معارك حوض اليرموك: وقائع ومآلات

 

بدأت قوات النظام ظهر أمس قصفاً مدفعياً مركزاً تمهيداً لاقتحام قرية الشجرة في حوض اليرموك، إلا أن أحد عناصر تنظيم الدولة هناك نفذ هجوماً انتحارياً استهدف مجموعة تتبع لقوات النظام، وهو ما يبدو أنه أجبر الأخيرة على تأخير موعد اقتحام واحد من آخر معاقل التنظيم جنوب غربي محافظة درعا.

ولا يزال جيش خالد بن الوليد المبايع لتنظيم داعش يسيطر على أطراف بلدة نافعة وقرى وبلدات الشجرة ومعرية وبيت آرة وكويا وعابدين والقصير في حوض اليرموك، بعد تراجعه عن معظم مناطق سيطرته السابقة بشكل متسارع خلال الأيام الماضية نتيجة القصف العنيف الذي تسبب بحالات نزوح واسعة للأهالي. وتداول ناشطون من محافظة درعا صوراً للبلدات التي انسحب منها التنظيم وقد تعرضت لدمار شديد في أبنيتها، وتُظهِرُ هذه الصور أن نسب الدمار تفوق نصف الأبنية في بعض الحالات.

كانت قوات النظام قد استطاعت خلال الأيام الماضية السيطرة على أهم بلدات منطقة حوض اليرموك، مثل تسيل وحيط وسحم الجولان وعين ذكر، ونجحت في التقدم على طول خط وقف إطلاق النار مع جيش الاحتلال الإسرائيلي في هضبة الجولان المتاخمة، مسيطرة على قرى الجملة والعارضة وموزرة. وقد حققت قوات النظام هذا التقدم مدعومة بقصف الطائرات الروسية، وبمقاتلي مجموعات «التسوية» التي كانت تتبع فصائل المعارضة المسلحة في المنطقة، مثل جيش الثورة وجبهة ثوار سوريا. وتداول ناشطون ووسائل إعلام صوراً لقادة سابقين في تلك الفصائل، وهم يشاركون إلى جانب قوات النظام في العمليات ضد تنظيم داعش.

وفي هذا السياق أفاد تقرير لموقع المدن أن قتال تنظيم داعش كان من ضمن شروط اتفاق المصالحة الموقع في نوى وبلدات من القنيطرة، وهو ما يفسّر مشاركة مقاتلي المعارض السابقين من تلك المناطق في محاربة «جيش خالد». وقد بدأ النظام عملية استيعاب قوات المعارضة ضمن صفوفه منذ اللحظات الأولى لتوقيع اتفاقات مصالحة في الريف الشرقي لمحافظة درعا، وبعد الحديث عن إدماج فصائل المعارضة في الفيلق الخامس الذي يديره الروس، بدأ أحمد العودة القائد السابق لفصيل شباب السنة، الذي كان أول الموقعين على اتفاق مصالحة مع قوات النظام، بحشد الشبان للانضمام إلى الفرقة الرابعة التي بدأت بفتح مقرات تابعة لها في درعا، بعد أن التحق أكثر من ألف مقاتل كانوا يتبعون فصيله بدورة تأهيلية في مقرات الفرقة الرابعة قرب دمشق.

بالمقابل، لا تزال عمليات الاغتيال تطال شخصيات مرتبطة بالمصالحات مع النظام، فقد تداول ناشطون من درعا نبأ اغتيال ياسر الطويرش قرب منزله في بلدة إنخل، وكان الطويرش من أوائل القادة العسكريين الذين وقعوا اتفاقات مصالحة مع قوات النظام برعاية روسية.

وعلى الرغم من تقدم قوات النظام السريع، إلا أن مشهد السيطرة على درعا لا يبدو مستقراً حتى اللحظة، إذ لا تستطيع قوات النظام إحكام قبضتها لوحدها على كامل مساحة المحافظة الكبيرة نسبياً، ما يجعلها بحاجة شديدة للاعتماد على مجموعات محلية، وهو ما أجبرها على القبول بانضمام مجموعات معارضة إلى صفوفها بسلاسة، وسهّلَ عمليات انتقال قادة محليين معارضين إلى الطرف الآخر دون ضجيج كبير، ثم انضمامهم للقتال إلى جانب النظام ضد جيش خالد بن الوليد، عدوهم المحلي الذي ساهم طويلاً في إضعافهم وتشتيت جهودهم.

تم الإعلان عن تأسيس جيش خالد بن الوليد في أيار عام 2016 من اندماج مجموعات سلفية متنوعة أبرزها لواء شهداء اليرموك، بالإضافة إلى حركة المثنى الإسلامية وجيش الجهاد. وكان لواء شهداء اليرموك فصيلاً معارضاً يحمل توجهاً سلفياً جهادياً، ذاع صيته منذ قيامه عام 2013 باختطاف 21 جندياً فلبينياً من قوة حفظ السلام الأممية قرب الجولان المحتل ثم إطلاق سراحهم بعد مفاوضات لم تُعرَف خفاياها. وقد بدأت فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة تخوض معارك مع اللواء منذ صيف 2014، على خلفية مؤشرات تدل على ارتباطه بتنظيم الدولة، ليعلن اللواء رسمياً بيعته لداعش أواخر 2014، وتستمر المعارك والمواجهات المتقطعة معه، والتي أسفرت في أحد مراحلها عن مقتل زعيمه أبو علي البريدي أواخر 2015. وقد أدى اغتيال البريدي آن ذاك إلى إضعاف اللواء مؤقتاً، ليعود ويستجمع قواه عبر الاندماج مع فصائل أخرى، والارتباط على نحو أوثق بتنظيم داعش، وهو ما شكّل استنزافاً مستمراً لفصائل المعارضة في درعا، وأدى إلى توسيع مناطق سيطرته تباعاً لتشمل معظم منطقة حوض اليرموك.

يقترب جيش خالد بن الوليد في حوض اليرموك من نهايته، بعد أن أصبح محاصراً في بضعة قرى متاخمة للحدود الأردنية وهضبة الجولان المحتلة، والأرجح أن المعركة معه لن تكون طويلة بعد انهياراته السريعة الأخيرة، وسيكون الحل الوحيد لتجنب استعصائه طويلاً في تلك البقعة الضيقة هو التفاوض معه وإخراج مقاتليه نحو البادية ليلتحق بمجموعات داعش المنتشرة هناك، وهو ما سيزيد من تعقيد الأوضاع في البادية، ويفتح الباب على تعزيز داعش لقوته، في وقت لا تزال المذبحة التي ارتكبها مقاتلوه في السويداء ترخي بظلالها على المشهد.