مشاهد من انهيار التعليم في سوريا

 

التسرّب

إنها السابعة صباحاً في دمشق، تزدحم الشوارع بالناس المُتّجهين إلى وظائفهم وأعمالهم المختلفة، فيما يتجه شباب وشابات إلى جماعاتهم، وأطفال إلى مدارسهم. لكن ليس كل الأطفال، لأن هناك أطفالاً في سن التعليم ليست وجهتهم المدرسة، بل أماكن أخرى، إذ يبقى كثيرون منهم في شوارع دمشق، باحثين عن لقمة عيشٍ لهم ولذويهم، يبيعون الخبز والخضار والبسكويت والمحارم على البسطات وفوق الأرصفة، ويعملون في مسح الأحذية وزجاج السيارات وفي بعض المحال والورشات، بالإضافة إلى كثير من الأعمال التي لا تليق بطفولتهم، وصولاً إلى التسول.

بعد اندلاع الثورة في سورية عام 2011، شهدت العملية التعليمية انهياراً كبيراً، بدأ بنزوح أعداد كبيرة من الأهالي من مناطق إلى أخرى، ما أدى إلى تسرب كثير من أبناء هذه المناطق من المدارس مجبرين. في شوارع دمشق وأسواقها، نرى كثيراً من أطفال المحافظات الأخرى، وخاصةً الشرقية منها، يعملون منذ ساعات الصباح الأولى. تقول «سعاد»، ابنة السنوات التسعة التي تبيع الخبز في شوارع دمشق، مع أختها الصغرى ذات السبع سنوات: «نحن من دير الزور، توفي والدي عندما كانت أختي في بطن أمي بقصف النظام لأحد الأسواق الشعبية في ريف دير الزور، ومع اشتداد القصف والمعارك هربنا مع أمي إلى دمشق، ونحن نعيش الآن في مدينة جرمانا في بناء على الهيكل (بدون كسوة لا داخلية ولا خارجية) مع كثير من العائلات. أخرجُ مع أختي في الصباح الباكر، نشتري الخبز من الفرن بعد انتظار لوقت طويل، ثم نبيعه للمارة ونكسب بعض المال لنعود إلى أمّنا في المساء».

وفي ردّها على سؤالنا حول إذا ما كانت قد درست في المدرسة يوماً ما هي أو أختها: «لا، لم نذهب إلى المدرسة ولا نعرف القراءة ولا الكتابة. ليس لدينا وقت لأننا نمضي النهار بطوله نعمل في بيع الخبز»، وتضيف بعد سؤال حول رغبتها في الذهاب إلى المدرسة: «نعم أتمنى! أرى الأطفال كل يوم في الصباح وهم يتوجهون إلى المدارس، ثم أراهم عند عودتهم وأسمعهم يتحدثون عن المدرسة، ولكني لا أفهم ما يقولون ولا أعرف ماذا يحصل في المدرسة أو ماذا يفعلون». ليست سعاد وأختها إلا عينة من آلاف الأطفال، الذين أجبرتهم ظروف النزوح والفقر على ترك مقاعد الدراسة والاتجاه إلى العمل.

منظمة يونيسيف، وفي أحدث تقاريرها المنشور في شهر آب (أغسطس) عام 2019، فنّدت كل المصاعب التي يعانيها الأطفال السوريون وعائلاتهم مع التعليم، في سورية وخارجها من دول الجوار المضيفة للاجئين. وتذكر في تقريرها إحصائيات تقول إن أكثر من 2 مليون طفل في سورية، أي نحو ثلث الأطفال السوريين في مرحلة التعلم، خارج المدرسة، بينما يواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرب. كما جاء في التقرير أن واحداً من بين ثمانية أطفال في كل صف دراسي يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي تخصصيّ لتحقيق التعلّم الفعال. أما الأسباب فهي النزوح أولاً، لأنه وبحسب المنظمة، بلغ عدد النازحين داخل سورية 6.2 مليون منهم 2.6 مليون طفل؛ والفقر ثانياً حيث يعيش أربعة من بين كل خمسة أشخاص من السوريين تحت خط الفقر، ما يدفع بالأطفال إلى اتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة، مثل التوجه إلى عمالة الأطفال وزواج الأطفال والتجنيد للقتال، وذلك لمساعدة أفراد عائلاتهم في سدّ الرمق.

التعليم في حدوده الدنيا!

