معجم الحميميّة: رسالة سارة أحمد التي لن تقرأها لورين برلنت

الاعتقاد بأنّ الحياة ستأخذ مجراها الطبيعي في المساحة الحميمية، لا بدّ أن يكبت جانباً آخر من الحميمية: حتمية الاضطراب والتشتّت والتشويش التي تدفع الأمور إلى حيث لا ندري.

لورين برلنت، الحميمية (1998)

نشرت النسوية سارة أحمد على مدوّنتها رسالة مفتوحة إلى لورين برلنت، منظّرة الدراسات الثقافية والنسوية التي توفّيت مؤخراً. ترثي سارة أحمد برلنت في رسالة تجمع بين سيرتَيْهما الفكرية والشخصية، تستعرض فيها أبرز المحطات الفكرية في حياة برلنت. فتستعيد مصطلحاتها النظرية، لتشرح مساحات التلاقي بين مفكّرتين أخذتا الدراسات النسوية والكويرية إلى عوالم تقاطعية، وأكثر اتّساعاً لمفاهيم كالسعادة والحبّ والحميمية والرغبة والانفعال والشعور. تلك المفاهيم التي لطالما كان فهمها محصوراً بالفرد والحيّز النفسي، أطلقتها سارة أحمد ولورين برلنت إلى الحيّز العام، فصرنا نتحدّث عن الحياة الاجتماعية للمشاعر، عن قدرتها على تطبيع بنى سياسية واجتماعية، عن صعوبة التعرّف على عنفها المُضمَر، عن إمكانية اللجوء إلى القطيعة مع تمثّلاتها سبيلاً للتحرّر.

في معرض رثائها لبرلنت، تضع سارة أحمد لنا منهجيةً لرثاءٍ تُميّزه الحميميّة، كما نظّرت لها برلنت نفسها، وكما عاشتها المفكّرتان في مسيرتهما المشتركة، لتعود وتجسّدها سارة أحمد في رسالتها. تقدّم هذه الرسالة، كما سنرى في ترجمتها العربية، أبعاداً جديدة للحوار الفكري الذي جمع بين المفكّرتين.

* * * * *

تستهلّ سارة أحمد مرثيّتها بأحجية عن المعجم اللغوي للفقدان: «ماذا لو كانت مَن فقدتِها هي أفضلَ من تشرح لكِ ذاك الفقدان؟» تتحدّث عن معضلة التعبير، عن التشرّد اللغوي الذي يصيب الفرد عندما يغيب الآخر ومعه معجم الفقدان الذي اعتاد اللجوء إليه للتعبير عمّا فقده، عن القلق الذي ينتابه من استحالة القول من بعده. فالخسارة هنا خسارتان: فقدان الآخر، لكن أيضاً فقدان القدرة على التجريد من بَعده. 

تتحدّث سارة أحمد عن ذلك الفقدان، لكنّها تعود وتبحث عن المعجم الذي سيُعينها على التعبير في المشترك مع برلنت، في المشاعر المتلبّدة التي احتلّت نصوصهما وعلاقتهما معاً. فأرّخت لنفسها من خلال اعترافها بدَينِها الفكري لبرلنت التي طرحت مفاهيم تبنّتها سارة أحمد وأخذتها إلى حيّز الممارسة النسوية.

احتلّ مفهوم الشعور حيزاً أساسياً في فكر سارة أحمد، وعاد وطبع مرثيتها لبرلنت. لا تنظر سارة أحمد إلى المشاعر بصفتها حالات تبدأ وتنتهي عند الفرد، بل تتعقّب حياة المشاعر الثقافية والسياسية وتأثيرها، وما يمكنها أن تفعله: حركتها، وترسّبها، ودورها الأساسي في تثبيت الأعراف وجعل البنى السلطوية غير قابلة للإزاحة. تَكثُر الأمثلة حول الحياة الاجتماعية للمشاعر: لاحِظنَ، مثلاً، كيف يُوظَّف شعور الانتماء الأسري لتسطيح التراتبية في أماكن العمل، أو كيف تُنسَب للدولة مشاعر أسوةً بالبشر يجب أن تُصان من نقد المعارضين. تستخدم، إذن، سارة أحمد المشاعر كوحدات تحليلية، أدوات في نقد البنى الاجتماعية، فتشير في رسالتها إلى دَينها لمسيرة لورين برلنت التي كانت أول من فهمت كيف يمكن للمشاعر، التي عادة ما ننسبها إلى الحيز الفردي والخاص، أن تؤطّر السياسة ومفاهيم عدة، منها الانتماء والحميمية. وهنا يبرز التواصل الفكري مع لورين برلنت.

