مشاهد متخيلة لموت حتمي

 

منذ أيام، تحدّث أحد الشهود في قضية كوبلنز عن مقابر جماعية بأعداد كبيرة، عن دفن عشرات آلاف الجثث كيفما اتفق، عن المشاهد المرعبة التي رافقتهم خلال عملهم، عن الجثث المتعفنة غائبة الملامح، عن قبورٍ بلا أسماء أو شواهد، وعن أشخاص قتلوا تحت التعذيب أو من خلال إعدامات ميدانية في مختلف الأفرع الأمنية والمعتقلات.

يمكننا، من خلال تتبّع شهاداتٍ كثيرة، أن نرسم صوراً للتعذيب في المعتقلات السورية، أجملتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان باثنين وسبعين أسلوباً للتعذيب. كذلك، تُظهر مشاهد الفيديو الوحشية التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي عن أشكال من التعذيب أقداراً من الحقد والجريمة طالت حتّى الجثث والمقابر.

لا نكفّ عن مطالبنا بهذا الخصوص، نحن أهالي المُغيّبين قسراً منذ سنوات، دون أن نعرف أيّ معلوماتٍ توصلنا إلى رأس خيط. ندفع لذلك ما نملكه من نقودٍ وأعصاب. نحاول جاهدين أن نصل إلى ما يريح قلوبنا.

وفي كلّ مرّةٍ ومع كلّ أمل (كاذباً كان أم صادق) تعود صورهم إلى مخيلتنا، ونعيش سيناريوهات استقبالهم بعد خروجهم من جديد، ونبحث في أدقّ التفاصيل: تأمين المرور الآمن لهم حتى يصلوا إلى بيوتهم، الطريقة التي سنخبر بها أمهاتنا وعائلاتهم، ماذا سنرتدي في مثل هذه المناسبة من ثياب؟ كيف سنصدّر صورهم على الجدران؟ والأهم من ذلك هو كيف سنفرد ما تبقى من أشيائهم في الغرفة التي سنستقبلهم فيها. كلّ ذلك لأنّنا نريد أن نقول لهم: ما زلتم قيد الذاكرة، وكنتم دائماً تعيشون بيننا.

تشلّ لحظة الموت تفكيرنا، ونظنّ أنّنا لن ننتظر أحداً بعد الآن. يسهم في ذلك، وللمفارقة، ناجون تحدّثوا عن يومياتهم داخل هذه المعتقلات، وعن موت العشرات من رفاقهم داخلها، دون أن ننتبه أنهم الآن خارج هذا الجحيم، وأنّ علينا أن نعيش على فكرة النجاة، رغم معرفتنا بوحشية هذه الأجهزة ورخص حياتنا مقابل ما يملكه مجرموها من حقد.

الوصول إلى شبه يقينٍ بالموت يُحرّك مطالباً من نوع آخر تلح علينا في نومنا وصحونا. لا نريد شيئاً إن كان الموت فعل خلاصٍ للمعتقلين من آلة التعذيب اليومية، وربما هو خلاصٌ أيضاً للمعتقلين أنفسهم، بعد أنّ يتحوّل الموت، بحسب شهاداتٍ كثيرة، إلى «أمنية»، الموت-الأمنية هذا ليس فقط في سبيل قضيةٍ يؤمنون بها، بل أيضاً هو انتصارٌ على مَنْ يتلذّذ بموتك حين تضيع فرصته في تعذيبك أكثر، وفي إماتتك كلّ يومٍ مرّاتٍ كثيرة.

المطالبات الجديدة تبدأ برسم مشاهد مُتخيّلة لموتٍ حتمي، مشاهد تحمل في داخلها معنيان متضادان؛ الإيغال في الحزن للوصول إلى أعلى درجاته التي تشعرنا بالقشعريرة وعدم القدرة على البكاء ورسم مشاهد جديدة متخيلة أيضاً للمحاسبة، والشعور بالطمأنينة لأنهم الآن خارج نطاق القدرة على الإذلال والتعذيب.

