مرآة الكون

تفتح الجمهورية باب التفاعل والنقاش حول قضايا وأفكار أثارتها النصوص التي نُشِرَت ضمن ملف عن الكتابة ومشاغلها.

يا حيف دارنا يا حيف

يا حيف داريا يا حيف

جيت اسألك عن الحبايب...

لقيتك عم تسأليني على اللي غايب

جبتلك زريعة من ساروجة

يا دارنا يا دار...

زرعت فيك مشمشة وشجرة زيتون

وورد من كل صنف ولون

ما احتجت حدا فيك يا دار...

كنتِ ساترتيني وعم تطعميني وعم تسقيني

يا دارنا يا دار...

يا دارنا يا دار1

كانت جدتي تبكي. حبيبة أخي كانت تبكي. أمي تبتسم. كنَّ يقفنَ أمام الباب الخشبي الأحمر الكبير، باب بيتنا. كانت دموعي جاهزة للسيلان، أدرتُ وجهي. حقيبتي الصغيرة على كتفي وأخي الكبير يستطلع الطريق. نادتني أمي. رشَّت الماء على الدرج البلاط. قالت: «هذا الماء من أجل أن تعود إلى هذا المكان». أدرتُ وجهي وشعرتُ بمُلوحة الدمع على خدي.

هذه هي الصورة الأخيرة لبيتنا، لبيتِ عائلتي، للبيت الذي كبرتُ فيه، لبيتِ الشام. هذه الصورة الأخيرة لجَدتي وأمي وحبيبة أخي في دمشق. لم أرهم هناك بعدها. لقد تركتُ البلاد في تلك الليلة.

أعيشُ الآن في برلين. برلين مدينة حبيبة. أعرفها جيداً هذه المدينة، أعرف شوارعها ومطاعمها وباراتها وحاراتها. لي كثيرٌ من الأصدقاء، لي كثيرٌ من الذكريات، لي كثيرٌ من الحكايا هنا. في منتصف شهر تشرين الأول من العام 2016، أتممتُ خمس سنوات في ألمانيا.

خمس سنوات...

خمس سنوات...

خمس سنوات...

بقيتُ أكررُ هاتين الكلمتين لحبيبتي لمدة يومين. كنتُ أقول لها كيف مضت هذه السنوات. صحيحٌ أنّني سافرت كثيراً وعشتُ في بلاد أخرى لفترات قصيرة ودرستُ في مدن عديدة وعملتُ في مناطق كثيرة: هولندا، تركيا، فرنسا، لبنان، سوريا، الأردن، مصر... إلا أنّ بيتي كان هنا؛ منذ أكثر من ثلاث سنوات لم أغير عنوان بريدي، حبيبتي ألمانيّة، ألعبُ كرة القدم مع أصدقاء ألمانيين، أشاهد أفلاماً ألمانيّة، «أنا برليني أكثر من كثير من الألمان»، يقول بعض أصدقائي الألمان.

برليني ولكن...

أسئلة كثيرة، عن الوطن والمنفى، تدور في رأسي الآن.

سألني أحد الحاضرين عرض أحد الأفلام التي قمت بإخراجها، خلال النقاش الذي جرى بعد مشاهدة الفيلم الذي عنوانه «منفى»، ما هو المنفى بالنسبة لك؟ وهل تشعرُ أنّكَ في الوطن هنا في برلين؟ لم أستطع الإجابة بشكل مباشر، تحدثت عن الوطن والذكريات والهويّة بشكل عام، لم أستطع القول إنّ دمشق هي الوطن ولم أستطع أن أقول: برلين هي الوطن.

لا أعرف المغزى من هذه المقدمة الطويلة التي كتبتُها، ولا أعرف المغزى من هذا النص الذي أكتب، ربما هو هذا الوقت، بالتحديد، الذي يجعلني أشعر بالفراغ والوحدة ويدفعني إلى الكتابة، ربما هو الوقت… ربما.

برلين، المدينة الحبيبة. أحبُّ هذه المدينة بكلّ ما فيها من تناقضات وجنون. أعرفها جيداً لهذه المدينة، أو هكذا أُقدّر؛ لي بيت وعمل وحبيبة وأصدقاء كثر هنا. لي مقاهٍ وبارات ومطاعم، يعرفني العاملون فيها ويعرفون ماذا سأشرب وأيّ طعام أشتهي لكثرة ترددي عليها. باختصار أشعرُ وكأنّ هذه المدينة هي بيتي.