تستخدم برلنت، صاحبة ثلاثية الوطن والمشاعر،1 عبارة «الموت البطيء» في وصفها لحالة القهر الممنهج والإنهاك الجسدي الذي تتعرّض له المجموعات، ممّا يولّد حالة تدهور مستمرّ لا يلبث أن يُمسك بأفراد هذه المجموعة فيطبَعَ تجربتهم ووجودهم في التاريخ. لا يهمّ برلنت هنا التعريف عن تلك المجموعات، عمّا قد يجعل منها جماعات، بل تركّز على موقعها أو كيف يتجلّى القهر على مستوى البنية والمُعاش فيجعل المجموعات العرقية، أو العمّالية، أو النسائية، «مُعدَّة للإنهاك». تُنظِّر برلنت لمفهوم مترابط، وهو «التفاؤل القاسي»، أي عندما يكون موضوع الرغبة، كالسعي إلى النجاح أو الغنى، عائقاً أمام ازدهار الفرد، ليس لأنّ هناك ما هو قاسٍ بشكل جوهري في موضوع الرغبة، بل لأن موضوع الرغبة يعيق بشكل فعّال الهدف النهائي، أي السعادة التي يسعى إليها الفرد. التفاؤل القاسي، إذن، يدفع الأفراد (ولكن أيضاً المجموعات) إلى التمسّك بروابط ومفاهيم ذات بعد عاطفي، تحول دون تحقيق غايتهم، لا بل تعمل على تطبيع شروط قهرهم، فيتحرّكون في سراب السعي إلى السعادة إلى ما لا نهاية.

من منطلق الروابط العاطفية، أي من لحظة تعريف برلنت للممارسات القهرية التي تأخذ شكل بنى وتجارب عاطفية، تنطلق سارة أحمد فتطرح مفهوماً متّصلاً يشكّل ركناً أساسياً في مسيرتها الفكرية: Feminist Snap. تقول سارة أحمد في رسالتها لبرلنت، ولكن أيضاً في كتاب عيش حياة نسوية (2017)،2 إنها استلهمت المفهوم ممّا وصفته لورين برلنت بـ«الموت البطيء». على عكس الموت البطيء، أو بالأحرى كردّ فعل على ممارسات الموت البطيء الذي تحدّثت عنه برلنت، تُنظِّر سارة أحمد للـ snap كانكسار حادّ ومدوٍّ وسريع تمارسه النسوية كرد فعل على ضغط تواجهه. والضغط هنا تسببّه المؤسسات الاجتماعية والتربوية والدينية وغيرها من البنى التي غالباً ما تغلّف ممارساتها بلغة عاطفية كي تطبّع وجودها وتعيد إنتاج نفسها، فتحثّ الأفراد، النساء ضمناً، على المرونة حتى يتمكّنَّ من حمل أثقال إضافية إلى ما لا نهاية. فالـ snap هي عندما تستنفد النسوية قدرتها على التحمّل. ولكن، كيف نترجم الـsnap إلى العربية؟

تطرح رسالة سارة أحمد، كما نصوصها الأكاديمية التي تتميّز بأسلوب مجرّد وحميمي معاً، أسئلة عديدة حول خيارات الترجمة. تصوغ سارة أحمد المفاهيم النظرية والفلسفية المجرّدة في جمل هي أقرب ما يكون إلى المحكيات، تكثر فيها تعابير مستقاة من الثقافة الشعبية الأنجلوساكسونية، فيها مصطلحات نظرية قائمة على الإيقاع الصوتي-الدلالي للكلمات (مثلاً: snap)، وعلى الإكثار من استخدام التعابير الاصطلاحية (muddle through; to the good hap of that). يجعل ذلك خيارات الترجمة إلى العربية متشعّبة: كيف سيبدو شكل النص المترجم إذا ما نقل تعدّد المستويات اللغوية، أي إذا ما استقى من العاميات ما يحتاجه للتعبير عمّا هو في حيز الحميمية؟ هل يمكن تعريب هذا الأسلوب بشكل يحافظ على وحدة النص؟

في ترجمتي لمفهوم الـsnap، فضّلت أن أحاكي أسلوب سارة أحمد البارع في قدرته على مزج المعاني النظرية المجرّدة بالمُعاش والحميمية من خلال وضع تلك المعاني في المحكيات. تدلّ كلمة snap، لا سيّما في استخداماتها المحكية، ليس فقط على الأشياء حين تنكسر بشكل مفاجئ وسريع وكامل فتُصدر صوتاً حادّاً، بل أيضاً على الانكسار المشابه للأفراد. لعلّ مرادف هذا الفعل بالعربية هو «الطقّة»، الكلمة الفصيحة التي تُستخدَم في العامية للدلالة على الشيء كما الأفراد، غالباً النساء منهم، اللواتي ينكسرن، فيكسرن القالب الذي يحدّهنّ. اذاً: طقّت، تطقّ، طقّاً (هل تسمعين إيقاع الطقّة بالعربية؟).

تحمل سارة أحمد الطقّة النسوية وتضعها أداةً في يد شخصية النكدة النسوية (Feminist KillJoy)، أي النسوية الغاضبة والمعاندة التي تزعزع ما يجب أن يبقى بديهياً وطبيعياً واعتيادياً، فتصبح بذلك هي المشكلة. النكدة ترى بوضوح تمثّلات السلطة (الأبوية، اللغوية، الدينية، إلخ.)، فتقول لا. لاءات النكدة النسوية مدوّية: لا للقمع الذي ينجم عن مأسسة الروابط العاطفية، لا لتطبيع القهر الممنهج -ذلك «الموت البطيء» الذي تحدّثت عنه برلنت- ولا للسعي وراء مفهوم معياري، ولكن أيضاً مستحيل، للسعادة.