بعيداً عن التسرب، يعيش الأطفال الذين أتيحت لهم الفرصة للالتحاق بمقاعد الدراسة واقعاً تعليمياً بالغ السوء، ربما لا تقل آثاره السلبية في المستقبل عن حدود الأمية، بداية من المناهج التربوية مروراً بنقص الكوادر التدريسية وصولاً إلى غياب مستلزمات التعليم، بالإضافة إلى خروج العديد من المدارس عن الخدمة لأسباب مختلفة.

مناهج دراسية مأزومة

يحتوي أحد الأناشيد التي يتم تدريسها لتلاميذ الصف الثاني الابتدائي تعابير قليلة المعنى، وعنوان النشيد هو «الفيلُ يستحمُّ»، نجد في مطلعه «طش طش.. انهمرَ الماءُ.. حلت ضوضاءُ .. إش إش.. قال المحار.. الجبلُ انهار». وليس هذا النشيد سوى واحد من أكثر الأمثلة كاريكاتورية في المناهج الدراسية الجديدة في سورية، التي أثارت حالةٌ من الاستياء العام، فاقمت منها الأحاديث التي تدور بخصوص مدير المركز الوطني لتطوير المناهج، دارم الطباع، الذي يحمل في الأساس شهادة في الطب البيطري، فيما يقول آخرون إنه يحمل بالإضافة إلى ذلك درجة الدكتوراه في الصحة العامة من ألمانيا، وإنه كان استشارياً في منظمة الصحة العالمية. 

الأستاذ أحمد، 55 عاماً، هو مدرّس لغة عربية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقد حار في الإجابة عن سؤالنا حول المناهج الجديدة: «لماذا يتم تعيين دكتور في الصحة العامة مسؤولاً عن إعداد مناهج تعليمية وتربوية؟ هل خلت سوريا من أشخاص مختصين بالتربية والتعليم لوضع مناهج جديدة؟ أنا من الجيل القديم، لكني على اطّلاع دائم بتطور العلم والمعرفة في بلدان العالم بواسطة الانترنت، وعلى المستوى الشخصي أحاول دائماً تطوير نفسي، فكيف بأشخاص من المفترض أنهم مسؤولون عن تطوير المناهج في بلد بأكمله. ثم إن السرعة القياسية التي وضعت فيها هذه المناهج لا تشبه بحال من الأحوال ما هو مُتّبع في دول العالم، التي عادة ما تستغرق سنوات في التفكير والتحضير مع دراسات شاملة وتسلسل زمني ومنطقي، لتغيير المناهج بما يتناسب مع التطور العلمي والبحثي والتكنولوجي».

لم تقف حدود الأخطاء في المنهاج الأخيرة عند ركاكة بعض الأناشيد وسطحيتها، بل تعدّتها إلى أخطاء كبيرة من بينها خطأ وقع في الاقتباس من القرآن، وخريطة في كتاب العلوم للصف العاشر تم حذف هضبة الجولان المحتلّ منها، وكذلك حذف لواء اسكندرون الذي تعتبره الدولة أرضاً سورية، وهو ما أثار ضجّة دفعت وزير التربية السابق هزوان الوز إلى الوعد بمحاسبة المسؤولين عنها. بالإضافة إلى ذلك، احتوى أحد دروس القراءة للمرحلة الابتدائية ما اعتبره كثيرون إيحاءات جنسية، في درس عنوانه «لا تخبر بابا»، وهو ما أثر أيضاً ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، .

وفي هذا السياق قام المحامي ياسر الخضر في مدينة حمص برفع دعوى قضائية ضد وزير التربية في حكومة النظام والكادر المحيط به، يتهمهم فيها بـ «النيل من هيبة الدولة وإضعاف الثقة بوزاراتها وبث الفكر الهادم»، مطالباً «بتعويض الدولة والشعب ثمن طباعة الكتب، وإعلان قرار يقضي بإلغائها ووضع منهاج جديد يطور العملية التعليمية». وعلى أي حال، فإن الوزير المذكور هنا هو وزير التربية السابق هزوان الوزّ نفسه، الذي كان قد قدَّر الأضرار التي لحقت بالقطاع التربوي خلال سنوات الحرب بنحو 250 مليار ليرة سورية، ثم تمّت إقالته مؤخراً على خلفية فضحية فساد كبيرة، بعدما تمت إدانته باختلاس أموال من خزينة الدولة لتمويل صفقات وهمية لصالح وزارة التربية، بالاشتراك مع رجل الأعمال المقرب من عائلة الأسد محمد حمشو، الذي يُعرَفُ عنه أنه الواجهة الاقتصادية لماهر الأسد شقيق بشار الأسد.

