مشاعات حماة: مسلسل الهدم مستمر تحت حجة المخالفات

 

«بعد أن وصلت اللقمة إلى الفم»، أنهت الجرافات التابعة لمجلس مدينة حماة حلم المئات من أبناء «مشاع وادي النقارنة» جنوب المدينة بامتلاك منازل خُصّصت لهم بعد رحلة طويلة من الشكاوى والقرارات، بدأت منذ استملاك أراضيهم في العام 1983، مروراً بتسليم المخطط التنظيمي للحي في العام 2008، وبداية إنشاء البناء الطابقي من قبل الجمعيات السكنية في العام 2015، الذي كان قد وصل إلى مراحله النهائية، قبل أن يُصدر مجلس المدينة نهاية أيلول الماضي قراراً بالهدم طال جميع الوحدات السكنية في الحي، واستمرت أعمال تنفيذه أسبوعاً كاملاً، بحجة «المخالفات».

يقول أبو محمد (55 عاماً) من سكان مدينة حماة: «انتظرت استلام المنزل منذ 12 عاماً، بالأمس كانت الآليات تحفر الأساسات وتشيد الأعمدة، واليوم تقوم بهدمها»، وعند استفساره عن الأمر، قيل له إن «القرار كان قد اتخذ من قبل الحكومة، وتم توجيه مجلس المدينة بهدم الحي بالكامل». يضيف أبو محمد: « هكذا تم القضاء على حلمي الذي انتظرته طوال تلك السنوات، بامتلاك مأوى لأولادي دفعتُ أقساطه من راتبي، وحرمتُ نفسي وعائلتي من أساسيات كثيرة في سبيل تحقيقه». كل ما كان يرجوه الرجل وزوجته، التي تروي تجاعيدُ وجهها حكاية سنوات الانتظار الطويلة، هو «شرب فنجان من القهوة كل صباح على شرفة منزل عائد لهم، يطلّ على أحياء المدينة» كما تقول أم محمد.

القصة من البداية

يقع حي السلام (النقارنة) جنوب مدينة حماة، وهو كان منطقة زراعية تعود ملكيتها لـ 321 عائلة تعمل بالزراعة، تم استملاك أراضيهم من قبل مجلس المدينة في العام 1983، ضمن المرسوم رقم 880 الصادر في العام ذاته، والذي سمح باستملاك الأراضي الزراعية في محيط المدن وتنظيمها بهدف التوسع العمراني، مع تعويض أصحابها بما لا يتجاوز عشرة أمثال إنتاجها السنوي.

وفي العام 2008 قام مجلس المدينة بإعلان المخطط التنظيمي للأراضي المستملكة، وتم إعطاء التراخيص لجمعيات سكنية كي تبني 1724 وحدة سكنية ضمن مساحة 104 هكتارات، ويتم بيعها لـ 1672 مكتتباً يدفعون ثمن الشقق عبر أقساط شهرية، محدداً المدة الزمنية لتسليم الشقق السكنية بما يتراوح بين 5 و12 عاماً، وذلك بحسب رئيس اتحاد التعاون السكني في حماة، الذي كان قد صرّح لجريدة تشرين في عام 2011 عن وصول الودائع التي تخصّ 40 ألف عضو تعاوني في حماة إلى مبلغ 5.1 مليار ليرة، مؤكداً أنه سيتم دفع قيمة الأراضي في منطقة النقارنة، وتوزيعها على الجمعيات للمباشرة بأعمال البناء. ‏

قدّمَ أهالي المنطقة عشرات الشكاوى مطالبين بأراضيهم التي تم استملاكها وبمحاصيلهم الزراعية، ودام هذا بين أخذ ورد طيلة أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، لم يتلقوا خلالها سوى الوعود، لتثمر الشكاوى في النهاية عام 2015 عن تعويضهم بنسبة 10% عن الأشجار التي تم اقتلاعها، إضافة إلى وعود أخرى بتخصيص شقة سكنية (دون مزايا أو تعويضات عن الهدم) لكل متضرر ضمن الوحدات السكنية المزمع بناؤها، وذلك بحسب أبو محمد، الذي عبّر عن خيبة أمله بعد أن رأى «آليات الحفر ومواد البناء التي تعود ملكيتها للجمعيات تملأ الحي، دون تنفيذ الوعود».

دامت عمليات البناء في حي السلام (النقارنة) لما يزيد عن عامين، وتميّز البناء الجديد في الحي بأبنيته الحديثة الطابقية والمنظمة، إذ يصل البناء الواحد إلى خمسة طوابق. وبالرغم من حداثة الحي وتنظيمه، إلا أن النظام استمرّ في إطلاق مسمى «المشاع» على الحي، وذلك ربما للتقليل من أهميته وعدم لفت انتباه الأهالي للأمر، إذ أن مصطلح المشاعات يعبر عن الأحياء العشوائية غير المنظمة على أطراف المدن.