في استخدامي لمفهوم الـ KillJoy، فضّلت أن أحاكي مجدّداً أسلوب سارة أحمد الذي يمزج بين النظري والمحكي. آثرت كلمة «النكد» كممارسة أو «النكدة» كصفة شخصية على العبارة الحرفية السائدة «قاتلة البهجة». فـ«النكد»، كما في العبارة الانجليزية، أقرب إلى المحكية في قدرتها على اختزان السرديات السائدة التي لطالما نسبت النكد، كما «النقّ» و«الزنّ»، إلى المرأة (مثلاً: ابحثنَ عن «نكد» + «امرأة» على غوغل). أسوةً بالمصطلحات العنصرية والطبقية الأخرى التي طوّعها أصحابها لتصبح أداةً في أيديهم لفضح التمييز، تستملك سارة أحمد كلمة «النكد» التي سُلّطت تاريخياً على المرأة، وتجعلها ملازمة لـ«النسوية» لتقول لنا كيف يمكن أن يتحوّل القمع، كما اللغة والعرف، أداةً في يد نسويّةٍ طقّت طقّاً.

تطقّ وتقطع. ولكن طقّة النكدة النسوية ليست قفزة نحو الرفض العدمي الذي لا يؤدي إلى أي نتيجة، بل نذيرَ تَحوّلٍ تقوم به النسوية الطاقّة من أجل تصحيح خطأ تاريخي ما. بهذا المعنى، الطقّة هي ما يُنذر من دون أن يقول، أو يفضح من دون أن يستند إلى يقين، أو كما تصفها سارة أحمد، الطقّة هي «تفاؤل لا مستقبل له». هكذا تكون سارة أحمد قد استعارت عبارة لورين برلنت عن «التفاؤل القاسي» وعدّلتها في النظرية والتطبيق معاً، لتجعل منها أساساً للممارسة النسوية. تبدأ الفكرة عند لورين، ترحل عند سارة، فتضيف إليها معاني في الممارسة النسوية، لتعود الفكرة إلى صاحبتها الأولى على شكل حوار وتلاقٍ.

تصوغ سارة أحمد في جملها ما يوحي بالتلاقي مع برلنت، بانسيابية مفاهيمهما، بتقاطعهما، بالمنابر التي جمعت بينهما، كما بتأصيل سارة أحمد لمفهوم الطقّة النسوية. يتجلّى التلاقي بين المفكرتين بشاعرية في الترجمة العربية للنص، حيث تلتحم الذوات المؤنثة: تتداخل تاء المتكلمة (قلتُ) مع تاء المخاطبة (قلتِ)، فيصعب تعقّب الأولى وسبر أثرها على الثانية، فلا نعرف من قالت ماذا ومن أعطت من. ولكن حتى محاولة التعقّب تبدو عقيمة، لأن الكتابة، كما بتنا نعرف، عاشتها المفكّرتان كممارسة مشتركة في التفكير والحوار، ولكن أيضاً في لحظات متقطّعة بين الهجران والمساكنة الفكرية. فبالرغم من اعترافها بدينها الفكري لبرلنت، تعود سارة أحمد وتروي أن مسيرتَي المفكّرتين، بل مسيرتهما المشتركة، لم تَخلُ من التوتّر الذي بدا وكأنه شرط لاستمرار تلك المسيرة عبر السنوات.

ترثي سارة أحمد برلنت في نص متقطّع، متردِّد، حادّ، تتعقّب فيه رحلة برلنت الفكرية وتشير إلى نقاط الافتراق بين المفكّرتين. تلمّح سارة أحمد إلى رغبة شعرت بها ذات مرة تجاه برلنت التي دعتها إلى عوالم فكرية جديدة، وتعبّر عن إعجابها بتلك التي أعطتها لغةً، فأخذتها، صقلتها، بنت منها وعليها وجرت فيها بعيداً: نشرت كتباً عناوينها تحاكي كتب برلنت، نشرت لها، حاولت أن تنشر معها، دعتها كي تحاضر في جامعتها وعادت وحاضرت عندها. طبخت لبرلنت ورافقتها في لحظات حميمة، ولكنها ما لبثت أن غابت عنها وبينهما رسائل عتاب ودعوات مؤجلة للحوار. هي مدينة لبرلنت، نعم، دون أن تكون مستعدّة لتمحو ذاتها، بمعنى أنها تحصي ما أخذته من برلنت من دون أن تسلّم لها بكل شيء.

بعد سنوات متقطعة من الغياب والصمت، تعود سارة أحمد وفي جعبتها لغة قديمة-جديدة، تقول فيها لبرلنت إنها «فهمت». فهمت قصورها، قصورها تحديداً في التعبير عن ذاك الدَّين، عن امتنانها المتأخر ولكن أيضاً المتردّد لدائنتها، عن ندمها ويقينها من أنها، وإن تجنّبت أن تحاورها في الماضي، فإنها لا تستطيع أن تنفي حتمية الحوار بعد الآن. ستبقى نداً لدائنتها، بمعنى الخصومة والمساواة معاً.