في الجانب الآخر، أنا من بلاد أخرى. بلادٌ خراب. أشاهد كلّ يوم أخباراً قادمة من هناك، أرى صور أشلاء وجثثاً وبيوتاً مهدمة ودماءً تسيل بكثرة. لي أصدقاء مغيبون في سجون الدولة الأسديّة. وأنا بنفسي خَبِرتُ كثيراً من التجارب التي لا تمحى من ذاكرتي المقبرة.

أمشي أحياناً في شوارع برلين الآمنة، في الشوارع المزدحمة، أفكر: ماذا سيحدث مثلًا لو انهار هذا البناء الآن ومات معظم من في الشارع واختلطت أشلاؤهم مع حجارة البناء المنهار؟! أفكر حين أكون راكباً في الباص بأنّ الجسر الذي نمر فوقه سينهار الآن ويموت الجميع غرقى في مياه نهر الشبري الذي يجوب حارات برلين دون تعب. أحياناً أتخيّلُ نفسي وأنا في مكتبٍ ما أقذفُ قلم الرصاص في وجه الشخص الذي أمامي فأفقأ عينه. أتخيّلُ وأنا أتبضعُ في إحدى الأسواق المسقوفة من ذوات الأدراج الكهربائيّة الصاعدة النازلة أنّ طفلاً ما سيقع الآن على رأسه ويتطاير لحم رأسه الطري في كلّ اتجاه بفعل حركة الدرج التي لن تتوقف.

إنّني أقف على حافة الجنون.

كثيرٌ من الناس حولي، أبادلهم الحب والاحترام، لكنني أشعرُ بالفراغ وبالوحدة. أشعرُ بفراغٍ كبيرٍ في داخلي. أشعرُ بشيء أكبر من الثقب الأسود في داخلي يبلعني ويبلع مشاعري ويجعلني أعيش في قوقعة أو فقاعة خاصة بي. أحسبُ أن كثيراً من الناس يشاركونني هذا الشعور. كلٌّ منّا يعيش في مجال الوحدة الخاص به. هذا الفراغ هو «شيء» أصعب من الموت.

أحاولُ الهرب، لا أعرف مِمَ أهرب وإلى أين، لكنني أهرب. أهرب من الناس حولي؛ أقضي كثيراً من وقتي في مشاهدة الأفلام والقراءة ومتابعة كرة القدم، أقضي ساعات طويلة في المطبخ وحيداً أصنع طعاماً لا وجود له في قوائم الطعام الجاهزة، أسلّي نفسي بألعاب أخترعها. علاقاتي الاجتماعيّة فاشلة وفي تراجع مستمر. علاقاتي العائليّة فاشلة وفي تراجع مستمر. صرتُ أخاف من تعقيدات العلاقات في هذا العالم، أنا الذي لا أخاف من شيء.

أسافر إلى أماكن لا أعرفها، هرباً من شيء ما. لا مال عندي. لا أملك شيئاً سوى بعض الثياب التي أستطيع أن أتخلى عنها بسهولة، أتركها وأرحل. أقابل أناساً يشبهونني في أماكن سفري، لكنهم مثلي لا يستطيعون تغيير شيء في العالم... لا يستطيعون حتى تغيير حيواتهم.

أشتاقُ إلى دمشق، ربما لا أشتاق لها... لا أعرف. أشتاقُ إلى بيروت والقاهرة واسطنبول وروتردام، هذه مدن عشت فيها ولي فيها ذكريات جميلة. تباً للعبة الذاكرة.

أحاول أن أكمل حياتي بشكل طبيعي، أقرأ، أشاهد كرة القدم، أشرب البيرة، أضحك، أبكي، أقول لنفسي إنّني خرجت من هذه الدائرة وإنّ حياتي طبيعية وإنّ حياتي المهنيّة ناجحة وإنّني أُحسَدُ على ما أنا فيه، لكن وفي لحظة واحدة ينهار كلّ شيء وتختفي هذه الأفكار في الثقب الأسود الذي يحتلُّ داخلي. في تلك اللحظة التي أنظر فيها إلى نفسي في المرآة، فأرى كم كبرتُ خلال سنوات قليلة، في تلك اللحظة التي تسبق النوم، في تلك اللحظة التي أكلّمُ فيها نفسي. في تلك اللحظة أرى كم هي كبيرة المقبرة التي في قلبي، وكم كبيرٌ هو السجن الذي يشغل مساحة كبيرة من داخلي. في تلك اللحظة، أرى الجرح الذي لا يشفى.