على هامش كل هذا الضجيج، يبدو أن أكثر ما أثار غضب النظام وأبواقه هو ما وصفوه بأنه «خطأ جسيم»، تمثّلَ في إدراج قصيدة للأطفال في أحد كتب القراءة للمرحلة الابتدائية، من كتابة الشاعر ياسر الأطرش، ابن مدينة سراقب في ريف إدلب، والذي عُرف بمواقف علنية مناهضة للنظام. ورغم أن القصيدة لا علاقة لها بالسياسة، بل تتحدث عن استقبال المدرسة للطلاب في بداية العام الدراسي الجديد، إلا أن مجرد وجود قصيدة لشاعر معارض اعتُبرَ جريمة لا تغتفر، دفعت أعضاء في مجلس الشعب للمطالبة بمحاسبة الوزير وفريقه، وبحذف القصيدة، وهو الطلب الذي تمّت الاستجابة له سريعاً.

نقص الكوادر التدريسية!

التهجير والنزوح والقتل والاعتقال والفصل والخدمة الإلزامية والاحتياطية؛ عوامل عدّة ساهمت في نقص الكوادر التدريسية في معظم مدارس دمشق وبقية المحافظات. «أيمن» هو طالبٌ في الصف السابع في مدرسة «سعد سعد» بمنطقة الزاهرة الجديدة في دمشق، يقول: «بعد أكثر من شهر على دوامنا وزعت إدارة المدرسة الكتب على الطلاب، ثم انتظرنا شهراً آخراً حتى دخل إلى صفنا مدرس اللغة الإنكليزية لأول مرة، أي قبل المذاكرة بأسبوع واحد». هذا النقص في الكوادر التدريسية لا يقتصر على مدرسة دون أخرى أو على محافظة دون سواها، بل هي مشكلة عامة في كل البلاد، وهو ما أكده مدير تربية دمشق غسان اللّحام، الذي نُقِلَ عنه أنه قال في أحد اللقاءات الصحفية: «في الواقع نعاني من نقص حاد في الكوادر التدريسية على مستوى المدارس في محافظة دمشق، المشكلة لا يمكن حلّها إلا بمسابقة لتعيين مدرسين جدد، لكن الموضوع في يد وزارة التربية، والوزارة لا تحرك ساكناً».

يُقدَّرُ عدد المعلمين الذين غادروا سلك التدريس في سوريا بما يزيد على 100 ألف معلم منذ العام 2011 وحتى اليوم، وتتنوع الأسباب بين عامة وخاصة، أبرزها النزوح من مناطق إلى أخرى أو اللجوء إلى خارج البلاد، يليها مقتل أعداد من المدرسين في القصف والمعارك، واعتقال أعداد منهم أيضاً نتيجة مواقفهم أو نشاطاتهم المناهضة للنظام . تتذكر «مريم»، وهي مدرسّة فيزياء في إحدى المدارس الثانوية في دمشق، زميلها الذي تم اعتقاله عام 2012 من المدرسة أمام أعين زملائه وطلابه؛ تقول مريم: «وقعت مشادة كلامية بين محمود ومديرة المدرسة على خلفية رفضه السماح لطلابه في الثالث الثانوي بالخروج في مسيرة تأييد للنظام، حيث فضَّلَ أن يبقى الطلاب في صفهم لاستكمال دراستهم بدلاً مما أسماه في وقتها تفاهات. كلمة واحدة كلفته الخروج من المدرسة على يد رجال الأمن، الذين ضربوه وأهانوه وكبّلوه، ثم اقتادوه إلى جهة مجهولة، ومن وقتها لم نسمع عنه أي خبر».

سببٌ آخر أدّى إلى نقص الكوادر التعليمية، وهو سَوق أعداد من المدرسين إلى الخدمتين الإلزامية والاحتياطية. بعضهم رضخ للأمر الواقع فترك التدريس وحمل السلاح راغباً أو مكرهاً، والبعض الآخر فضَّلَ الهرب على حمل السلاح، وعقاب ذلك هو الفصل من العمل والحرمان من الراتب التقاعدي والتأمينات الصحية والاجتماعية، ومن التقدم إلى أي وظيفة حكومية أخرى فيما بعد.

وقد أجبر نقص الكوادر التدريسية وزارة التربية في حكومة النظام على الاستعانة بمدرسين غير أكفاء، يفتقرون إلى الخبرة والتأهيل اللازم، بعضهم من طلاب الجامعات الذين لم ينهوا تحصيلهم العلمي ولم يتلقوا أي تدريب، ما يجعلهم يجدون صعوبة في شرح المناهج للتلاميذ الذين يدفعون ثمناً باهظاً جراء ذلك. وحتى بالنسبة للمدرسين من ذوي الخبرة والكفاءة، فقد تم إدخال المناهج الجديدة إلى المدارس دون تطوير مهارات الكوادر التدريسية أو إقامة دورات تدريبية لهم تمكنهم من تدريس تلك المناهج بصورة فاعلة، ما يسبب لهم الإحراج في كثير من الأوقات أمام التلاميذ.