موتٌ مناطقي

يحمل «شبيحٌ» هويتك الشخصية على أحد الحواجز. لا يبحث فيها عن صورتك أو اسمك، بل يكتفي برقم القيد قبل أن يُنزلك من الحافلة. يحدد مكان الولادة عدد الضربات التي ستتلقاها ومكان سقوطها على جسدك، ينزل رأسك إلى الأسفل بقبضته، أو يمسكك من شعرك ليجرّك بعيداً عن الأعين. كلّ ذلك وسط دهشتك. وتسأل نفسك: ما الذي اكتشفه من خلال قراءة البطاقة الشخصية؟ قبلاً مررت بعدة حواجز، وجرى تفييشي في مداخل مدن رئيسية دون أن أكون مطلوباً لأحد، إذاً ما الذي تغير؟

لن أحدد في المشهد هوية «الشبيح»، ولا خانة رقم قيد الضحية. بإمكاننا أن نضيف أي مدينة أو قرية، وهي بالضرورة تصلح في قصصٍ كثيرة، وتعود القصة لمزاجيةٍ متقلّبةٍ في كل يوم.

يكفي أن يسألك عن مسقط رأسك بعد مرور الحافلة إلى وجهتها، تاركةً مقعدك فارغاً دون أن يجرؤ أحدٌ الركاب على التمدد فيه. بالطبع لن يقولها بهذه الصورة، تلك فضيلةٌ لا نملكها نحن ولا يمكن أن نصل إليها، بات مسقط رأسنا إجبارياً ومرتبطاً بمزاجية السجان، ليتأكد من أن قتْلنا «حقٌّ لا بد منه».

قبل أن تنطق سيصفعك بيديه، يجب أن يمارس راحته بسماع صوت الصفعة على وجهك ورؤية أصابعه الخمسة دون أن تنقص واحداً. سيعيد الكرة مراراً أمام رفاقه وهم ينظرون إليك عاجزاً. عليك أن ترفع رأسك لتكون الدريئة جاهزةً قبل الرمي، وإن حصل وأخفضتَه ستكون عرضةً لعشرات الضربات في كلّ أماكن جسدك. عليك أيضاً ألا تسقط أرضاً، فأنت الآن بلا لحمٍ ودم، أنت مجرد دريئة.

لا تذكر اسم مدينتك أمامه حتى لو طلب منك ذلك، فكلمة سر استفزازه تكمن في تلك الأحرف. هو الآن يمارس ثأره من مدينةٍ لأشخاصٍ ليست ضروريةً معرفتُه بهم، ويحتار كحيرتك: أنت الباحث عن سببٍ وطريقة للنجاة، وهو الباحث عن طريقةٍ لموتك، قبل أن يسأل نفسه، إن كان مزاجه سيمنحك موتاً بطيئاً أم سريعاً! في كلتا الحالتين هو يعرف أنك ميتٌ لا محالة، ولكنّه يريد لك موتاً بيديه هو، فلماذا سيشاركه في ثأره غير الشخصي أشخاصٌ آخرون!

سيقتلك بحربة بندقيته، وسينظر إليها قبل أن يحاسب نفسه عن تدنيس حربته بدمك. سيذبحك. سيهرس رأسك بواحدةٍ من حجارات الطريق. سيضعك على الحائط ويرشقك بعشرات الرصاصات. سيكفُر أحدهم بالقرب منه، وتلك فقط ستكون ردة الفعل على موتك، قبل أن يتعاونوا على رمي جثّتك بعيداً، ريثما تأتي سيارة الجثث. سيشتم أمك وزوجتك وأختك بألفاظ نابية، سيطلب منك الشيء وضده حتّى بعد موتك، سيركلك أحدهم بقدميه ويبصق عليك آخر، سيدخل معك في حديثٍ لا تستطيع أن ترد فيه عليه، سيسألك أسئلةً ليرتاح. موتكَ هو الفعل الوحيد الذي سينجيك من هذه الأسئلة.

