجيّة الخلق المستمر للأزمة المنطقيّة. كما أنّ كل هذه المفارقات تهدف إلى التنبيه بضرورة فهم سياق الطرف الآخر ومنظوره في الرؤية قبل كلّ عملية نقد، لأنَّ فهم موقع الطرف الآخر يجعل جملة مشعّة في لا منطقيِّتها مثل «الحصان الأبيض ليس حصاناً» منطقيّة وصحيحة تماماً.   

  • 1. كونفوشيوس هو التسمية الغربية، أو التسمية خارج الصين عموماً، لكونغزي. لا توجد فعلياً معلومات دقيقة عن وقت ولادته ووفاته، وثمّة شكوك حول حقيقة وجوده أصلاً. وقلة الدلائل على وجوده تشابه الشكوك حول وجود المسيح أو سقراط.
  • 2. كل النصوص والأمثلة والقصص الواردة في النص مأخوذة من كتاب قراءات في الفلسفة الكلاسيكيّة الصينية (Readings in Classical Chinese Philosophy) الصادر عام 2001، للكاتبَيْن والمترجمَيْن فيليب ج.إيفانهوي Philip J. Ivanhoe وبريان فان نوردن Bryan W. Van Norden. يُعتبَر هذا الكتاب مرجعاً معتمداً في قراءة النصوص الكلاسيكية الصينية باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
  • 3. سلالة هان هي ثاني سلالة وراثيّة حكمت الصين، وتحديداً من عام 202 قبل الميلاد حتى عام 221 بعد الميلاد، واعتمدت الكونفوشيوسية كدينٍ رسميّ للدولة.
  • 4. منعاً للالتباس بين كلمة «شيء» والاسم الثاني لهُوي شي، سأشير إليه في كلّ النص باسمه الأوّل هُوي.
  • 5. هذه التفسيرات مأخوذة من كتاب آخر لبريان فان نوردن بعنوان مدخل إلى الفلسفة الصينية (Introduction to Classical Chinese Philosophy) الصادر عام 2011، وتحديداً في الفصل الخاص بـ«مدرسة الأسماء». وأيضاً كتاب Dao Companion To Chinese Philosophy of Logic والصادر في العام الماضي 2020، للباحث فونغ يوي- مينغ Fung Yiu-ming.