مدن محرومة من الموسيقى (3 من 3)

 

هذه حكايات مُدنٍ عاشت تجربة الحرمان من الموسيقى، بعضها تحررت من السلطة القمعية التي حرمّت عليها الموسيقى، لكن أخرى ما تزال تعيش قسوة وصعوبة الحرمان من الفن الموسيقي. تحاول هذه المواد أن ترصد الأسباب السياسية والإجتماعية والفنية التي أدت إلى أن تُفرض على مدن قريبة من حولنا تجربة الحرمان من الموسيقى، كما أن المقارنة بين مدينة وأخرى من اللواتي حُرِمنَ من الموسيقى تسمح لنا برصد ظواهر متماثلة، وحكايات متشابهة تُمكّننا من الوصول إلى بعض الاستنتاجات والتصورات لما تكون عليه تجربة عصيّة على الخيال، ألا وهي تجربة العيش من دون موسيقى.

عزف كمان فوق تل النوبة

دخل أمين مقداد سالم للمرة الأولى إلى مدينة الموصل بعد تحرير الجانب الأيسر منها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، توجّهَ مباشرةً إلى تل التوبة المتكون من أربع طبقات، أولها قصر أسرحدون الآشوري، وأخرها مقام النبي يونس الذي فجّره التنظيم بالكامل بتاريخ 24 تموز (يوليو) 2014. في ذلك المكان الموصوف تماماً، أخرج أمين سالم  آلة الكمان خاصته وعزف عند تل التوبة، فكان عزفه هناك فعل انتقام، فعل حرية، وفعل مقاومة واستمرارية، في ثاني أكبر مدينة في العراق بعد العاصمة بغداد.

إثر استحواذ داعش على مساحات واسعة من العراق في العام 2014، كانت الموصل أكبر المدن التي ضمها التنظيم إلى سلطته. لقد كان سقوط هذه المدينة في يد التنظيم بمثابة الفضيحة التي طاولت الجيش الرسمي العراقي، وكشفت عن ترهل إدارته وفشل قيادته، وحجم الفساد وانعدام المسؤوليات فيه. وكان التنظيم قد حصل على غنائم عسكرية ضخمة من سلاح الجيش العراقي، مكّنته من السيطرة على الموصل وغيرها، ومن الاستمرار في حكم ما يقارب 40 % من مساحة العراق لأشهر طويلة لاحقة.

يتابع المهندس الزراعي، والعازف على آلة الكمان، أمين سالم رواية تجربته كموسيقيّ تحت حكم تنظيم الدولة: «عشت سنتين كاملتين وحيداً في الموصل، تحت ظل داعش، وفي بيتنا الذي بات سجناً كبيراً، تمكّنتُ من خلق مساحة حرية لي، فألّفت 26 مقطوعة موسيقية جاهزة للنشر، وأكثر من 300 مشروع موسيقي قيد الإنجاز. وصوّرتُ مع شريكي وصديقي عمر عبد الناصر فيلماً عن الحرية، وبعد يوم من تصويره داهم عناصر التنظيم البيت وصادروا آلاتي الموسيقية، وهي جيتار، وكمانان، وتشيللو، وقانون. لم يقوموا بتكسيرها أمامي، لكنهم صادروها، وربما يكونون قد سرقوها أو أحرقوها أو حطموها. لا أعرف مصيرها».

قبل ذلك بأشهر، تحديداً مطلع العام 2014، كان تنظيم الدولة الإسلامية قد تمكن من السيطرة على مدينة الرقة السورية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي كان يقطنها ما يقارب ال200 ألف نسمة مُضافاً إليهم ما يفوق 400 ألف من النازحين إليها من مناطق سورية أخرى حسب بعض التقديرات. وقد عاشت هذه الأعداد من الناس تجربة التحريم الموسيقي.