بتراهن؟

على معبر الموت في حلب، شاع أنّ قناصي القصر البلدي كانوا يختارون ضحاياهم في كل يوم: مرّةً من الشيوخ أو الحوامل، أحياناً من لون لباس معين، مراتٍ أصحاب الشعر الطويل أو الذين لا يملكون شعراً في الأصل، من يحملون الأكياس البنية. كان الرهان دائماً على علبة متة أو علبة سجائر حمراء طويلة.

هناك رهاناتٌ لا تقبل الخسارة، كتلك التي تكون فيها «طريدةً» على بعد أمتار قليلة، وصيادوك مدججون بالسلاح. يضعونك على بعد عشرة أمتارٍ، مثلاً، ويعصبون عينيك. ربما لن يفعلوا ذلك، فمتعةُ أن ينظر القاتل إلى ضحاياه ربما تكون شغفاً. سيُطلب إليك الوقوف على قدميك، أو إدارة ظهرك إلى الحائط، قبل أن يبدأ الرهان.

على مسامعك ستدور أحاديثٌ عن إصابتك في قلبك، عينك، خنصرك، أعلى الكتف، في جبهتك، قرب فمك.. كل ذلك سيكون متاحاَ، بينما يملؤون مخازنهم. الرهان على طلقةٍ واحدة، والجميع يضعون مخزناً مزدوجاً. سينادونك باسمك الأول، أنت الآن أعلى قيمة من كونك إنساناً، أنت «طريدة».

هناك رهانان: من سيبدأ الصيد و ومن سيحدد مكان الإصابة. سيُختار للرهان الأول قطعةً نقديةً معدنيةً تتراوح النتيجة فيها بين «النسر والكتابة» مثلاً، أو ربما سيختارون إصابة حجرةٍ موضوعةٍ على قارعة الطريق. أما الرهان الثاني فسيكون كيفياً؛ إذ جميعهم رابحون.

الرهان مفهومٌ يقوم على «الحظ» عند أشخاصٍ كثر، إلا أنه ودون أن ندري يدخل في ما يمكن تخيله عن اللعبة: شعورك بالحب والكره تجاه شخصيةٍ أو فريقٍ أو حدثٍ معين، الركون إلى مشاعرك، اختيار أرقام الحظ، المتعة، وربما يضيف أشخاصٌ أشياء أخرى، إلا أن هناك صُنّاعٌ للرهانات، أولئك الذين يُلقمونك ما ستختاره. يشبه ذلك التغطية الإعلامية لفريق كرة قدم معين، وتسليط الضوء على إنجازاته، لا شعورياً ستختاره خلال مرور ورقة الرهان أمامك بفعل التأثير الذي سبق اختيارك. 

موتنا يشبه ذلك الرهان بعد «شيطنة» حياتنا، نحن «الإرهابيين» القادمين لتخريب الحياة الآمنة والسعيدة، لذلك سيكون رهان الموت هو الرهان الأهم، والذي سيحظى بشعبيةٍ واسعةٍ وربحٍ دائم.

«في يده بطلقةٍ واحدة».. ربما يصيب هدفه، ولكن لا بأس في أن يخطئ، فالخسارة غير مهمةٍ هنا؛ الخسارة المُحزنة بالنسبة لهم هو أن يصيبك في «مقتل»، وذلك لأنه سينهي رهاناتِهم جميعاً.

 يركّز نظره على شعيرة البندقية، يغمض إحدى عينيه، وتغمض أنت كلتا عينيك. يحاول أن يهدأ وهو يضع سيجارةً على طرف شفتيه لتلقي بأدخنتها على وجهه، تحرقه عينه فيترك البندقية ماسحاً عينه وهو ينفض السيجارة، ويعود من جديد. صوت الرصاصة الآن يخترق الجمع المُترّقب، لا يترقبون حياتك، بل هدفهم، وكلّ الأمنيات بالخسارة تكمن في تأجيل موتك من بندقيةٍ إلى بندقيةٍ أخرى.

عند موتك يطلق الجميع رصاصهم نحو جثتك، تلك كانت طلقات الرهان ولا يمكن الاحتفاظ بها.