في ترجمتها العربية، تُحيلنا مرثية سارة أحمد، مرة أخرى، إلى عمق تجربة المفكّرتين. في معرض كلام سارة أحمد عن عشاء جمعها بلورين برلنت ورفيقتيهما، تستخدم our partners، أي المصطلح الحيادي البديل للمصطلحات التي تدلّ على الجندر (زوج، زوجة) أو الحالة الاجتماعية (صديقة، خطيبة، زوجة). في صيغة النص العربية، حتى ولو نجح مصطلح «شراكة» في تجنّب الإشارة إلى الحالة الاجتماعية للأفراد، فلا بدّ من تصريفه، فيعيد جندرة الكلمة لتصبح، إذن، «شريكتانا». في النص أيضاً، تتوجّه سارة أحمد للورين برلنت بالإنجليزية بصيغة المخاطب (you) المحايدة جندرياً، أي الخالية من الدلالة على جنس المخاطب. ولكن نقلها إلى «أنتِ» في العربية لا بدّ أن يخرجها من نطاق الحيادية ويعيدها إلى نطاق المؤنث. قد يبدو استخدام «أنتِ» بديهياً في سياق حوار بين نسويّتين، ولكنّ لورين برلنت، في أيامها الأخيرة، دعت إلى تغيير الضمير المؤنث الذي يشير إليها (she/her) إلى (they/them) أسوةً بكثير من النسويات والناشطين والناشطات غير المعياريين جنسياً.

سيتوجّب علينا إذن في الترجمة العربية، ما هو أصعب من الإنجليزية، أي تصريف الجملة العربية كاملة بالجمع: «لورين برلنت كتبوا...». ولكن حتى لو التزمنا بهذه الصيغة المستحيلة في العربية، فإننا لا بدّ أن نعود لنُجندر اللغة، لأنّ الجمع بالعربية ليس حيادياً، بل يحيلنا دائماً إلى المذكر بناء على قدرة الأخير على اختزال جمع المؤنث. يعني ذلك أننا، لو حاولنا الفرار من الصبغة الجندرية للضمائر بالإشارة إلى أولئك الذين واللواتي تخلّوا، كما فعلت برلنت، عن هويتهم الجندرية بصيغة الجمع، فإننا سنعود إلى المذكّر. تبقى صيغة «لورين برلنت كتبت»، رغم قصورها، إذاً، أكثر قرباً من خيارات تلك المفكّرة النسوية. 

تطرح علينا برلنت في الترجمة العربية لمرثية سارة أحمد سؤالاً عن مدى اتساع الجملة العربية للتشعّبات الهوياتية: هل تأنيث اللغة العربية يوازي الحيادية الجندرية في اللغة الانجليزية بما هو تجنّب لجندرة اللغة؟ إن كان كذلك، ألا يعني أن تأنيث العربية هي الممارسة الأكثر راديكالية في القول اللغوي والهوياتي اليوم؟ حتى بعد مماتها، تستعير لورين برلنت لسان سارة أحمد كي تزعزع وتنسف الاعتيادي في اللغة التي اعتدنا أن نُمعن فيها من دون أن نراها. 

* * * * *

في تجسيد سارة أحمد للتشعّب الفكري واللغوي والتردّد العاطفي الذي رافق علاقتها بلورين برلنت، يتكشّف أمامنا شكل رثائي مغاير. تضع سارة أحمد لنا منهجية لرثاء نسوي يخرج عن المنطق الأبوي الذي ينظّم عملية الانتقال الفكري. تُسائل سارة أحمد السائد في مراثي المفكّرين التي ترتكز إلى ثنائيات تُبدّي الفكر على العاطفة، تقّلص المساحات الحميمية وتركّز على العام، فتحوّل المفاهيم والتجارب الشعورية إلى جماد ينفي الحيرة والتأمّل الذاتي، مراثٍ تصرّ على ثبات النص والكلمة والوصية. 

اللافت، كما سنرى في الترجمة العربية للنص، هو تشعّب مرثية سارة أحمد وتعدّد كلماتها وغياب أي أثر للوصية فيها. فعلاقة الفاقدة بالفقيدة غير محكومة هنا بمنطق التوارث الفكري عبر الأجيال بما هو رؤيا، كلمة، وصية، تركة جامدة تنتقل عمودياً من أب مؤسس غائب إلى وريث حيّ يبني عليها ويدفعها قدماً (فهل ترث النساء أصلاً؟). 

على العكس، يقوم الإرث الفكري في خطاب سارة أحمد على التلاقح والتواصل الأفقي، على المدّ والجزر العاطفي والفكري، على الاعتراف بالدَين الفكري والتفاوض على حدوده، على التشديد على أهمية البحث عن الحميمي في السياسة وضرورة تسييس ما اعتدنا على حميميته في العلاقات الشخصية. لا وصية، إذن، بل دعوة إلى الحوار فحسب.