قرار منع تسجيلات الغناء والموسيقى

ما إن تمكَّنَ داعش من السيطرة على المدينة حتى أصدر والي الرقة بياناً نُشِرَ على القنوات الإعلامية، والمنابر الإلكترونية ، وعبر منابر مساجد المدينة، ينص على: «منع بيع أقراص الغناء وآلات الموسيقى وتشغيل الاغاني في السيارات والحافلات والمحلات وجميع الاماكن»، وكان ذلك بحجج مشابهة ومتماثلة مع أي سلطة شمولية دينية، حيث علل فقهاء التنظيم هذا القرار بكون: «المعازف والغناء حرام في الإسلام، لأنها تلهي عن ذكر الله وعن القرآن، وهي فتنة ومَفسَدة للقلب»، وهو المنطق نفسه الذي استخدمته حركة طالبان في سنوات حكمها لكابول عاصمة أفغانستان.

يقودنا هذا التماثل بين الحجج إلى سؤال: هل فعلاً تعتقد كلا هاتين السلطتين بالتبريرات المقدمة حيال تحريم الموسيقى؟ أم أن الأمر مجرد استنساخ وديباجة تستعيرها سلطة دينية متشددة من الأخرى؟ أليست هي مجرد استعارة نظريات بين نظام شمولي وآخر يوفر له الفكر الإسلامي المتشدد منبعاً فياضاً ينهل منه التحريمات؟

إلغاء الموسيقى من المنهج الدراسي

يبيّن الباحث وسيم السلطي، في بحثه المعنون الأطفال في ظل تنظيم الدولة، الوسائل والأساليب والتنظيم الهيكلي الذي أسّسه داعش بغية تجنيد الأطفال، واستقطابهم إلى إيديولوجيته في المناطق التي خضعت لسيطرته، وطبعاً قام منظّرو التنظيم بإلغاء المناهج التربوية التي كانت متبعة سابقاً، وأسسوا لمناهج جديدة تتوافق مع رؤيتهم. ما يهمنا هنا هو إعلان القائمين على مناهج التعليم في تنظيم الدولة عن إلغاء المناهج المدرسية لمادة الموسيقى، فقد أصدر التنظيم تعميماً موجهاً إلى المؤسسات التربوية والتعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرته في سوريا، ينص على إلغاء مناهج عدد من المواد الدراسية الموضوعة من قبل النظام سابقاً، في مقدمتها التربية الموسيقية والتاريخ والتربية الإسلامية.

تحضر هنا ظاهرتان تتكرران في المدن المحرومة من الموسيقى؛ الأولى تشترك فيها كابول والرقة، حيث أن السلطات الشمولية التي ألغت مادة الموسيقى ألغت ما يتعلق بالتاريخ أيضاً، ونذكر هنا ما رواه العديد من المواطنين الأفغان عن دخول عناصر حركة طالبان إلى المكتبات، وإصرارهم الحصول على كامل الكتب التي تتعلق بالتاريخ لإحراقها. كلا السلطتين اشتركتا في مخطط واحد، هو إنشاء جيل جديد لا يرتبط بالماضي، إلى جانب الحرمان من الموسيقى.

الظاهرة الثانية تشترك فيه الرقة مع مدينة الصدر في بغداد، وقد رأينا كيف أن مدينة الصدر شهدت تلازماً بين تدريب الأطفال وتأهليهم على القتال واستعمال السلاح، وبين إلغاء الموسيقى من حياتهم. في فيلمه الذي يحمل عنوان الفرقة، يصور المخرج الباقر جعفر لقطات مطولة عن معسكرات تدريب الأطفال على استعمال السلاح في مدينة الصدر العراقية، بينما تُبعد عن الأطفال وتُحرَّمُ عليهم كل أنواع الآلات الموسيقية، وهذا أيضاً تكرر في الرقة، ما يقودنا إلى استنتاج هو أن غياب الفن يمكن أن يجعل من السلاح الفن الوحيد. لقد تحوَّلَ الأطفال إلى حمل السلاح في تلك المناطق التي غُيبت فيها الآلات الموسيقية عن المجتمع.