وكانت الجمعيات قد حصلت على تراخيص نظامية للبناء من قبل مجلس مدينة حماة، بحسب ما صرح به مصدر من المجلس لجريدة الفداء المحلية في حماة بتاريخ 22 كانون الأول 2015، مؤكداً متابعتهم للوحدات السكنية منذ بداية الإنشاء، وإنهاء جميع الإجراءات المتعلقة بحي السلام، التي يتم العمل فيها بشكل أصولي ضمن التراخيص المطلوبة!

يتساءل أبو محمد عن صدق حجة «المخالفات القانونية» التي ادعاها المجلس، لتبرير هدم ما أُنجز خلال السنوات الماضية: «أين كانت الجهات المسؤولة وقتها؟ وهل من الطبيعي أن يقوم مجلس مدينة بالترخيص لجمعيات سكنية بشكل قانوني، ثم يحتجّ على نفسه بعدم القانونية؟».

ليس مشاع النقارنة الحيَّ الوحيد الذي تعرض للهدم خلال السنوات الماضية، إذ قام مجلس المدينة سابقاً بهدم مشاع الأربعين بالكامل، وتهجير أهله. عبد اللطيف من مدينة حماة كان قد اكتتب في واحدة من الجمعيات السكنية بعد أن هدم النظام منزله في مشاع الأربعين، وأرهقه التنقل والبحث عن منزل للإيجار في الأحياء المجاورة، الأمر الذي كان يقضم ما يعادل نصف راتبه الذي لا يتجاوز 35 ألف ليرة. وهو يُرجع سبب الهدم إلى «متابعة النظام لسياسته في الضغط والتضييق على أبناء حماة، لتهجيرهم من المدينة»، ويقول إن معظم سكان المشاعات «من ذوي الدخل المحدود أو المتدني، ويعيشون قريباً من خط الفقر، وفي ظروف صحية وإنسانية سيئة، وهم لا يصلحون للسكن في سوريا المفيدة التي يريدها النظام، ويعمل عليها من خلال سياسة التغيير الديموغرافي الذي ينتهجه منذ بداية الثورة، والذي ترسّخ بعد شعوره بالانتصار»، ثم يخلص إلى أنه «لا توجد حجة للهدم، لماذا سمحوا لهم بالبناء منذ البداية، وأخذوا أقساطاً شهرية منذ سنين؟ ولماذا اختاروا هذا التوقيت بالذات للهدم؟».

يجد عبد اللطيف رابطاً بين ما حصل من هدم للحي والقانون رقم 10 الذي صدر في العام 2018، الذي يفضي إلى نزع ملكيات أصحاب المنازل الذين تعرضوا للتهجير القسري. فهو يقول إن النظام يسعى إلى تغيير طبيعة المناطق التي تمردت عليه، وتحويلها إلى مشاريع يستفيد منها رجال أعمال متنفذون موالون للأسد. «لقد غادر ما يزيد على نصف المكتتبين في جمعيات مشاع وادي النقارنة المدينة إلى المناطق المحررة أو الدول المجاورة» بحسب عبد اللطيف، وهؤلاء ليس لديهم القدرة للعودة والدفاع عن حقوقهم، لأنهم سيتعرضون للاعتقال لحظة عودتهم.

لم تصدر عن مجلس مدينة حماة أي قرارات جديدة حول مصير المنطقة التي هُدمت، وليس واضحاً فيما إذا كان المجلس سيقوم بتعويض السكان المتضررين أو تخصيص شقق سكنية لهم في حال إنشاء مشاريع جديدة، سواء بالنسبة للمكتتبين من أصحاب الأراضي التي تم استملاكها قبل 35 عاماً، أو المكتتبين الآخرين الموجودين في أحياء أخرى من المدينة، فضلاً عن أولئك الذين اضطروا لمغادرتها. وفي حال تم إحداث منطقة تنظيمية جديدة تشمل المشاع وفقاً للقانون رقم 10، فإن جميع الذين رحلوا خوفاً من بطش النظام سيخسرون كامل حقوقهم خلال شهر واحد من إحداثها.

يوجد في مدينة حماة قرابة سبعة مشاعات، هُدم منها خلال عامين حيّان كاملان بحجة المخالفات القانونية، دون الاكتراث لحال السكان ومصيرهم. الأول هو مشاع الاربعين الذي يقع في القسم الشمالي الشرقي من المدينة، وكان يبلغ عدد قاطنيه قرابة الـ30 ألف نسمة غالبيتهم من الطبقة الفقيرة البسيطة. والثاني مشاع وادي الجوز الذي هُدم في أيلول عام 2013، وكان يُعدّ ثاني أكبر مشاع داخل حماة، ويقع على الطرف الغربي من المدخل الشمالي للمدينة. كان يبلغ عدد قاطني مشاع وادي الجوز 25 ألف نسمة، وقد نزح أهله إلى أحياء أخرى في مدينة حماة، ليتم بعد أكثر من عامين تعويض أصحاب المنازل بنسبة 25% من التكلفة و35% من مساحة الأرض بحسب ما قاله أبو جنى، أحد قاطني الحي سابقاً، الذي تم تعويضه بمبلغ 100 ألف ليرة سورية فقط مقابل منزله الذي كانت تبلغ مساحته 290 متراً.