مصر في مواجهة الأبد

 

جاء تنفيذ حكم الإعدام بحق تسعة شبان مصريين صباح العشرين من شباط 2019، متزامناً مع ارتفاع حدة النقاشات حول التعديلات الدستورية في مصر. وليس التوقيت وحده هو ما يدفع إلى الربط بين الحدثين، بل قبل ذلك اندراجهما في مساريين متوازيين، الأول هو استمرار صدور أحكام السجن والإعدام بحق عشرات المصريين، في قضايا يبدو واضحاً من ملابسات معظمها أنها كيدية وسياسية؛ أما الثاني فهو مسار التراجع التدريجي عن كل المكتسبات الدستورية والسياسية لثورة يناير، وتمكين السيسي من كل مفاصل السلطة في البلاد.

في المسار الأول، يقف شبانٌ مصريون أمام السلطات القضائية دون أي ضمانات، ويتم تسريب فيديوهات لهم، يقولون فيها أمام القضاة إن الاعترافات قد انتزعت منهم تحت التعذيب، دون أن يؤدي هذا إلى إعادة النظر في الأحكام. وقد تم تنفيذ ما يزيد على أربعين حكم إعدام في مصر منذ العام 2014، كان آخرها إعدام الشباب التسعة المتهمين باغتيال النائب العام هشام بركات، فيما صدرت عشرات أحكام الإعدام الأخرى التي لم يتم تنفيذها بعد، في قضايا تتعلق باغتيالات وهجمات وأحداث عنف متعددة، معظمها ذات صبغة سياسية تتعلق بالصراع بين سلطة المجلس العسكري ومعارضيها، على غرار قضية «فض اعتصام رابعة»، ليكون ذلك كله رسالة مخيفة تجعل جميع المعارضين الجذريين للسلطة يشعرون أنهم مستباحون تماماً، ليس أمام عصابات أو جماعات مسلحة تمارس العنف المنفلت، وإنما أمام مؤسسات الدولة القضائية، المحمية بأجهزة أمنية وعسكرية يمكن أن تقود أي مقاومة لها إلى حبل المشنقة.

أما المسار الثاني الذي يصل إلى ذروته في هذه الأيام، فقد بدأ في أعقاب الإطاحة بحكم الأخوان المسلمين في حزيران 2013، وما تلاه من استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة، وإشرافها على صياغة دستور للبلاد عام 2014، تضمّنَ تراجعاً عن مواد عديدة في دستور 2012، كانت تكفل حداً معقولاً من توازن السلطات، وتنص صراحة على حياد المؤسسة العسكرية. وتم تمرير هذا الدستور في استفتاء أجري في ظل حالة الطوارئ، وفي أجواء من الترهيب والاستقطاب السياسي، الذي يستند أساساً إلى خطاب الحرب على الإرهاب، وإعلاء شروط الأمن والاستقرار على شروط الحرية والديمقراطية.

ورغم أن اللجنة التي أشرفت على صياغة دستور 2014، كانت مشكلة من موالين أو مقربين من المؤسسة العسكرية بشكل رئيسي، وتم إقصاء سائر القوى السياسية الأساسية التي كانت فاعلة في ثورة يناير منها، إلا أن دستور 2014 حافظ على بعض مكتسبات دستور 2012، مثل تحديد مدة الرئاسة في أربع سنوات لدورتين فقط، إذ لم تكن سلطة المجلس العسكري قادرة على التراجع دفعة واحدة عن كل خطاب ثورة يناير ومطالبها، وهي التي عادت للإمساك بالسلطة محمولة على حراك واسع تم اعتباره استمراراً لتلك الثورة.

بعد ذلك تم إجراء الانتخابات البرلمانية عام 2015، وفق قانون انتخابات أصدره السيسي باعتباره يملك سلطة التشريع دستورياً حتى ينعقد برلمان منتخب، وجاءت نتائجها في صالح النظام العسكري، الذي حاز أنصاره على معظم مقاعد البرلمان، في وقت كانت تيارات المعارضة تعيش تخبطاً وضعفاً شديدين تحت وطأة القمع، وغياب إي استراتيجيات واضحة للتعامل مع معطيات المرحلة الجديدة.

خلال الدورة الرئاسية الأولى لعبد الفتاح السيسي، تخلص النظام من أغلب الأصوات الإعلامية والسياسية المطالبة بالحرية والديمقراطية في الداخل، بالاعتماد على الاعتقالات والمحاكمات السياسية والتضييق الأمني وتلفيق التهم، وتم الاشتغال على صياغة خطاب إعلامي يحتل فيه السيسي موقع القائد الاستثنائي الملهم، الذي لا بديل له سوى الخراب والإرهاب، لتضيق يوماً بعد يوم جميع المساحات التي خلقتها ثورة يناير للعمل المدني والإعلامي والسياسي.