هذا الجرح، هذا الوجع، هذه الندبة التي أحملها على وجهي لن ترحل مهما حاول أطباء نفسيون وأصدقاء نصحي بإكمال حياتي بشكل طبيعي، هم لم يعرفوا الوجع نفسه، ربما. هذه ندبة ستبقى مهما طال الزمن، لا عمليات تجميل تزيلها ولا مكياج يخفيها. هذه ندبة أراها كلّ يوم في المرآة. هذه ندبة أتمنى أنّني لم أُخلَق لأراها.

أنظرُ إلى وجهي مطولاً في المرآة. لي وجه طفلٍ قُتِلَ منذ قليل حين هبط ذلك الشيء من السماء ليفجر شارعه كلّه. لي وجه شيخ ضرير تعثَّرَ بمشيته حين وقعت القذيفة بالقرب منه. لي وجه امرأة تركض ماسكة يد طفلها وهي تعبر شارعاً مسرعة خوفاً من أن تكون سرعة رصاصة القناص أكبر. لي وجه أمي وهي تبكي فراق أولادها. لي وجه جدتي وهي تصلي داعية ربّها أن يستجيب ويرفع الظلم عن بلادها. لي وجوههم كلّها لكن لا وجه لي.

أرى في المرآة عمري الجديد، أرى كم كبرتُ وأسألُ نفسي: كم عمرك الآن؟ ثم أجيبُ: عمري الآن مئات المجازر المتفتحة في دمي كلّ حين، عمري الآن آلاف القتلى يتجولون في أحشائي وآلاف البنادق التي تقتل الناس في كلّ نقطة من جسدي. عمري الآن ملايين الأرواح تسكن في غرفتي وتبحث لنفسها عن كلام تحدثني به، لكنّه يبقى في الهواء كلاماً بلا صدى. عمري الآن ما تفتّحَ من جراحٍ في جسدي وروحي، عمري الآن... وما يهم كم عمري إن كان القاتل لا يهتم؟ ألم يقل الشاعر رياض الصالح الحسين سابقاً: فلا تسألوا القتلة عن رائحة الدم.

في المرآة أرى جسدي جسراً للعبور إلى مجزرة جديدة، ودمي هو سائل الحياة، من يسيلُ ليحييّ القاتل الضاحك بأسنانه البيضاء التي يواظب على تنظيفها كلّما أنهى مجزرة. لي وجهٌ كالأرض كثير العمر والملامح مرّ عليه ألف ألف قتيل وبعض عشرات من القتلة مجهولي الوجوه. قتلةٌ يغسلون أيديهم قبل الطعام، ويقبّلون زوجاتهم ويلعبون مع أطفالهم بعد أن ينهوا المجزرة.

أخرجُ إلى الشوارع في مدينتي الحبيبة برلين، أمشي من غير هدف، أمشي وأمشي وأمشي. الشوارع في برلين عريضة، وأنا لا أحب الشوارع العريضة. أشتاقُ إلى دفء الشوارع الضيقة. مؤخراً أصابني مللٌ من كلّ شيء، من نفسي ومما يجري حولي ومن العالم كلّه. أحسُّ بأنّ كلّ ما آمنتُ به وكلّ مبادئي ومواقفي لا تساوي شيئاً. أحسّ بأنّني سمكة تسبح عكس تيار مياه جارف. ألم يقل أحدهم يوماً: أنا الصواب والعالم كلّه على خطأ. أحسّ بأنّني الصواب وبأنّ معظم هذا العالم على خطأ. بعد دقيقة من هذا الإحساس أحسّ بخطئي وأطلبُ المغفرة من هذا العالم. أنا مَلِكُ التناقضات.

لقد تغيرتُ كثيرًا في برلين ذات السماء الرماديّة أغلبَ أيام السنة. هل للطقس تأثيرٌ على شخصيّة الإنسان؟ أعتقدُ ذلك. أنا شخصٌ مختلفٌ عمّا كنت عليه حين كنتُ في دمشق.

