مذبحة السويداء: المقدمات والفظاعة

 

شيعت محافظة السويداء يوم أمس الخميس جثامين عشرات الضحايا الذين سقطوا جرّاء الهجمات الإرهابية التي نفذتها مجموعات تنظيم الدولة، وفيما كان سكان المدينة وقراها يدفنون أبناءهم وبناتهم، عاد مقاتلو داعش الذين نجوا بأنفسهم إلى قواعدهم في البادية، ليواصلوا فصول جريمتهم عبر تصوير إعدام عدد من المقاتلين الشبان الذين تمّ أسرهم خلال الهجوم.

وكانت الهجمات قد بدأت فجر الأربعاء الخامس والعشرين من تموز، حين تسلل عناصر التنظيم صباحاً نحو قرى الريف الشرقي المحاذية للبادية، وفي الوقت الذي قاوم فيه المسلحون من أبناء القرى عناصر التنظيم وطردوهم من عدة نقاط، ارتكب عناصر آخرون مجازر مروعة في قرى أخرى، إذ استشهد أكثر من عشرين مدنياً في قرية رامي، فيما وصل عدد الضحايا إلى ثلاثين في الشبكي والشريحي حسب ما أفادت شبكة السويداء 24. وبالتوازي مع تلك الهجمات، شهد سوق الخُضار المركزي إطلاق نارٍ عشوائي من قِبل عناصر التنظيم بالتوازي مع تفجيرات انتحاريّة، ليصل عدد ضحايا الهجمات إلى أكثر من مئتين جلّهم من المدنيين، فيما وصل عدد الجرحى إلى أكثر من ثلاثمئة جريح، وخسرت المجموعات المهاجمة أكثر من أربعين قتيلاً خلال المواجهات التي دامت ساعات في عدة مناطق.

واتهم ناشطون من مدينة السويداء النظام بعدم إرسال أي مؤازرات عسكرية لمواجهة عناصر التنظيم، وقالت شبكة السويداء 24 إن طيران النظام قصف لعدة مرات خط الاشتباك مع التنظيم من دون تأثير يذكر، فيما لم يرسل أي قوات بسلاح نوعي قادر على تغيير مسار المعركة، لتتكفل المجموعات المحلية من أبناء السويداء وريفها بالتصدي لهجمات التنظيم، وتنجح في ردهم على أعقابهم نحو معاقلهم في البادية.

جاءت هذه الهجمات بعد أحداث مفصلية جرت خلال الفترة الأخيرة، أبرزها طلب النظام والروس سحب السلاح من الفصائل المحلية في السويداء وعلى وجه الخصوص مجموعات رجال الكرامة، وقيامهم بسحبه فعلاً من عدة مجموعات محلية، بالإضافة إلى سحب النظام لقواته من شرقي السويداء بعد معركة لم تَطُل مع تنظيم داعش على حدود البادية في شهر حزيران الماضي، في الوقت الذي تمّ فيه توجيه اتهامات للنظام بتأمين ملاذ آمن في البادية لعناصر تنظيم داعش الذين خرجوا من اليرموك والحجر الأسود قبل شهرين، معتبرين أن النظام يعاقب المحافظة على تهرّب شبانها من التجنيد الإجباري، حيث يقدر عدد المنشقين والمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية في جيش النظام بنحو أربعين ألفاً.

لكن قد تكون هناك أوجه أخرى للظروف التي سمحت لتنظيم داعش بتنفيذ تلك المجازر بحق المدنيين في محافظة السويداء، فمنذ تجميد عمل فصائل الجيش الحر التي كانت منتشرة في البادية، وحصرها ضمن نطاق منطقة الـ 55، حيث تقع قاعدة التنف التي تديرها وزارة الدفاع الأمريكية، لم يقم النظام بحملات واسعة ضد التنظيم في البادية، التي أصبحت نظرياً تحت سيطرته ابتداءً من ريف دمشق الشرقي وريف السويداء الشمالي والشرقي وحتى أطراف البادية القريبة من نهر الفرات، وهو ما منح عناصر داعش حرية واسعة للحركة في طول البادية وعرضها، لتصبح حدود السويداء الشمالية والشرقية، ومدينة تدمر شرقي حمص، ومدن وبلدات دير الزور على الضفة الشامية للفرات، هي خطوط التماس الفعلية مع تنظيم قادر على التحرك ليلاً عبر البادية، وتأمين حد أدنى من طرق التنقل وخطوط الإمداد بين مجموعاته.

أدّت حرية الحركة في مساحات واسعة إلى تعرض قوات النظام لهجمات في عدة مناطق، امتدت من السخنة حتى تدمر شرق حمص، وحتى أطراف الميادين وموحسن في دير الزور، وحتى بادية السويداء جنوب البلاد، وهو ما يجعل وجود قوات عسكرية على حدود قرى السويداء مع البادية أمراً حيوياً لمنع هجمات التنظيم على المحافظة، ويعني أن سحب هذه القوات وعدم تثبيت نقاط دفاعية يجعل من حدوث هجمات كهذه على السويداء أمراً محتملاً ومرجحاً في كلّ وقت.

وقد يكون سحب النظام لقواته من تلك النقاط رسالة روسية إلى المحافظة التي ماطلت في تسليم سلاحها لقوات النظام، وماطلت في تشكيل ميليشيات تتبع روسيا بعد عدة اجتماعات قال مصدر للجمهورية إنها لم تقتصر على الاجتماعين اللذين حدثا خلال الشهر الماضي وكان آخرهما قبل يومين من الهجمات، بل كان هناك لقاءٌ واحدٌ على الأقل سبق هذين الاجتماعين، وجرى فيه طلب تشكيل قوات محلية تتبع روسيا بشكل مباشر، وهو ما تمّت الموافقة عليه على مضض من قبل وجهاء المحافظة، إلا أنهم لم يتخذوا أي إجراء لتنفيذه.

ربما تبدو الصورة أكثر تعقيداً من أي تفسيرات بسيطة يمكن تقديمها، إلا أن المجزرة وقعت حقاً، وهناك عشرات المدنيين بين شهيد وجريح نتيجة هذه الهجمات التي وضعت السويداء على خط النار الذي حاول أهلها تجنبه طويلاً، وهو ما لا يمكن بحال من الأحوال إخفاء مسؤولية النظام عنه، إذ كان يكفي تثبيت نقاط عسكرية مدعمة بالدبابات والسلاح الثقيل على تخوم السويداء الشرقية والشمالية لتجنب المذبحة، أو لتخفيف عدد ضحاياها على الأقلّ.