«ريما» طالبة في الصف الثاني الثانوي في دمشق، تروي جزءاً من معاناتها ومعاناة زملائها: «مدرّس الفيزياء لدينا في السنة الجامعية الثانية فقط، ويقال حتى إنه راسب في جامعته. لا علاقة له بالتدريس، ولا يعرف شيئاً عن المنهاج أو طريقة شرحه، لكن إدارة المدرسة قالت لنا "لا يوجد غيره، هاد الموجود، عجبكم ولا ما عجبكم، من أين نأتي لكم بمُدرّس". حالياً أنا وزميلاتي في الصف نعاني جداً في مادة الفيزياء، بعضهنَّ استعنَّ بمدرس خصوصي، ولكن أنا لا استطيع لأن أهلي لا يملكون قوت يومنا فكيف لهم أن يدفعوا للدروس الخصوصية، وهي غالية الثمن في هذه الأيام». تضيف ريما «الشيء ذاته تكرَّرَ مع مُدرّسة اللغة الانكليزية التي تجلس على كرسيها وتضع رجلاً على رجل وتقول لطلابها، "أنا ماني بهمكم، درستو ولا لاء، أنا جاي قضي وقت وبس وإذا ما عجبكم روحوا اشتكوا"، ومرة أخرى يأتي الجواب من مديرة المدرسة؛ "هاد الموجود"». تنهي ريما شكواها بالقول: «إن أكثر ما يزعج الطلاب في هذه الأيام هو مقولة المدرسين، "حضّروا الدرس بالبيت كي تشرحوه لزملائكم في الدرس القادم"، وعندما يشتكي الطلاب من عدم القدرة على التحضير، يطلب المدرس من طلابه الاستعانة بالانترنت، وحتى لو كان الطلاب لا يستطيعون ذلك، فإن الجواب الدائم؛ "دبّروا حالكم"».. 

قصص وروايات لا تُعَدُّ ولا تُحصى نسمعها من الطلاب وذويهم عن تدني المستوى التعليمي، أجبر كثيرين على اللجوء للمدرسين الخصوصيين رغم ارتفاع الأسعار، ورغم الفقر أيضاً، إذ قال أحد الأهالي لنا إنه يفضّل «بيع ملابسه والعمل لمدة 14 ساعة يومياً» على ترك أولاده بدون تعليم جيّد.

مدارس مدمرة وأخرى في حالة مزرية

أدّى نزوح نحو سبعة ملايين داخل سورية من منطقة إلى أخرى إلى استخدام مئات المدارس كمراكز للإيواء على مدى السنوات الماضية، خاصة في العاصمة دمشق، التي باتت بعض مدارسها أشبه بالسجون جرّاء ظروف الإقامة والمعيشة اليومية، من النوم إلى الطبخ والاستحمام، بالإضافة إلى الممارسات العدوانية التي كانت تقوم بها أجهزة الأمن ضدّ هؤلاء النازحين باعتبارهم «معارضين» للنظام.

وفضلاً عن خروج العديد من المدارس عن العمل جرّاء تحوّلها مؤقتاً إلى مراكز إيواء، وثّقت الأمم المتحدة منذ العام 2014 حتى اليوم 385 هجوماً على المرافق التعليمية، واستخدام أكثر من 50 مدرسة لأغراض عسكرية، كما ذكرت بأن حوالي 40% من البنية التحتية للمدارس في سوريا تعرضت للضرر أو للدمار أثناء الحرب. وبحسب منظمة اليونسيف، فإن مدرسة من بين كل ثلاث مدارس تقريباً خارج الخدمة، وهو أقرّ به وزير التربية الحالي في حكومة النظام عماد العزب، الذي قدَّرَ عدد المدارس المتضررة بنحو عشرة آلاف مدرسة، نصفها مدمر بشكل كامل. كما تحوّلت مدارس أخرى إلى ثكنات عسكرية ومقرات لإدارة العمليات الحربية، يستخدمها النظام في «حربه ضد الإرهاب». 