ما يلفت أيضاً في النوع الرثائي الذي تقدّمه سارة أحمد هو قدرتها على تفصيل المستويات النظرية في حياة برلنت الفكرية، وتأمّل تفاصيلها من خلال الأداء الرثائي. فلا تشرح مفاهيم مؤسِّسة في مسيرة برلنت  فحسب (الحياة العامة للشعور، التفاؤل القاسي، الموت البطيء، إلخ. )، بل تؤدّيها رثائياً، أي تمثّل تعقيداتها لغوياً، وتُظهر من خلال أداء تلك التخبّطات كيف يمكن للرثاء أن يكون حميمياً، وكيف تصبح حميميته نفسها أداةً للكشف عن احتمالات اللقاء الفكري والعاطفي، ولكن أيضاً عن حدود هذا اللقاء. تتوقّف سارة أحمد عند ذلك الحوار الذي  لم يحدث بين المفكّرتين، كي تقول إنه حدث حقاً من خلال التلاقح الفكري بينهما، وإنه يحدث الآن بفعل هذه الرسالة. 

تسأل سارة أحمد ماذا لو كانت مَن فقدتِها هي أفضلَ من تشرح لكِ ذاك الفقدان. ما بدا لنا سؤالاً تعجيزياً صار منهجيةً للتعبير الحميمي عن الفقدان. فالرثاء الحميمي، كما يتجلّى في نص سارة أحمد، تحكمه ذاكرة مثقوبة، متقطّعة، نزقة، رثاء يلمّح من دون أن يكشف، يُفصح من دون أن يعترف. مع غياب برلنت، تفقد سارة أحمد معجم التعبير عن الفقدان، نعم، ولكنها تعرف أين تجده: في الحميمية التي عرفتاها، في تقاطع الخاص والمشاع، في نصوص برلنت، بين جملها هي، في كلام برلنت، وصمتها هي، وفي فكرهما المشترك ومسيرته الحميمية المتعثّرة. هو رثاء لا يخجل من حميميّته، بل يجاهر بها، فيضعها في صلب القول الرثائي، ويفهم السياسة تحديداً كمسرح للحميمية وقصورها، كأنّه يقدّم لغةً ومعجماً لرثاء المفكِّرات.

في حوار: رسالة إلى لورين

سارة أحمد

العزيزة لورين،

عرفتُ أننا سنفقدك. أخبرتِنا ذلك بكلمات أو بأخرى. كم أنت بارعة في الكلمات، حتى أنه من الصعب ألا يلهيني جمالها عن قسوة ما كنتِ تقولينه لنا. عندما سمعت أنكِ متِّ، لم أشعر إلّا بالضياع.

ماذا لو كانت مَن فقدتِها هي أفضلَ مَن تشرح لكِ ذاك الفقدان؟ 

عندما نفقد شخصاً ما، نفقد الكلمات التي كان يمكن أن نتشاركها في ذلك المستقبل الذي لن يراه. لا كلمات كي أصف شعوري وأنا ألفظ هذه الكلمات: ماتت لورين برلنت. أنّكِ متِّ. لا كلمات، لكن بلى، فالكلمات الغائبة هي كلماتٌ تتطلّع لشيء ما، تصلنا بأحدٍ ما. ما زلتُ غير قادرةٍ على التصديق. لو أن التصديق يتمهّل قليلاً، خُذْ وقتَك لتصل، خُذْ وقتَك. كان حضوركِ مرشداً لي، كمَعلمٍ، كتلك الشجرة المميّزة في قوامها، أو ذاك البرج الذي ترينه وأنت قريبة منه أو بعيدة عنه، فيتيح لك أن تعرفي وجهتك، يدلّك على الطريق. أشعر بأنّي بلا وجهة، بلا بوصلة، من دون وجودك هنا. لستُ أعرف طريقي.

نتخبّط. علّمتِني أن أنتبه لما نفعله عندما نتخبّط. لا تزال كلماتك ترشدني. أنا ممتنّة لها كلّها. يكفي أن أقرأ عدداً قليلاً منها حتى أعرف أنها كانت كلماتكِ. لديك أسلوب لا يشبه أسلوب أحد آخر، جمل حادّة ذات خليط عجيب، حادّة ومبهمة، تأتيكِ وتفلت منك في آنٍ معاً. بارعة أنت في التقاط التفاصيل، تدوزنين الجمل وسط الضوضاء والتشويش والفوضى كي تسمعي فرادة نوتة، حادّةٍ، واضحة حتى الموت. وجدتِ في مادة الحياة اليومية أدوات عدّة للتفكير، تقلبين الأشياء على رأسها، تنظرين إليها من نواحٍ مختلفة، كي تُضيء أو تلمع، أو تنظرين إلينا من نواحٍ مختلفة، كي نُضيء أو نلمع. لا أعرف أحداً ولم أقرأ لأحد بهذه القدرة على شرح صعوبة تَخلّينا عن الروابط العاطفية،1 حتى لو كنّا نحن من يمتلك الأدلّة على خلل تلك الروابط ونحن واعيات في الآن نفسه لإمكانية إعادة ترتيب الأشياء، لجعل الزلة بدايةً لقصة أخرى، في الوقت الذي نتخبّط فيه، ونواجه ما لا يرقى، بل لن يرقى إلى أن يصبح حدثاً.2