الحكم بالإعدام بتهمة الإنصات للموسيقى

بين أعوام 2014 و2017 عاش ما يقارب المليون و 200 ألف عراقي في الموصل تحت حكم قوانين وتشريعات ومناهج داعش، وكان أيهم حسين، ابن الخمسة عشر عاماً، واحداً منهم. هو من سكان غربي الموصل، وكان يجلس في دكّان أبيه ليُفاجأ بدخول عناصر تنظيم الدولة إلى المتجر، وإلقاء القبض عليه بينما كان يستمع إلى موسيقى البوب، فحكمت عليه المحكمة بالإعدام ذبحاً أمام الجميع، ليكون عبرة لغيره، فالمحكمة اعتبرت أن «سماع الأغاني والموسيقى، غير تلك الأناشيد الجهادية، إثمٌ ديني وفجور»، وبعد إتمام الذبح سُلمت جثة الفتى لعائلته، ليكون أول ضحية لجريمة الإنصات للموسيقى في الموصل.

في تشرين الثاني من العام 2015، وقعت الهجمات الأكثر دموية في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، والأكثر دموية في الاتحاد الأوروبي منذ تفجيرات قطارات مدريد 2004. وعرفت بهجمات باريس نوفمبر 2015، وقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هذه الهجمات، التي نفذتها ثلاثة فرق منظمة نسقت للعمليات الإرهابية فيما بينها، هاجم الفريق الأول ملعب فرنسا الرسمي، والفريق الثاني نفذ هجماته في الدائرة العاشرة والحادية عشرة من باريس، والفريق الثالث نفذ هجماته داخل مسرح باتاكلان. أسفرت الهجمات عن مقتل 130 شخصاً، 89 ضحيةً منهم كانوا في مسرح باتاكلان أثناء حضورهم حفلة من موسيقى الروك لفرقة أميركية.

قلائل من اهتموا لرمزية المكان الفنية، أي مسرح باتاكلان، ومنهم الكاتب لودفيك هنتر الذي أشار في صحفية فاينانشال تايمز إلى أن الهجمات التي أعلن داعش مسؤوليته عنها تنطلق من «كراهية التنظيم للموسيقى»، الذي قال أيضاً: «منذ ذلك الوقت تعرَّضَ نادي بلّس الليلي في أورلاندو ونادي رينا الليلي في إسطنبول وقاعة مانشستر أرينا في مدينة مانشستر البريطانية لاعتداءات، ذهب ضحية الأخير منها 22 شخصاً. هذه الاعتداءات على أماكن يجتمع فيها شباب وأطفال للاستمتاع بالرقص والموسيقى، تجعلنا نعتقد أن الموسيقى هي المستهدفة»، بحسب كاتب المقال.

استعادة حيوية المدينة عبر الاحتفاء بالموسيقى

بالعودة إلى المدن المحرومة من الموسيقى، كنا قدر رأينا تلك الظاهرة التي تتكرر كلما تخّلصت مدينة أو مجتمع من السلطة القمعية التي منعت عنه الغناء والموسيقى، كيف أن استرداد المدينة لأبنائها وسكّانها يرتبط مع إعادة إحياء الحفلات بين جنباتها، وعزف الآلات في أحيائها، والرقة ليست استثناءاً، فها هي جريدة العرب اللندنية تنشر مقالاً بعنوان، نازحون يعودون إلى الرقة بالمكياج والموسيقى، تذكر فيه قصة قيس البوقان، 27 سنة، خريج المعهد الموسيقي، الذي غالباً ما يرى مدينته في الحلم: «منذ سنوات لم أعزف، أو أُعلّم أحداً الموسيقى. أتمنى أن أعود إلى منزلي في الرقة وأفتتح معهداً لتعليم الموسيقى»، وتروي المقالة أن قيساً يخطط لتنظيم حفل موسيقي في حديقة الرشيد، إحدى أكبر حدائق الرقة؛ «وأن أعزف للناس وسط جو من الفرح»، يأمل قيس أن يقابل أصدقاءه الموسيقيين في المدينة، وأن يغنوا في الشوارع ويسمعهم كل الناس.

