مشاهد من مسلسل تراجع الليرة السورية

 

يصطفُّ عشرات الناس في طابورٍ طويلٍ عند ساعات الصباح الأولى أمام إحدى المؤسسات الاستهلاكية التابعة للقطاع العام في العاصمة دمشق، بانتظار لحظة فرحٍ تتمثّل بـ3 كلغ من السكر، تحصل عليها كل عائلة مرةً واحدةً كلّ 15 يوماً، بينما لا تزال أبواب المؤسسة مغلقةً، أسوةً بكثيرٍ من المحال التجارية في شوارع دمشق وفي بقية المحافظات. تفتح المؤسسة أبوابها، يتدافع الناس بالعشرات للحصول على السكر، ساعاتٌ قليلة وتنتهي «المَكرُمة». ينتصف النهار والمحالّ التجارية ما زالت مغلقة، وينقضي اليوم على هذه المحالّ وكأنه لم يبدأ.

أبو غيث رجلٌ كبيرٌ في السن، يملك متجراً صغيراً يبيع فيه بعض الحاجيات، توجّهنا إليه بالسؤال عن سبب إغلاق جيرانه لمحالّهم، فأجاب: «يا عمي والله شي مو معقول، التموين ما بيرحمنا والتجار ما بيرحمونا والحكومة ولا على بالها شو صاير بالناس»؛ بهذه الكلمات البسيطة والقليلة يلخّص أبو غيث المشكلة. هذا هو حديث الشارع والناس كافة، فالوضع المعيشي والاقتصادي للسوريين في هذه الأيام وصل إلى حدودٍ لم يصل إليها خلال سنوات الثورة والحرب السابقة كلها.

منذ تأجّج الثورة ثم اشتعال الحرب في سورية بدأ التدهور الاقتصادي، وراحت الليرة السورية تفقد قيمتها تدريجياً كنتيجةٍ طبيعيةٍ لهذا التدهور. في العام 2011 كان الدولار الأميركي الواحد يعادل تقريباً 50 ليرة سورية، ومع مرور السنوات بدأت قيمة الليرة بالتراجع، حتى دخلت العام 2019 بسعر نحو 500 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد. المفارقة أنّ العام 2019، الذي من المفترض أن الأعمال القتالية بين النظام والمعارضة قد تقلّصت فيه إلى الحدود الدنيا، وأن معظم المحافظات والمناطق عادت إلى سيطرة النظام، كان هو الأسوأ اقتصادياً، وفيه انخفضت قيمة الليرة السورية بشكلٍ رهيب حتى وصلت في شهر كانون الأول (ديسمبر) إلى 960 ليرة مقابل الدولار الواحد، قبل أن يعود سعرها للتحسن قليلاً دون أي استقرار حتى اللحظة.

يعزو إعلام النظام أسباب التدهور الحالي في قيمة الليرة السورية إلى تجار أزمات يحتكرون القطع الأجنبي ويبعدونه عن السوق، وكذلك إلى وجود متلاعبين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لنزع ثقة المواطن باستقرار مكانة الليرة، فضلاً عن الحصار الاقتصادي الذي تقاسيه سورية بعد «انتصارها على الإرهاب». لكن الناس في دمشق يقولون في أحاديثهم اليومية، التي قلّما تخرج إلى العلن، إن هناك أسباباً أخرى فضلاً عن ظروف الحرب، تتعلق بسيطرة بعض رجال الأعمال والمتنفذين على النسبة العظمى من الأموال والأعمال في البلاد، وتحكمهم بارتفاع وانخفاض قيمة الليرة بما يتماشى مع مصالحهم.

هؤلاء تحديداً، كانت لهم مبادرة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عُرفت باسم «مبادرة دعم رجال الأعمال»، حيث عقدوا اجتماعاً مع حاكم مصرف سورية المركزي حازم قرفول، وتعهدوا بإيداع مبالغ كبيرة وبالدولار في خزينة الدولة لرفع قيمة الليرة وسد العجز الحاصل والاستجابة للطلب المتزايد على القطع الأجنبي في السوق المحلية، لكن المحاولة كانت فاشلةً بامتياز، وذلك لأنهم لم يفوا بالتزاماتهم على ما يبدو، إذ على العكس من ذلك، انخفضت قيمة الليرة أكثر وارتفع سعر الصرف مقابل الدولار من 585 إلى 608 ليرة بعد هذا الاجتماع مباشرة. بالتأكيد، يصبّ انخفاض قيمة الليرة في مصلحة رجال الأعمال هؤلاء، حيث أن العملة المحلية تراجعت خلال ستة أشهر أكثر مما تراجعته خلال ثماني سنوات.

وما زاد الطين بلة أن حكومة النظام ساعدتهم بقراراتها وسياساتها غير المفهومة، إذ أحدثت صندوقاً موازياً يبيع الدولار لرجال الأعمال بسعر 600 ليرة، بقصد مساعدتهم على استيراد بعض المواد من خارج البلاد. لكن الأحاديث الشائعة تقول إن هؤلاء، وبدلاً من الاستفادة منه بالاستيراد، راحوا يبيعونه في السوق السوداء بسعر 685 ليرة، لتزداد خزينة المصرف المركزي إفلاساً من القطع الأجنبي، ويزداد عموم السوريين فقراً بسبب نقص المواد المستوردة من الخارج، وبالتالي ارتفاع أسعار المتواجد منها، ويزداد هؤلاء التجار بالمقابل ربحاً، من خلال هذه الفرصة الذهبية التي قدمتها لهم الحكومة بجني الأموال والأرباح دون تعب.