كذلك لم أقرأ لأحد على هذا القدر من الاهتمام بالآخرين، من الفضول لمعرفة تاريخهم، عمّا أتى بهم إلى أبحاثهم، عمّا أتوا به إلى أبحاثهم، أو لأحد بهذا القدر من الولاء لمهمة التفكير، لمواصلة التفكير بالعوالم والمشاعر والأفكار والروابط التي تجمعنا، حتّى أن ما قد يبدو للوهلة الأولى جامداً، كالأعراف مثلاً، بات أكثر ليونةً، أكثر اتّساعاً، أكثر خفّة. أحياناً، كَوْني خجولة - إلا حين أكون في سياق رسمي أعرف قوانينه - وكوني إنسانة تضع حدوداً صارمة للآخرين، أكثر ممّا يجب - لكننا نحاول، نحاول أن نعيش بأفضل طريقة ممكنة - كانت تربكني حدّة انتباهك، فيُقلقني ما قد ترينه أو لا ترينه فيّ. كنتُ في الوقت ذاته ممنونةً لهذا الانتباه وللوقت الذي أعطيتِني. الامتنان يحاكي الحِداد، الشعور بأن ما تقدّمه إحداهنّ لنا، ينذر بما قد نفقده؛ احتمال الفقدان، حتمية الفقدان. سألتِ: «أنا منظّرة الحب. كيف حصل لي ذلك؟».3 أظنّني أعرف كيف حصل ذلك: منظّرة الحب، منظّرة مُحبّة، منظّرة للحب والفقدان والعلاقات التي تنتهي، كما ننتهي نحن، حيث لا ندري.

حيث لا ندري. في المرة الأولى التي التقيتُ بكِ، رأيتُ اسمكِ، قرأتُ كلماتٍ كتبتِها - نعم، قد يكون ذلك كافياً للقاء أحد ما - كان على قصاصة ورقة وَضَعَتها في بريدي زميلةٌ ستصبح لاحقاً رفيقة دربي (كنتِ شاهدة على القصة!)، سارة فرانكلين. كم أحبّ ذلك: أني قرأت اسمكِ للمرة الأولى، قرأتُ كلماتكِ، بفضل قصاصة وضعتْها في بريدي صديقة لكِ. يمكن أن تكون للعلاقات أولوية؛ يمكنها أن تكون الطريقة التي نعثر فيها على كلمات بعضنا بعضاً. كانت سارة قد نسخت دعوةً لتقديم أبحاث للعدد الخاص عن الحميمية ووزّعَتها على جميع الأساتذة. كتبتُ لك إيميلاً. اقترحتُ أن أكتب بحثاً عن الحميمية والسيرة الذاتية. حينها، كنت أكتب فصلاً من كتابي لقاءات غريبة الذي قرّبني من مفهوم الحميمية، وإن لم يكن عنه. كنتُ محاضِرة مبتدئة آنذاك، حاصلة على الدكتوراه للتو، ولم يكن كتابي الأول القائم على الأطروحة قد صدر بعد،4 مما يعني أنني كنت لا أزال أحاول أن أطوّع نفسي لأي منصب، لأي فرصة. كنت آمل أن يكون القرب كافياً. شرحتِ لي كيف أنّ اقتراحي لم يكن ما أردتِه للمشروع. لم أعد أذكر الكلمات التي استخدمتِها، ولكنها أوحت بما معناه أنّ مقاربة الحميمية من السيرة الذاتية أمر بديهي. كان في محادثاتنا الأولى قليلٌ من التوتر- وهنا السخرية - لأني شرحت لك كيف يمكن للسيرة الذاتية أن تقدّم لنا وجهة نظر غير متوقّعة عن الحميمية، تحديداً لأننا نتوقّع أن نعثر فيها على الحميمية. لم أكن أعرف حينها كيف أن الالتفات إلى البديهي (أو الالتفات إلى ما نفترضه عن مكمن الأشياء والناس) سيصبحُ لاحقاً محور عملي وطريقتي في تعقّب الأفكار. 

أظنّ أنّ السنوات اللاحقة شابها توتّر بيننا. هناك أثر له في بعض كتاباتنا. صوّرَتني مقدّمة التفاؤل القاسي، مثلاً، بأني مهتمة بالشعور لا الانفعال. رغم أني كنت قد انتقدتُ فعل التفريق بين الشعور والانفعال، إلا أن غالبيّة أعمالي كانت عن الوعود، والأهواء، والمواضيع اللزجة، واقتصاديات الانفعال، وعن كيف تتغلغل السرديات التاريخية فينا، ممّا جعل أعمالي تتحرّك في مجالِ ما يُسمّى أحياناً «نظريات الانفعال». أشرتُ إلى حجّتكِ في مقدّمتي للطبعة الثانية من السياسات الثقافية للشعور كمثال على كيف أُعطي الانفعال والشعور مسارات (وحتى مواضيع) منفصلة. لم نتناقش في تلك النقطة قط، وكم أتمنّى لو قمنا بذلك. بعد فترة طويلة، عندما كنت تكتبين مقالة «الجنس وحدث السعادة» التي أظنّها ستصدر في كتابك الجديد (كم يسعدني أن أقول، «كتاب لورين برلنت الجديد»!)، سألتِني إن كنا نستطيع أن نفكّر معاً، لأن «كتاباتك بتخضّني (بالمعنى المنيح)»، في إشارة، على ما أفترض، إلى وعد السعادة. لم أكن على السمع عندما أرسلتِ لي هذه الرسالة القصيرة، ولم نتمكّن من التفكير معاً. لن نتمكّن من التفكير معاً.