في شهر تشرين الأول من العام 2017، أعلنت قوات سورية الديمقراطية السيطرة على مدينة الرقة، وطرد داعش منها، واليوم لابد لنا من متابعة أحوال المدينة الثقافية والفنية ؟ هل ستستعيد  رويداً رويداً عافيتها بحرية الغناء، العزف، وإقامة الحفلات الموسيقية؟ هل ستصبح تجربة الحرمان من الموسيقى كذاكرة من الماضي؟ أم هل ستتكرر السلطات الجديدة فرض نظرياتها وآرائها وإيديولوجيا تها على الغناء والموسيقى؟ ما هي أنواع الرقابة الجديدة التي ستفرض على الغناء والموسيقى فيها؟ أسئلة تستحق المتابعة والمراقبة لمعرفة مستقبل المدينة، واضعين الموسيقى والفنون في معايير حكمنا على طبيعة كل السلطات الحاكمة.

حكاية أخيرة من سورية

كان ميلاد. س، 23 عاماً، وهو اسم مستعار، مصوراً فوتوغرافياً من اللاذقية يعمل مع مركز المجتمع المدني والديمقراطية السوري الذي ينشط انطلاقاً من مدينة غازي عنتاب في تركيا، وبمقدار ما كانت عدسته تحمل من الجماليات التشكيلية، بمقدار ما كان محباً لموسيقى الميتال Metal. كان ميلاد يتبنى جماليات هذا الفن الموسيقي بالكامل، حتى في ملابسه، التي كانت دوماً عبارة عن بنطال من الجينز وكنزات من تلك التي تحمل رسومات ألبومات فرق الميتال، من مثل فرقة Iron Maiden، وفرقة Metallica. وحين كان في إحدى مهماته التصويرية في شمال سورية، قريباً من تلك المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة، اعتُقِلَ من قبلهم، وعاش أهله ومحبوه تجربة اختفائه دون معلومات تصل عنه، ومن ثم تأكدت المعلومات حول الحكم الذي أصدرته سلطات داعش عليه، وهو القتل، رغم أنه لم يكن ينصت أو يعزف الموسيقى، بل كان فقط يرتدي من الملابس ما يتبنى جمالياتها.

*****

تتماثل المدن المحرومة من الموسيقى بين الواحدة والأخرى، فتُعرِّفنا على حكايات أشخاص فارقوا الحياة لأنهم تعلقوا وأحبوا الفن الغنائي أو الموسيقي، وتنقل لنا مآسيهم كما تعكس تضحياتهم.

لقد لمسنا تشابه الظواهر الإجتماعية والنفسية بين المدن المحرومة من الموسيقى، ورأينا كيف تغيب عن أيدي الأطفال الآلات الموسيقية لتحل محلها الأسلحة في كل مدينة من تلك التي حُرمت من الموسيقى، وأدركنا في أكثر من مدينة أن رغبة السلطة الدينية المتشددة في الحكم والقيادة رافقها تحريم للموسيقى، وأن كل السلطات التي رغبت في تحريم الموسيقى رغبت أيضاً في إخفاء التاريخ، ولحسن الحظ أن أغلب مدننا (كابول، الموصل، الرقة)، بإستثناء مدينة (الصدر)، قد تحررت من السلطات التي فرضت عليها تحريم الموسيقى، لكن ذلك لايعني ألا نتابع حالها المستقبلية، هي وغيرها من مدن المنطقة، ذلك أن تحكم السلطات بالفنون ومنها الموسيقى استمر يتكرر بين المراحل التاريخية المتعددة، والأنظمة الحاكمة المتعددة. فللنظر جلياً إلى كل سلطة من منظار علاقتها بالفنون والموسيقى، لأن ذلك يبدو من المناظير الدقيقة لتوصيف كل نظام حاكم.