وقد كشفَ تفجّر الأوضاع في لبنان عن أرقام كبيرة من أموال السوريين مودعة في المصارف اللبنانية، قُدِّرَت بنحو 30 مليار دولار. ولا شك في أن هذا رقمٌ كبير، ستسهم عودته إلى سورية وتنفيذ استثمارات من خلاله في إحداث نقلة نوعية وقفزة كبيرة في الاقتصاد السوري، وهذا ما ذهب إليه رئيس غرفة تجارة ريف دمشق وسيم القطان، الذي قال «إن سورية باتت اليوم تمتلك رؤية حقيقية للاستثمار، واستطاعت تحديد أولوياتها ضمن مناخ وتشريعات ضامنة للمستثمر وأمواله، بمعنى أنّ الأموال الخاصة مُصانة والاستثمارات تخضع لتشريعات وقوانين متطورة وينتظرها الأفضل مع قيام الحكومة بإنجاز قانونٍ عصريٍّ للاستثمار».

وليس واضحاً بالضبط ما هي الـ «رؤية حقيقية للاستثمار» لدى حكومة النظام، لكن يبدو أن الجانب العملي لهذه الرؤية يقتصر على رفع الفائدة على الأموال المودعة بالعملات الأجنبية، بعد أن أوصت لجنة تنفيذ السياسة النقدية برئاسة حاكم مصرف سورية المركزي حازم قرفول برفع أسعار الفائدة على الودائع بالليرة السورية والقطع الأجنبي (دولار – يورو)، معتبرةً أن ذلك سيسهم في جذب الإيداعات ورؤوس الأموال من الخارج، وتوظيفها لدى المصارف السورية. وقد كشفت مصادر مصرفية أن أسعار الفائدة على الودائع بالليرة والقطع الأجنبي ستصل إلى معدلات أعلى من المطبقة حالياً، كما سيعتمد المركزي سعراً مرجعياً جديداً، وسيترك للمصارف هامش حرية واسع بوضع الأسعار التي تناسبها.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الخطوة مفيدة نظرياً على صعيد جذب الأموال من الخارج، لكم هذا ليس صحيحاً على أرض الواقع، لأن الثقة شبه معدومة بين حكومة النظام والمصرف المركزي من جهة، ورجال الأعمال غير المرتبطين مباشرة بالنظام من جهة ثانية، وهذا ما تأكَّدَ في اجتماعٍ عُقِدَ على مدى يومين في فندق الشام بالعاصمة يومي الثالث والرابع من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، تحت مسمى «ملتقى مدراء التسويق والمبيعات السوري الثالث» برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ونظمته الجمعية السورية للتسويق بالتعاون مع غرفة تجارة دمشق وعدد من الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية.

حَضَرَ هذا الملتقى أكثر من 150 من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع والمستثمرين والخبراء الاقتصاديين، وهو في ظاهره تسويقي، لكنّ النقاشات المسرّبة من داخل الجلسات تعكس حالة السخط وعدم الرضا على ما تقوم به الحكومة، وكان الحديث صريحاً من قبل الحاضرين بأن أعمالهم سوف تتوقف، وأنهم سيغلقون مصانعهم ويوقفون إنتاجهم حتى تجد الحكومة حلولاً جذريةً لاستقرار سعر الصرف في الأسواق. المشكلة إذن بالنسبة للتجار ليس سببها سوق سوداء أو تجار أزمة فقط، وإنما السياسات المالية والاقتصادية والنقدية التي تحتاج إلى تبديل من ناحية الأفكار ومن ناحية التطبيق على أرض الواقع.

يقول الواقع إن المواطن السوري هو من يدفع الثمن نتيجة ذلك كله، فالتجار توقفت أشغالهم وأعمالهم من بيع وتجارة، وأضحت البضاعة أغلى من المال في يد أي تاجر أو صناعي، فإذا أراد أن يشتري المواد الأولية بالدولار ويبيع البضاعة بالليرة ستكون تجارته خاسرة، وإذا رَفَعَ سعر بضاعته أكثر سيتوقف المبيع عنده، وهذا ما حصل بالفعل، حيث توقف البيع والشراء تقريباً، وأغلقت المحال أبوابها، وبات عموم السوريين ضحايا يلهثون من مكان لآخر بحثاً عن قوت يومهم.

الحلول الإسعافية الحكومية على قلّتها مخجلة، فما يُعرف بصالات التدخل الإيجابي، التي أحدثتها حكومة النظام لبيع المواد الأولية للناس بأسعار منافسة، لا تفي بالغرض، لأن أسعارها لا تقل كثيراً عن أسعار السوق، ناهيك عن أن البضاعة المباعة فيها ليست من الأصناف الجيدة. محاولةٌ يائسةٌ أخرى قامت بها الحكومة، تمثّلت بزيادة رواتب الموظفين، وهلَّلَ لها البعض كثيراً واعتبروها «مكرُمة» قلّ نظيرها، لكن الواقع غير ذلك، إذ أن زيادة 20 ألف ليرة على رواتب الموظفين العاملين من مدنين وعسكريين، و16 ألف ليرة لرواتب المتقاعدين، كانت حبراً على ورق ومجرّد دعاية إعلامية، لأن مبلغ 20 ألف بعد الحسومات والضرائب أصبح بالحد الأقصى 13 ألف ليرة. وكما جرت العادة مع كل زيادة على الرواتب، ترتفع الأسعار بشكل جنوني، حتى أن معظم الناس يستعيذون بالله من كل زيادة، ويتمنون ألّا تأتي من أصلها.

التمني الوحيد الآن لعموم السوريين هو مقومات الحياة الأساسية، بعيداً عن أي رفاهيات أو كماليات، ولكن المطالب لا تأتي بالتمني، بل تحتاج آذاناً صاغية لا يمتلكها نظام البراميل طبعاً.