بالرغم من تلك التخبّطات والتوترات، تَشاركنا الكثير في أعمالنا. لعلّ «بالرغم» هذه، ليست في مكانها. قد تكون التخبّطات والتوترات الطريقة التي نسكن فيها العلاقة. أن نسكن علاقة، كما كنت تكرّرين، هو الفرح (والعناء أيضاً)، أن تكوني مع شخص لستِ هي.

ولكن التفكير في التوتر دفعني إلى حرق المراحل. دعيني أعُد إلى الوراء.

تواصلُنا الأوّل، إن لم تخُنّي الذاكرة، كان سنة 1996. دعوناك بعد ذلك لتفتتحي مؤتمر «تحولات: التفكير عن طريق النسوية» في تمّوز 1997. كان ذلك أول المؤتمرات العالمية  لمركز دراسات المرأة في جامعة لانكستر؛ كان حدثاً مهماً جداً في حياة المركز. تحدّثتِ في جلسة الانعقاد الأولى، وفي المرة الأولى التي رأيتك فيها، كنتِ قد اعتليتِ منصّةً. كنتِ ترتدين تنورة جلد قصيرة، على ما أذكر، ولا أذكر إلا أنّي قلت، واو، كم أنتِ أنيقة وجذّابة. بالحقيقة، شعرت بالهيبة كثيراً عندما تحدّثنا وجهاً لوجه للمرة الأولى، وذكرتِ شيئاً عن ذلك -لا أذكر الكلمات- عن أن التوتّر الذي شاب تواصلنا الأول، جعلكِ تظنّين أنني أكثر شراسة من الانطباع الذي كنت أعطيه (شخصيتي النكدة النسوية غاضبةٌ فعلاً، وشرسة أيضاً، لكنّها لا تظهر إلا في بعض المناسبات). علمتُ لاحقاً، أنك فهمتِ ذلك، فهمتِه، فهمتِني، فهمتِ كيف يمكنني أن أزاول مهمّة النكدة النسوية لا بالرغم من خجلي، من قلقي، من حساسيتي، بل بسبب ذلك كله؛ العتاد الذي نحمله، له قصة أيضاً، هي قصتنا. يصبح للقساوة معنىً عند اللواتي يدركن هشاشتهن.­ 

سأعرف لاحقاً كم كنتِ قارئة جيدة، ليس فقط للنصوص، بل للناس أيضاً.

وحبستِ أنفاس الحضور في محاضرة عن: ذوات الشعور الحق: الوجع، والخصوصية، والسياسة، التي ما زلتُ أتعلّم منها الكثير. كانت المرّة الأولى التي أسمعَك تحاضرين فيها. بعدها، سمعتك مراراً. أحببت كيف وقفتِ («وضعية الشجرة»، كما يدعوها البعض)، كيف ضحكتِ، كيف ملأتِ المكان، وفي الوقت ذاته، جعلتِه مكاناً للآخرين. لا تزال الأسئلة التي طرحتِها في تلك المحاضرة، والتي نشرناها فصلاً في كتابنا، في غاية الأهمية: «ما مصير الأسئلة المتعلّقة بإدارة الاختلاف والغيرية والموارد في الحياة الجماعية، حين يصبح الشعور بعدم الارتياح دليلاً على الشروط البنيوية للظلم؟ ماذا يحصل لنظرية التغيير الاجتماعي وتطبيقها، حين يصبح الشعور بالرضا دليلاً على انتصار الحق؟» بعدها، عدتِ إلى لانكستر لمؤتمر عن «ثقافات الشهادة والأجندات النسوية» سنة 1999 نظّمتُه أنا وجاكي ستايسي، حيث قدّمتِ محاضرة رائعة أخرى: «التروما والركاكة»، نشرناها في مجلّة كلتشورال فاليوز. هناك جملة تحضرني: «الشهادات التي تختزن التاريخ تشبه الاستعارات الميتة، تتحدّى قرّاءها كي يُحيوها». ساعدتِني في مساءلة كيف تتحوّل التروما فرصةً لتلبية آمال أولئك الممحوّين، المُخضَعين، لكن أيضاً كيف نتخيّل من خلال هذا السؤال طريقةً أخرى لاستيعاب تروما الآخر، من أجل نفخ الحياة في استعارة ميتة. 

جاءت الألفية الجديدة ومعها مشاريع أخرى لدعوتك مجدداً إلى لانكستر. أخذتْ سارة فرانكلين المبادرة لاقتراح منصب أستاذة زائرة برعاية ليفيرهوم. وبعدها في صيف 2001 و2002، عدتِ فترات طويلة، شاركتِ فيها في عدد من الفعاليات الرسميّة وغير الرسميّة والتي يجمعها عنوان عريض: «المشاعر في العام». بين 1997 و2002، إذن، كنتِ حاضرة جداً، في مرحلة كنت أعمل فيها على السياسات الثقافية للشعور، وقرّرتُ الكتابة عن السعادة — قرار أعرف أني استلهمتُه من نقاشاتنا كما من تجربتي في أبحاثي الميدانية حول التعددية والعنصرية. الكتابة عن السعادة أوصلتني إلى مفهوم النكدة النسوية، إلى العمل على تغيير عملي كي يصبح أقلّ ارتباطاً بالجامعة، أكثر تحرّراً من الآليات التي تحكم عملنا في الجامعة. وهكذا صرت أكتب عنها، عن الجامعة، وعن المؤسسات وتاريخها المتشعّب.