لا أعرفُ ماذا أريد، لا أعرفُ أين أذهب، أحسُّ بالضياع. أكره هذا العالم القذر الذي حرمني من الاستقرار. لا أعرف إن كان العالم سيتغير نحو الأفضل يوماً ما، لا يهمني ذلك. أشعرُ بأنّ كل من يحاول تغيير العالم لا يرى الصورة الكبيرة. العالم مكان قذر. لا أحاول أن أغيّر شيئاً سوى نفسي. أغيّرُ نفسي إلى ماذا… لا أعرف. أحب البشريّة كلّها وأكرهها في الوقت نفسه. ألم أقل بأنّني مَلِكُ التناقضات؟ لم أرَ في حياتي شخصاً متناقضاً أكثر مني.

كأني أكرر نفسي، وكأنّني قد كتبتُ هذا الضياع عشرات المرات سابقاً. أتذكر نفسي أقول هذه الأفكار مئات المرات. لا جديد. منفى، ضياع، لا هويّة، لا وطن، لا استقرار، وفي خلفية المشهد فقدان يومي لأصدقاء وأفراد من العائلة والجيران بسبب الموت أو الاعتقال، المنتشرَين في البلاد الأصل.

أحفظ رقم هاتف بيتنا في الشام ورقم هاتفي المحمول السوري فقط. لا أعرف لماذا أحتفظ بهاذين الرقمين في ذاكرتي. كلّ شهرين أو ثلاثة أجربُ الاتصال بهما. حتى الآن الرقمان خارج الخدمة. لا أعرف كيف تتشكل الذاكرة، لماذا تنتقي أشياء معينة وترمي بأشياء أخرى في القمامة؟ هل تغيرت تشكيلات الذاكرة لدينا بعد كلّ ما حدث لنا؟ ربما.

لا أستطيعُ التحكم بهذا النص، لا أتحكمُ بالأفكار وكيفيّة تدفقها. أكتبُ خلال فترات متباعدة قد تمتد لأيام أو لأسابيع. أكتب مرة في الصباح ومرة بعد منتصف الليل، مرة بعد الطعام، مرة وأنا سكران.

بدأتُ النص محاولاً الكتابة عن الهوية والوطن والمنفى وأشياء تشبه هذا، لكن الأفكار لا تطاوعني وها هي الآن تأخذني إلى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، أهناك جوانب متشابهة في الحالتين السوريّة واللبنانية؟ ربما. أتذكر قول الكاتب اللبناني إلياس خوري على لسان أحد أبطال إحدى رواياته «إنّ الحرب اللبنانية (بهدلت) الحروب». بمعنى أن الحرب اللبنانيّة كانت مبتذلة وحقيرة لدرجة أنّها شوهت سمعة الحروب. ماذا يمكن أن تقول تلك الشخصيّة عمّا يجري في سوريا؟ هل (بهدلنا) مفهوم الثورة والوطن والحرب؟

لا أحبُّ الشكل الجمعي للكلام، لا أحبُّ أن أقول نحن السوريون كذا وكذا. في نظري كلٌّ مسؤولٌ عمّا يفعله بغض النظر عن جنسيته ولونه وخلفيته الاجتماعيّة والثقافيّة ووو... إلخ. لكن في بعض الأحيان أتحدّثُ عن السوريين ككلّ؛ أُضفي صفات عامة عليهم، ربما هو سياق الحديث ما يدفعني إلى ذلك، أو ربما هم الآخرون الذين يجبرونني على ذلك. على كلّ حال ما أردتُ قوله هو أنّ بعضنا -كسوريين أتحدث هنا- عظيمٌ ومبدعٌ وثائرٌ ويحب الخير والعدل والحريّة وبعضنا الآخر (بهدلَ) صورة الوطن والثورة. مثلنا مثل باقي الشعوب، فينا الطيب والشرير والخيّر والمحب للأذى وووو… ملايين نحن، وأكره أن نُعامل بصفة جمعيّة.

ها أنا ذا أطلق أحكاماً لا أؤمن بها. هل ذلك هو النتيجة الطبيعيّة للذلّ المتراكم في ذاكرتي؟ أنا لا أتذكر إلا الذلّ حين أتحدث عن الوطن. الذلّ الذي عشناه في سوريا الأسد، الذلّ الذي خبرناه. أتذكر صفعة أحد عناصر الأمن لرجل ستيني في شارع مكتظ بالناس دون أن يرفع أحدهم ناظريه عن الأرض. أتذكر هروب أصحاب «البسطات» من شرطي يريد رشوة صغيرة. أتذكر أستاذ التربية العسكريّة في المدرسة ومعاملته للطلاب كعناصر في جيشه. أتذكر وأتذكر وأتذكر. أحقاً كان لنا وطن؟

