مصالحة الفيلق والجيش: الهزيمة في صورة

 

في الصورة يبتسم ثلاثة رجال، وتبدو مسحةٌ من الراحة والسرور على وجوههم. الأول على يمين الصورة هو معتصم عباس، قائد لواء المعتصم الذي يستضيف المصالحة بين الرجلين الآخرين، والأوسط هو أبو همام البويضاني، قائد جيش الإسلام المهزوم قبل أسابيع قليلة، والثالث على يسار الصورة هو عبد الناصر شمير، قائد فيلق الرحمن المهزوم أيضاً قبل أسابيع قليلة.

لكن ملامح الهزيمة لا تبدو على القائدين الخارجَين قسراً من معاقلهما في الغوطة الشرقية، بل يبدو عليهما شيءٌ آخر غير الهزيمة، وغير ألم سنوات الحصار والموت المريرة، يبدو على وجهيهما فرحٌ لا يظهر عادةً سوى على وجوه من حققوا إنجازاً كبيراً لتوّهم.

يرتدي كلٌّ من الرجال الثلاث لباساً عسكرياً مختلفاً عن الآخر، والصورة في مكتب القيادة العامة للواء المعتصم، وهو مكتبٌ متكلّفٌ إلى حدٍّ بعيد، لا يشبه في شيء مكاتب عسكرية لفصائل تخوض حرباً، بل يبدو أشبه بمضافة لأحد الوجهاء أو التجار المحليين، مع لمسات تُذكِّرُ بمكاتب رجال العصابات كما يمكن أن تظهر في أفلام الجريمة المنظمة.

تبدو ابتسامة قائد جيش الإسلام أكثر اتساعاً وصدقاً، أما ابتسامة قائد فيلق الرحمن فهي أقلّ اكتراثاً وعمقاً. يضع البويضاني يده على كتف شمير، في مشهدٍ يبدو فيه كما لو أنه يشكره، ومعلومٌ أن جيش الإسلام في وضع أضعف، فهو محسوبٌ على السعودية، وكان محتملاً ألّا تسمح له تركيا أن يحتفظ بأي وجود تنظيمي.

هل يكون شمير كفيلَ البويضاني عند الأتراك؟ لا نعلم ولا أعتقد أننا سنعلم في يوم من الأيام، وهو افتراضٌ فيه كثيرٌ من الشطط على أيّ حال، لأن الأرجح أن لواء المعتصم هو كفيلهما معاً. مهلاً، هذا أيضاً افتراضٌ لا أساس متيناً له، إذ مَن هو الذي يستطيع أن يؤكد طبيعة العلاقة التي تجمع أي فصيل سوري بأي جهة إقليمية أو دولية أو محلية؟

في عيون قادة الفصائل وداعميهم، نحن أصغر شأناً من أن يكون هناك داعٍ لإخبارنا بأي شيء عن أي شيء. لا بل إن الصورة توحي أن أبطالها يعلنون خبراً مفرحاً للجماهير، وينتظرون التصفيق منّا جميعاً على إنجازهم هذا. يتوقعون أن نفرح لفرحهم، فنهتف ونتهلّل.

لقد حقّقَ الرجلان إنجازاً كبيراً جداً، وهو إثبات قدرتهما على فعل ما يريدان في الغوطة أو في الشمال السوري، دون أن يكون لأيّ من السوريين البؤساء أن يسألهما أو يسائلهما. لقد أثبتا أنهما لا يُهزمان، حتى لو هُزِما فعلاً.

استطاعت قيادتا الفصيلين أن تُحافظ على الزعامة، حتى بعد أن تمّ تحطيم المجتمع المحلي الذي خرجتا من رحمه. لقد أرسل الرجلان العشرات من مقاتلي فصيليهما إلى الموت في معارك داخلية قذرة، كان يمكن أن يؤدي تجنبها إلى تغيير في مسار الأحداث جزئياً على الأقلّ، ورفضا استكمال المصالحة التي تم الإعلان عنها أكثر من مرة، عندما كان يمكن لاستكمالها أن ينفع أبناء الغوطة في شيء، واليوم يتصالحان ليحافظا على وجودهما بعد أن أصبحت مصالحتهما لا تنفع أحداً غيرهما في أي شيء.