ما في بنزين

حين خرج من منزله كانت سيارته قد فرغتْ من الوقود، حاول البحث عن كازيّةٍ قريبةٍ دون جدوى، قبل أن يطلب من أحدهم إيصاله إلى مكان عمله على الحاجز.

عندما وصل كان الشرر يتطاير من عينيه، هل حقاً لا يوجد وقود لسياراتنا؟ إذاً لماذا نقف هنا؟ وإن كان لا بدّ من مسؤولٍ عن هذه المعضلة التي عكرت صفوه بعد ليلةٍ رومانسيةٍ قضاها وهو يطمئن على أطفاله ودراستهم، ووجه زوجته وصباغ شعرها الجديد، ولباسه الجديد الذي تغبّر خلال بحثه عن وقود، فلا بد أنه نحن، ويجب أن يحاسبنا على ذلك.

يطلب من صديقه أن يأخذ مكانه على الحاجز. يختار الأقرب من منابع النفط من بين الركاب، ويطلب إليه أن ينزل، دقائق ويطلب من الحافلة أن تمر، فهناك تشابه أسماءٍ لا بدّ أن يُحل.

يفكّر في طريقةٍ لربطِ ما حدث معه بالرجل الخائف أمامه، يسأله عن وفرة الوقود في المنطقة التي أتى منها ولا ينتظر إجابته، يبدأ باتهامه بسرقة كلّ شيءٍ وتحميله مسؤولية ضياع النفط وارتفاع أسعاره. يُجلسه في «الكولبة» ويحمل اللاسلكي ليطلب سيارةً تحمل سارق النفط إلى قدره. للحظةٍ يفكر في الوقود المهدور لأخذ مَنْ لا يستحق، يلتفت إليه ويهدر رصاصةً واحدة لقتله. يفرح لتفكيره المنطقي، ويرتاح في مقعده مرةً أخرى وهو يشعر بأنه ولد تاجراً.

موتٌ حتميٌّ مؤجل

خلال التدريب الجامعي الصيفي، والذي كنا نقضيه في مدرسة المشاة، أخبرنا العميد المسؤول آنذاك في المعسكر عن نسبةٍ مسموحةٍ من موتنا. أذكر أنه حددها بـ 10٪ منا في ذلك الوقت.

وقتها لم تكن هناك ثورة، كل ما في الأمر أن أحد أصدقائنا في جناح «الطبية» قد سقط من سيارة الزيل التي أقلّتنا إلى حقل الرمي، وتجنباً لاعتراضنا كان عليه أن يخبرنا بأن لكل شيء ضريبة في سوريا، وضريبة التدريب الجامعي كانت عشرنا، المنّة كانت أنهم لم يلتزموا بالنسبة المحددة.

لا أعرف النسبة الحقيقية المسموحة لموت المعتقلين في السجون السورية، ولا نعرف العدد الذي يسمح به كل فرع حتى يُحاسب المسؤولُ الجلادَ بـ«حلاقة» على الصفر. لكن ما شاع من أحاديث المعتقلين الذين خرجوا هو أن في كل فرعٍ جلادٌ هو الأكثر وحشية؛ مرهوب الجانب من قبل أصدقائه، وينال حظوةً من مرؤوسيه، ويُرهب المعتقلين الذين يخشون ذكر اسمه، ويُختار هذا الشخص بعدد المقتولين في «رقبته».

الضريبة هنا تصاعديةٌ وتستدعي المكافأة في كلّ مرة، لا ينافسه في ذلك إلا رجال الحواجز الذين يمارسون ما ليس من اختصاصهم. الموت حصريٌّ داخل جدران المعتقلات، وإن استمر الأمر على حاله سينقص العدد إلى الدرجة التي من الممكن معها ألا يقتلَ الجلاد أحداً هذا اليوم. إذاً كيف سيكمل يومه!

ليس هناك لجان تحقيق دولية أو حتى داخلية لزيارة المعتقلين في السجون، وهم غير مضطرين للضرب في أماكن لا تترك ندباتٍ واضحة، فلا أحد سيُحمّلهم المسؤولية طالما أنهم ضمن النسبة المحددة للموت، وهي موتنا كلنا.