أي وطن كان لنا؟ وطن لم يوفر لنا أبسط مقومات العيش؟ لا تعليم جيد ولا خدمات صحيّة جيدة ولا خدمات عامة جيدة وفوق كلّ شيء قبضة أمنيّة تحصي علينا أنفاسنا. ما هو الوطن مرة أخرى؟ حجارة وشوارع نعرفها ولعبنا فيها حين كنّا أطفالاً؟ أشخاص أصبحوا جزءً من الذاكرة؟ ما هو الوطن؟ احتفالات وأهازيج وخطابات الرئيس؟ حدود جغرافيّة رسمت من قبل مُحتلين قبل أن يولد جدي بقليل؟ ما هو الوطن؟ لا جواب لدي. كيف تشكلت هويتي؟ مزيجٌ من خبرات ومدن وناس التقيتُ بهم في حياتي القصيرة. كلّ الأشياء التي مررت بها ساهمت بشكل ما. كلّ شيء بِدءً من أمي العربية الشيعيّة العراقيّة وأبي الكردي السنيّ السوري وصولاً إلى حبيبتي الألمانيّة.

أشعر أن لا ترتيباً طبيعياً لهذا النص، لا مقدمة ولا متن ولا خاتمة. هو بالتأكيد ليس نوعاً متمرداً من الكتابة، ليس نوعاً من الكتابة الإبداعيّة. ربما هو نص ضائع يشبه حياتنا ويشبه أيامنا التائهة. بائسة هي حياتنا. بائسة تشبه مفركة بطاطا صنعها طالب جامعي في سنته الأولى، إنّها تجربته الأولى في المطبخ. هذا النص بائس مثل هذه «الطبخة».

على كلّ حال يصعب اتباع ترتيب طبيعي لنصي هذا. نصي، تضحكني هذه الياء. نصي ملكيتي. هل هذا حقيقي؟ هل حقاً أملك النص؟ هل أتحكم به؟ إذا كان ملكيتي وأخاف عليه، لماذا أنشره ولا أتركه على طاولتي ليكون ملكي؟ لماذا أشارك أملاكي مع الآخرين؟ هذا سؤال آخر لا أجد جواباً له.

قد يكون للعنوان، الذي اعتقدت أن لا علاقة له بالنص، علاقة ما بالنص. فلربما كان الأمر كما قدمه ميشيل فوكو حين شرح الهيتيروتوبيا: «توجد، والأرجح أن هذا حقيقي بالنسبة لكلّ الثقافات والحضارات، فضاءاتٌ حقيقيّة وفعالة مؤطرة في مؤسسة المجتمع عينها، هي في الوقت نفسه تمثل نوعاً من الترتيب المضاد للأشياء، فيها جميع الترتيبات الحقيقية الأخرى الموجودة في المجتمع وداخله، ممثلة جميعاً ومطعون عليها في الوقت نفسه: مكان يقع خارج الأمكنة كلّها ولكنه متحقق على الأرض، محلياً، في الوقت نفسه». فهل أكون أنا يا فوكو مرآة الكون؟ على كلّ حال، وفي وسط هذا الجنون، لن يغير عنوان نصٍ، لا أعرف إن كان سينشر أم لا أو إن كان سيُقرأ أم لا، شيئاً.

أستمعُ أحياناً إلى إذاعات سوريّة، جديدة وقديمة، كرديّة وعربيّة. أريدُ أن أسمع أغنيات كنتُ أسمعها حين كنتُ هناك. أحاول أن أفهم كيف هي الأمور هناك الآن. ماذا يفعل الناس هناك؟ كيف يعيشون في ذلك البعيد؟ حين أستيقظُ في الصباح الباكر أو حين أبقى في البيت يقظاُ في ليل عطلة نهاية الأسبوع، أبحثُ عن مواقع هذه الإذاعات على شبكة الإنترنت لأستمع إليها في بثها المباشر. هل أحاول أن أقلد عيش الناس هناك؟ هل لهذا علاقة بالحنين؟

هل سأعود يوماً إلى هناك؟ هل أستطيعُ العيش هناك مرة أخرى؟ هل أستطيع العيش في دمشق لو أُتيح لي الخيار؟ هل أستطيعُ التأقلم في مدينة القامشلي حيث عشتُ ست سنين حين كنت طفلاً؟ لو امتلكتُ الخيارات، ولو لم أكن مجبراً على المغادرة، أيّ المدن كنتً اخترتً للعيش؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تدور في رأسي. أسئلةٌ لا أجوبة لها الآن عندي.