ولكن ماذا عن المدارس التي تابعت عملها كمنابر تعليمية في زمن الحرب؟ مع انشغال النظام في حربه ضد شعبه، توجه الاهتمام والإنفاق إلى المعارك على حساب أي شيء آخر بما في ذلك التعليم، حيث تشير الأرقام إلى تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم من 800 مليون دولار في العام 2010 إلى 80 مليون دولار في عام 2016. ويظهر هذا التراجع جلياً في الحالة السيئة التي وصل إليها التعليم بشكل عام، والمدارس بشكل خاص، والتي باتت تفتقر إلى أدنى المقومات من أبواب ونوافذ ومقاعد ووسائل تدفئة في فصل الشتاء وغيرها.

«ناهد» هي مدرّسة في المرحلة الابتدائية في مدرسة بمساكن برزة في دمشق، تقصّ علينا جانباً من معاناتها وتلاميذها في مدرستها: «بعد أن صدر القرار بإخلاء المدارس من اللاجئين وعودة التلاميذ إليها، شعر الكثير من الأهالي القريبين من هذه المدارس بالسعادة على اعتبار أن أبناءهم سيعودون إلى المدارس القريبة من بيوتهم، لكن فرحتهم لم تكتمل، إذ تفاجئوا بالواقع المزري لتلك المدارس. ورغم الوعود المستمرة من المعنيين بأن الحال سيصبح أفضل، إلا أن كلامهم بقي وعوداً، حيث ما تزال المدارس بلا أبواب وشبابيك وتدفئة ودورات مياه، بل إن بعضها بلا سبّورة للكتابة». تتابع ناهد: «الأعداد الكبيرة للتلاميذ تفوق قدرة المدرسة على استيعابهم، حيث نضطر إلى استقبال 60 إلى 70 تلميذاً في الشعبة الواحدة التي تتسع في الأساس إلى 40 تلميذاً بالحد الأقصى. هذه الأعداد الضخمة أثرت سلباً على التعليم بالنسبة للتلاميذ وحتى للمدرسين، الذين يجدون صعوبة في إيصال المعلومة إلى هذا الكم الهائل من التلاميذ».      

معاناة ومصاعب جمّة أصابت التعليم في سورية لا تقف عند كل ما ذكر، وإنما تُضاف إليها كثيرٌ من المشاكل المتعلقة بعجز الأهالي عن تأمين مستلزمات أبنائهم من لباس مدرسي وقرطاسية، فضلاً عن اضطرار كثيرين للهروب بأبنائهم من المدارس الحكومية بواقعها المتردي إلى المدارس الخاصة باهظة الكلفة، ويُضاف إلى ذلك أيضاً المعاملة السيئة بحق الطلاب، من ضرب وتوبيخ وكلام بذيء، والمعارك التي تنشب بين الطلاب أنفسهم دون مراقبة من إدارة المدرسة، التي تغفل عن أمور أخرى يشيع الحديث عنها مثل انتشار الحبوب المخدرة بين الأطفال.

واقع التعليم في سورية لا يبشر بالخير، وينذر بمستقبل سيء على الأجيال القادمة، وقد يكون من الجيد أن ننهي الحديث بقصة شقيقين، الأكبر في الصف الثاني عشر الأدبي والأصغر في الصف العاشر؛ تقول والدتهما: «غادرنا منزلنا في منطقة الحجر الأسود جنوبي دمشق منذ بداية الحرب، كان زوجي، وهو رجل عاجز، يملك ورشة لتصنيع الحقائب، وكنا نعيش في حالة مادية جيدة. خرجنا وتركنا كل شيء وراءنا، وتقطّعت بنا السبل في عدة مناطق بدمشق حتى لم نعد نملك قوت يومنا، أرهقنا أجار البيت والتنقل من مكان إلى آخر. زوجي الآن، ورغم عجزه، يعمل في ورشة لتصنيع الثياب ويتقاضى راتباً شهرياً مقداره خمسون ألف ليرة، وهو ما يعادل أجار البيت فقط. ولداي في المدرسة، لكنهما يساعدان والدهما في العمل أثناء الدوام الرسمي، حيث تسمح لهما المعلمة، التي تعرف حالنا، بمغادرة المدرسة لبضع ساعات للعمل ثم العودة إليها، وتُعوِّضُ لهما ما فاتهما من دروس في أوقات أخرى أثناء الاستراحة أو ما شابه. بعد انتهاء الدوام المدرسي، يعملان مع خالهما في ورشة أخرى لتصنيع الحقائب. في المساء، ورغم عودتهما منهكين، يدرسان دروسهما، وهما ولله الحمد متفوقان في دراستهما رغم كل هذه المصاعب التي لا تُحتمل».