لا يعترف نظام الأسد بأعداد المعتقلين في سجونه، وليست هناك قوائم اسمية أو أماناتٍ لهم يُحتفظ بها، ولا أحد يعرف مكان اعتقالهم. فقط من يُريد الإفراجَ عنهم يقوم بترحيلهم إلى سجون مدنية، أو أولئك الذين أسعفهم الحظ في تأجيل موتهم.

 تبدأ هنا رحلة الرشاوى والمزاودة والسماسرة والنصابون ورجال الأمن بخلق شراكاتٍ مالية من الممكن أن تؤدي إلى نجاة أحدهم، ليس مهماً أيضاً ما سيقوله حين يخرج، أو الأسماء التي ستُطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي وينتظرها الأهالي بفارغ الصبر، حيث يعيدون مراراً كتابة الكلمات المفتاحية للبحث عن مفقوديهم، دون جدوى. هم يعرفون أنهم عراةٌ وليسوا بحاجةٍ لإخفاء عوراتهم، ولن يزيد الطين بلّةً أن يُضاف لجرائمهم موتُ شخصٍ آخر.

سيارة نقل المعتقلين على الحواجز تمارس هوايتها في الاتساع، في الصندوق الخلفي يوضع عدةُ أشخاصٍ يحشرونهم كأكوامٍ من الاسفنج. أما المقعد الخلفي فهو «مُكسّرات الطريق» الطويل؛ من الضرب والشتم والتسلية.

الحظ السيء يضعك في أسفل الصندوق، فوقك أكوامٌ من اللحم تسمع أنفاسها الحارة ورائحتها البشرية. تضغطُ بفعل ثقل الجسد على صدرك، تحاول الكلام دون جدوى، وأيضاً تحاول الحركة قبل أن تستسلم بوضعيتك، تهمس لمن فوقك أنك لست حزيناً لموتك، وإنك لا تحمّله اللوم على كتم أنفاسك. تخبره عن اسمك الثلاثي، علّه إن نجى يُخبرُ ذويك بموتك.

عند وصولهم إلى المكان يستشيط الجلاد غضباً قبل أن يبدأ بضرب الجميع، لا لشيءٍ سوى لأن موتاً أفلت من بين قبضته وكان يجب أن يضاف إلى رقمه المتسلسل.

اقتلهم أنت

مت.. وإن لم تستطع فعل ذلك مباشرةً استفزّهم كي تموت. لا تترك لهم فرصةً بالرهان عليك أو شتمك وتعذيبك. احمِ وجهك من صفعاتهم، احرمهم لذة الصوت على وجنتيك، اشتمهم كما يشتموك، أفحش بذلك، ارفع رأسك، اذكر اسم الله أمامهم، فهم يستشيطون غضباً لذلك.

ليست تلك نصائح نقدّمها لكم، بل ذلك كله جزءٌ متخيّلٌ من سيناريوهاتٍ لا بد ستحصل، تشبه ما قاله الرجل عن زوجته: «بنت عمي وتاج راسي»، قبل أن يُهشّموا رأسه بصخرة. لا يمكن استبعاد هذا المشهد من المخيلة، لا لكسب تعاطفٍ وحديثٍ عن بطولة، بل لحقٍّ طال انتظاره بالمحاسبة، ولا بد سيأتي.

تملأ صدرنا المشاهد المتخيلة غضباً، تضعنا في الطريق الصحيح لنتوازن، وهي جرعة الألم اليومية لنبقى متيقّظين بكاملنا، ومن دون أن نغفل يوماً عن كل ما حدث ويحدث. تلك مشاهد تتخيلها الأمهات لتستطيع البكاء في كلّ مرّةٍ تذكر فيها أبناءها، الأصدقاء والأبناء أيضاً.

كانت شهادة الوفاة التي حملها أحد أصدقائي لأخيه بعد يومٍ واحد من اعتقاله من تلك المشاهد المتخيلة في ذاكرتي، هناك سيناريوهاتٌ كثيرة أخرى، ولكنّي تعبتُ وامتلأتُ حتى حنجرتي.