هل توفّرُ لي دمشق الحريّة التي أريد؟ هل سوريا هي البلاد التي أستطيع العيش فيها بحريتي، أفعل ما أشاء وأرتدي ما أشاء من ثياب وأتناول الطعام والشراب الذي أريد؟ هل أستطيع المشي كما أريد وأقبّل حبيبتي في المكان الذي أريد؟ هي بلادٌ جميلةٌ في عقولنا لكن هل هي جميلة حقاً؟ لا أتحدث عن الحريّة السياسيّة التي حُرِمنا منها بل أتحدث عن حريّة يوفرها ويضمنها لنا المجتمع كحقٍ أصيل في الحياة. هل حقاً أنتمي لذلك الكبت الذي اختاروه لنا؟ لا أعرف. هل حقاً أنا هو الذي اختاره أبي وأمي أن يكون؟ هل أنا أنا؟ حقاً، لا أعرف.

أستمعُ إلى أغنيات جوان حاجو فأشعرُ بالوطن يُزهر في داخلي. أستمع إلى صباح فخري فأفرح وأشعر بحب شديد لتلك البلاد. هل للوطن علاقة بالأغاني؟ أستمع إلى موسيقى الجاز، fly me to the moon لفرانك سيناترا أو what a wonderful world للويس آرمسترونغ فأشعرُ بأنّني لست بحاجة إلى وطن. هل موسيقا الجاز تحطم الحدود؟ أفكر الآن بموسيقى نينا سيمون رغم أنّني أستمع إلى إذاعة آرتا إف إم. أفكر بطريقة أستطيع بها التحرر من كلّ شيء، وأتخطى كلّ العوائق والحواجز التي تمنعني من العيش بحريّة.

يقودني النص مرة أخرى للحديث عن الحرية وعن الهوية، وهما موضوعان متصلان اتصالاً عميقاً. أعودُ فأفكرُ بالبيت الذي نشأتُ فيه، خليطٌ من شيوعيّة ودين إسلامي سني ولمسة شيعيّة خفيفة وإلحاد مستتر وتأثر بديانات الشرق الأقصى البوذيّة والهندوسيّة واليزيديّة، كل ذلك مع خلفية قوميّة كرديّة. واليوم أنا لا أشبه أياً من ذلك، لا أؤمن بقوميّة أهلي ولا بدياناتهم. لا أؤمن بشيء على الإطلاق. كثيرٌ من الأسئلة تدور في رأسي وتصيبني بالصداع.

أفكّرُ بالوطن وبالمنفى وما يدور في فلك هاتين الكلمتين، فتتقافز صور القتل والموت أمامي. مَن يقتل مَن، لا يهم فكلّه موت. هما قطبان: قاتل ومقتول. والحدث هو الغياب عن هذا العالم. يقول محمود درويش: «لكن ثمّة من يقول: من حق القاتل أن يدافع عن غريزة القتل، أما القتلى فيقولون متأخرين: من حقّ الضحية أن تدافع عن حقّها في الصراخ».

هما وجهتا نظر، قد يقول قائل. ولكن كيف تنسبُ البندقيةُ كلمةَ الرأي إلى نفسها؟ أيعقل أن يكون للموت صوت؟ وإن كان لها فلما لا تنطق إلا بالدم؟ جنون هذا الذي يخالجني. أنظرُ إلى الضحية فأعجب. قابيل قتل أخاه. منذ بداية الخلق، أخٌ يقتل أخاه. كيف؟ وما الدافع؟ أو الأجدى بي أن أسأل: بماذا يشعر القاتل حين يقتل القتيل؟ لا فرق في التسميات بين القتيل والشهيد والضحية، فالموت موت، لا يتجزأ ولا يختلف إلا باختلاف الطريق إليه. وهو، أي الموت، لا يتعلق بالطريق المسلوك في الحياة، ولا بالبدايات، هو النهاية، نهاية حياة أحدهم. إنّها نهاية.