هو إنجازٌ عظيمٌ أن يتمكن القائدان التاريخيان من فعل كلّ هذا، دون أن ترمش لهما عين، ودون أن يحاسبهما أحد، وهو إنجازٌ أن يحتفظا بالقدرة على الخروج مبتسمين في صورة كهذه بعد أسابيع قليلة من حرب إبادة استهدفت البيئة الأهلية التي تسلّطا عليها بذريعة الدفاع عنها. لديهما من الثقة بالنفس ما يكفي لإعلان المصالحة الآن، فقط لكسب بعض السلطة والنفوذ في منطقة تسيطر عليها تركيا، في حين لم ينفع الحصار والتجويع والقصف الإبادي في دفعهما إلى مصالحة حقيقية في الغوطة، قرب دمشق التي لا يزال يحكمها من يُفترض أنه عدوّهما المشترك، بشار الأسد.

لقد مارس الطرفان في الغوطة من الموبقات والجرائم ما لا يحصى، وعلى وجه الخصوص الشيخُ المبتهج في وسط الصورة، أبو همام البويضاني، الذي بذل فصيله كل جهد للهيمنة على الغوطة الشرقية، ثم على دوما ومزارعها بعد أن فشل في مسعاه الأول، ولديه سجونٌ يعلم القاصي والداني أيّ جرائم ارتكبت فيها، وهو حارب جميع الفصائل التي جاورته، وفكك بعضها وسجن وأعدم قادتها ومقاتليها، وعَرَضَ مدنيين محتجزين لديه في أقفاص، وقدَّم لاستراتيجية النظام في الغوطة خدمات جليلة لا يفترض أن ينساها بشار الأسد ونظامه إلى الأبد، الأبد الذي كان أحد أحلام جيش الإسلام في دوما. كذلك فإن قيادة جيش الإسلام هي المتهم الوحيد بخطف رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، وبين أيدينا من القرائن ما يكفي لإدانتها بجريمة التغييب القسري القذرة هذه.

ليست الهزيمة في معركة الغوطة هي العار الذي يلحق بهؤلاء، فالهزيمة احتمالٌ قائمٌ في أي حرب، فكيف إذا كانت حرباً غير متكافئة يستخدم فيها النظام وحلفاؤه كل أنواع السلاح بما فيه الكيميائي، لكن العار هو أن يبقى هؤلاء زعماء وقادة بعد هزيمتهم وجرائمهم، ودون أي مراجعة أو محاسبة، والعار أن يقتتل هؤلاء فيما بينهم في الغوطة، ويرفضوا المصالحة الجديّة عندما كان لديهم أملٌ بأن يُسمح لهم بالبقاء فيها، ثم يعلنان المصالحة دون اعتذار أو مراجعة فقط كي يكون مسموحاً لهما أن يستمرّا بالوجود في الشمال السوري.

كان عبد الناصر شمير قد ظهر قبل خروجه من الغوطة في فيديو يقول فيه إنه لن يستسلم ولن يفاوض إلّا على البقاء في الغوطة، وطبعاً ليس مطلوباً منه ومن فصيله أن يقاتلوا حتى النهاية في معركة خاسرة يدفع المدنيون أثمانها دون أمل، لكن ألا يفترض بصاحب فيديو كهذا أن يقول شيئاً، أي شيء، لأولئك الذين تم تهجيرهم ولعائلات الضحايا، أن يعتذر أو يشرح أو يوضح. وإذا لم يكن لديه ما يقوله، ألا يُفترض به أن يصمت إلى الأبد، احتراماً لدماء الضحايا على الأقل.

الصورة الثلاثية تكثيفٌ بالغ القسوة لهزيمتنا، هزيمة الأمل في فتح الباب قريباً أمام احتمالات حياة أفضل في بلادنا، يجتمع فيها ثلاثة قادة فرحين بفتات سلطة مهددة لن تستمرّ طويلاً على الأرجح. وربما يغرقون مجدداً في صراعات داخلية على مكاسب ضيقة الأفق، تاركين السوريين نهباً للموت والضيق والألم، تحت رحمة نظام الإبادة في دمشق، وحلفائه وخصومه الإقليميين والدوليين على حدٍّ سواء.