في ربيع العام 2018، فاز السيسي بولاية رئاسية ثانية في انتخابات لم تشهد أي منافسة جدية، ولم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 42% وفق الأرقام الرسمية التي أصدرتها السلطات المصرية نفسها آن ذاك. ومنذ اللحظة الأولى التالية لتلك الانتخابات، بدأ الحديث في الأوساط الإعلامية والسياسية الموالية للنظام، عن ضرورة تعديل الدستور بما يكفل ألا تكون الولاية الرئاسية الثانية للسيسي هي الأخيرة، تحت شعار أن مصر تحتاجه منقذاً في مواجهة الإرهاب.

ومنذ أواخر العام الماضي، بدأت الأخبار تتسرب تباعاً عن أن عملاً مكثفاً يجري لإعداد مسودة التعديلات، وعن أن هذا العمل يتم بإشراف جهاز المخابرات العامة المصرية بشكل رئيسي، وبإدارة محمود السيسي نجل الرئيس المصري، الذي بات يتمتع بموقع مميز داخل جهاز المخابرات، ليأتي التقدم رسمياً بطلب إجراء هذه التعديلات مطلع شباط الجاري خالياً من أي مفاجأة، واستكمالاً ضرورياً لمسار كان قد بدأ أصلاً منذ أكثر من أربع سنوات.

كان ائتلاف دعم مصر النيابي، صاحب الأغلبية البرلمانية، قد تقدم بمقترح التعديلات، ووافق عليها 485 نائباً، فيما عارضها 16 نائباً فقط، ليبدو الطريق معبداً أمام استكمال الإجراءات التي تمهد لعرض التعديلات على استفتاء الشعبي. وتنص التعديلات المقترحة على زيادة مدة الولاية الرئاسية إلى ست سنوات بدلاً من أربع، وعلى أن يسمح للرئيس بالترشح لولايتين متتاليتين فقط، مع نص خاص يسمح للرئيس الحالي بالترشح لولايتين جديدتين بعد انتهاء مدة ولايته الحالية عام 2022. كذلك تعطي التعديلات للرئيس حق تسمية رؤساء الهيئات القضائية ورئيس المحكمة الدستورية العليا، وتنص على أن من مهمات القوات المسلحة «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».

ثمة معارضة لهذه التعديلات من داخل البرلمان إذن، ورغم أن بعضها جاء عالي النبرة، كما في مداخلة النائب أحمد الطنطاوي، التي قال فيها إن التعديلات باطلة دستورياً، وإن فيها مادة «مفصلة خصيصاً لشخص واحد، ولم يغب عنها إلا أن نفتح قوسين ونذكر اسمه»، إلا أن هذه الاعتراضات كلها تبدو فاقدة لأي قيمة أو تأثير، بل العكس من ذلك، يبدو أنها تدفع إلى مزيد من الإحباط، إذ أن أحداً لا يستطيع أن يجادل في مخالفة التعديلات للمادة 226 من دستور عام 2014، التي تنص على أنه «في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات»، ليكون السير في التعديلات بمثابة رسالة تقول إن السلطة العسكرية قادرة في كل وقت على خرق المواد الدستورية، بما فيها تلك التي توافق على إقرارها بنفسها.

تحاول قوى المعارضة في البرلمان وخارجه جمع شتاتها وتنظيم عملها لمقاومة التعديلات الدستورية، لكن دون أن يكون لديها استراتيجية موحدة لخوض المواجهة، إذ تختلف الآراء بين من يرى ضرورة المشاركة والتصويت بـ«لا»، وبين من يرى ضرورة مقاطعة العملية كلها، باعتبارها مسرحية محسومة النتائج، ولن تفيد المشاركة فيها سوى في منحها شرعية تفتقدها. وبالنظر إلى خريطة تيارات المعارضة، التي تشمل مروحة عريضة تضم قوى إسلامية وليبرالية واشتراكية وناصرية، تختلف فيما بينها حد التناقض في البرامج السياسية والاجتماعية، وفي مدى جذرية الموقف من النظام الحاكم، وفي النظرة إلى الأحداث التي شهدتها مصر بعد ثورة يناير، فإن من المؤكد أنها لن تستطيع الاتفاق على برنامج عمل موحد على المدى المنظور، رغم اتفاقها العام على رفض استفراد السيسي ومن خلفه المجلس العسكري بالسلطة.

كان عبد الفتاح السيسي قد أجاب على سؤال حول رأيه بالقادة الذين يتمسكون بالحكم إلى الأبد، بالقول إنه «لا يوجد أبد، فالأبد ينتهي بعمر الإنسان». هو الموت وحده إذن ما يقف حائلاً بين السيسي والبقاء في السلطة إلى الأبد، وإذ يعلم السيسي أنه ليس في وسعه هزيمة الموت، فإنه يعلم دون شك أيضاً أن الأبد المقصود هنا هو أبد الاستبداد والخوف والنهب، الذي يكشر عن أنيابه في وجه مصر.