هل أورثَ آدم أبناءه غريزة القتل، فامتدَّت لنا، أم أنّه مدَّنا بفكرةٍ تقول بصحة ما أقول، وإن خالفتني سأقتلك حتى إن كنت أخي. بئس الوالد هذا. وهل أورثنا هذا الوالد الخطيئة، أم كانت النزعة إلى ارتكابها هي الميّزة. وإن لم يكن كلّ هذا، فلماذا قتل الأخ أخاه؟ سؤال آخر بلا جواب.

أفكر بالقاتل من جديد، وليس بالقتيل. فالقاتل هو الضحية. ليس ضحية الموت، بل ضحية شيء آخر لا أعرفه. كيف طاوعته أصابعه الضغط على الزناد حين رأى صرخة أمامه. هو مجرد صوت، فهل تقتل الصوت بالصوت؟ تقتل صوت الحياة بصوت الموت؟ ها أنا ذا أعود إلى سؤال قديم: هل للموت صوت؟ وعندما يهّم القاتل بالقتل، هل ينظر إلى عينيّ من يقتله، أم ينظر إلى خياله، فيقتل الخيال؟

هنا كما هناك، لا تختلف التسميات: فالقاتل هو المجرم نفسه، القناص، قابض الروح. لا فرق في الاسم، طالما القتل يحصل. القتل يحصل، ويحصد أثناء حصوله أرواحاً، لم يتسنَ لها الوقت كي تنظر مرة أخيرة إلى أرواح أخرى.

هل أبحث هنا عن دافع ليدافع به القاتل عن قتله للمقتول؟ أم أبحث عن دافع ليدافع به المقتول عن حقه في أن لا يقتله القاتل؟ أحاصر نفسي بالأسئلة.

أجلس الآن على ضفة النهر في برلين، بجانبي كتابٌ كنت أقراؤه منذ قليل ودراجتي مستندة إلى الكرسي الذي أجلس عليه. هناك اثنان يقبلان بعضهما في الجهة الأخرى من النهر. يمرُّ من أمامي رجل وكلبه يركض حوله. نظرَ إليّ الرجل، التقت أعيننا، ابتسم، ابتسمت، عبرني وأكمل طريقه. الغراب ينعق والشمسُ آيلةٌ للغروب. أقول لنفسي بشفقة غبية: كم أنا متعب!

أنا الآن في البيت. أفكر أن أنام قليلاً. تمرُّ بي أوقات أخاف أن أنام فيها لفترة طويلة. مصائب كثيرة حدثت أثناء نومي. استشهد بعض الأصدقاء وأنا نائم، اعتُقِلَ آخرون وأنا نائم، أُعلِنَت خلافة البغدادي وأنا نائم، حبيبتي السابقة هجرتني برسالة إلكترونيّة أرسلتها وأنا نائم. حين أكون مستيقظاً وتحصل المصيبة لا أفاجأ. لا بأس إن حصل شيء أراه بعيني. لا أحب المفاجآت. حين أستيقظ من النوم وأرى المصيبة أخاف.

لكن في الناحية المقابلة أخاف اليقظة، وخاصة في الصباح. أحياناً لا أحتمل الصباح بعيداً عن دمشق.

أتذكرُ الموتى مرة أخرى... آه على بؤسنا. أتذكرُ المجازر والقتلى. أفكرُ أنّه لا بدّ لشخصٍ ما أن يخبر القتلة بألّا يتركوا أثراً بعدهم، فليأتوا على كلّ شيء. فليخبرهم بأن يقتلعوا الأشجار من أماكنها ويهدموا البيوت ويقتلوا الحيوانات. فليخبرهم أحدٌ ألّا يتركوا طفلة تنجو من مديتهم، فليذبحوها. فليقتلوا العائلة كاملة ولا يتركوا منها نفراً يموت كلّ يوم في ذكرى البقية ممن رحلوا.

أفكر بالحريّة التي أفرضها على نفسي وعلى عملي. تعجبني جملة تجمع كلمة حريّة وكلمة فرض مع بعضهم. على كلّ حال، أحاول فرض الحريّة على نفسي وإن لم أستطع بشكل كامل فأحاول فرض ذلك على عملي، على ما أكتب وعلى الأفلام التي أصنع. أحاول من خلال عملي أن أتحرر من قيود هويتي ومن كلّ ما يقيّد الأفكار، والكتابة... آه من الكتابة. الكتابة هي طريقتي في التعبير عن ذاتي وطريقتي المثلى في التواصل مع هذا العالم. هي طريقة عظيمة لتفريغ الألم والعجز الذي أعاني منه. ولأنّني أعيش في «المنفى» وأكتب عن «الوطن» فالكتابة هي طريقة التفاعل الوحيدة مع هذا الوطن. هكذا أشعر بأنّني أعيش هناك وأقابل الناس في الشوارع. أحبّ أن أسميّها الكتابة المنجيّة.

لا أعلم فائدة غير ذلك لما أكتب. إنّني أكتب من أجل أن أبقى حيّاً. وأكتب بحريّة من أجل أن يبقى ما أؤمن به حيّاً.

 

الحريّة... الحريّة... لا تنتهي حريتي عندما تبدأ حريّة الآخرين... حريتي لا تنتهي أبداً... على الأقل حينما أكتب.

كثيراً ما يراودني هذا السؤال، أقف أمام المرآة قبل أن أقرر البدء وأسأل نفسي، وبعد أن أنتهي أكرر السؤال بصوت مسموع: لماذا أكتب؟ لماذا أنشر ما أكتب؟

أصاب غالباً بحالات صداع بعد أن أنتهي من كتابة نص ما، بغض النظر عن نوع النص الذي أكتب، أحاول الاستلقاء والنوم أو مشاهدة بعض مقاطع الفيديو التي لا معنى لها، أو أن ألعب لعبة لا تحتاج إلى تفكير، حينها تقفز إلى ذهني أسئلة كثيرة من نوع: ما الذي يجبرني على الكتابة؟ لماذا أنشر ولمن؟ من يهتم بقراءة هذه النصوص؟ ما الذي أحاول تغييره في هذا العالم وأنا الذي لا أؤمن بالتغيير على المدى الطويل؟ والسؤال الأصل: هل حقاً أستطيع أن أضيف شيئاً ما إلى هذا العالم بما أكتب، كقيمة مضافة أو كنوع من التسلية؟

ألجأ إلى الكتابة كلما شعرت بألم في الذاكرة أو بوجع في القلب لا يزول. أهرب إلى هذا المكان وكأنّني أهرب من طلقة قناص لا يترك قطة في الشارع إلا ويصيبها. أهرب من العالم الخبيث وأجتر ذاكرتي بحثاً عن لحظات تُكتَب كي لا تموت.

أكتبُ كي أحسَّ بنفسي. كي أشعر بـ «من أنا»؛ فحين أكتب، وبالكتابة وحدها، يصيبني هذا الشعور الغريب الذي لا يوصف بالكلمات. في كلّ مرة أكتب فيها أشعر بأنّني أرى نفسي في المرآة للمرة الأولى، وأكتشف ملامحي الغريبة عني. في كلّ مرة أكتب أشعر بأنّني حيّ الآن وهنا. أحسّ حين أمسك القلم أو ألمس الأحرف على لوحة الكومبيوتر بأنّني ألمس وجهي، أكتشف وجهي. حين الكتابة، وفقط حين الكتابة، أستطيع أن أعرف أين موقع أنفي وما هو لون عيوني.

أكتب لنفسي، لا لأحد. هناك الآلاف من الكتّاب ومئات الآلاف من الكتب والجرائد والمجلات والمواقع، يمكن للقارئ أن يقرأها، أكتبُ لأعرف نفسي.

الكتابة اكتشاف، وكلّ كتابة جديدة هي اكتشاف جديد لمن يكتب، والقارئ له مهام أخرى لا علاقة لها بما يحسّ به من يكتب حين يكتب. للأمانة فأنا أحبّ أن يتعب القارئ في القراءة كما يتعب الكاتب في الكتابة.

يقول ميشيل فوكو في مدخل كتابه «حفريات المعرفة»: لا تسألوني من أنا ولا تأمروني بأن أظل أنا هو باستمرار: فتلك أخلاق الحالة المدنيّة؛ وهي أخلاق تحكم أوراقنا وبطاقاتنا الإداريّة، كبطاقة الهوية. اتركونا وشأننا أحراراً، حينما يتعلق الأمر بالكتابة.

  • 1. «ترنيمة لسيدة من داريا، كانت تغنيها بصوت منخفض حين مرّ الباص الذي تستقله من منطقة السومريّة المجاورة لمدينة داريا في ريف العاصمة السوريّة دمشق. حينها رأت هذه السيّدة القصف والدخان المتصاعد من بيوت داريا، وكان ذلك في عام 2013». هذه الترنيمة منقولة من الكتاب البديع «رسائل من سوريا» لـوجدان ناصيف.