بالعودة إلى تلك اللحظة، إلى صدفة وجودك آنذاك، يمكنني أن أرى كم أصبحت أعمالي عن الشعور والانفعال ممكنة بفضل حواري معك والأثر الذي تركتِه علينا جميعاً، نحن الباحثات في الدراسات الجندرية والدراسات الثقافية في بريطانيا. في الكلمة الختامية في السياسات الثقافية للشعور، كتبتُ، «أنا مدينة للورين برلنت وأسئلتها حول متى تصبح الأعراف أشكالاً، تلك الأسئلة التي كانت مصدر إلهام في أعمالي».

الإلهام. قد لا ينحصر الإلهام في الدعم المعنوي أو التشجيع، ولكن أيضاً في جعل الآخر يتنفّس، في إعطاء نَفَس. الحياة التي نفختِها في أعمالي تدفّقت في كل أعمالي. في فينومينولوجيا الكوير، اقتبستُ مقالتك «الجنس في الحيز العام»، التي شاركتِ في كتابتها، والتي تتضمّن وصفاً رائعاً للعوالم الكويرية: «العالم الكويري هو مساحة للمداخل، للمخارج، خطوط غير منسّقة للإدراك، خطوط تتخيّل آفاقاً ممكنة، تجسّد الأمثلة، طرقاً بديلة، انسدادات، جغرافيا غير متساوية» (2005: 198). في وعد السعادة، استعرتُ عبارتكِ التي أبهجتني حدّتها، «فانتازيا السعادة المشوشة» وأيضاً قولك إن المواضيع «خصل من الوعود». في ذوات معاندة، استعدت مقالتك موت بطيء، للتعمّق في مفهوم الطقّة، فقلت إن الطقّة تبدو لنا  مباغتة لأنه «لا يمكننا رؤية الأيام البطيئة التي أُجبرنا فيها على التحمّل والتأقلم»، وارتكزت أيضاً إلى وصفك لمعضلة كيف تصبح الإرادة هي المشكلة. كما كتبتِ في ملكة أميركا تذهب إلى مدينة واشنطن الذي ما زال كتابك المفضّل عندي: «في الحياة الرغيدة التي تتخيّلها الدولة المتقلِّصة، لا يُعَدّ اشتراط الرأسمالية وجود مجموعات من العمّال تحت الطلب من ذوي الأجر المنخفض أو آخرين يعملون بالمؤقت، مشكلةً بنيويّة، بل مشكلة إرادة وابتكار» (2004: 4). عدتُ مراراً إلى أعمالك في عيش حياة نسوية، وفكّرتُ مع مفهومك عن «التفاؤل القاسي»، متسائلةً عمّن يقدر على الجزم إن كانت خياراتنا في الحياة صالحةً أم لا، وفكّرتُ أيضاً مع شرحك لمفهوم «الوضع»: «عندما يتكشّف في الممارسات الاعتيادية للحياة شيء قد يصبح له معنى».5 

نعم، تعلّمينني كيف أصف ما يجري، ممارسات الحياة الاعتيادية، كيف ألاحظ ما يمكنه أن يكون مهمّاً وهو يتكشّف أمامي، أن ألاحظ ما يتكشّف أمامي كوسيلة للإمساك بشيء ما، بخفّة.

ما نصنعه هشٌٌ لأننا بحاجة إليه كي ننجو.

لقد التقينا عبر السنين. جئتِ إلى لندن. أذكر أني طبخت لك ولشريكتينا أنواعاً من كاري الخضار. بعدها جئتُ إلى شيكاغو مرات عدة، مرة لأعطي محاضرة في برنامجك، وأخرى لأحاضر في جامعة أخرى. أظنّ المرّة الأولى كانت سنة 2013. كم كنتِ مضيفة كريمة. المرة الثانية كانت عام  2015 — المرة الأخيرة التي التقينا فيها وجهاً لوجه. التقينا عند كوافيرك وقضينا بعض الوقت معاً. كنتُ مشغولة وقتها في دعم طالبات تقدّمن بشكوى جماعية ضدّ التحرّش الجنسي، ممّا أدّى إلى تركي ليس فقط لمنصبي، ولكن لمهنتنا أيضاً — أخبرتك عن ذلك. حاولتْ كلٌّ منا في أعمالها وأسلوبها التفكير في أذى المؤسسات وعنفها، وفي كيفية التعامل معها في الممارسة. يمكن للممارسة أن تحوّل الأفكار إلى عناية بالآخرين. عندما تركتُ منصبي، تركتُ فيسبوك أيضاً، حيث اعتدنا على التواصل. كانت هناك مرحلة، سنتان تقريباً، لم نتواصل فيها. أندم على ذلك. عندما عدنا، قلتِ إنّكِ تأملين أن أكون قد بدأت أشعر بالحرية أكثر. قلتُ إنني في طريقي إليها. فمن الصعب أن تضعي المؤسسة وراءك؛ لا بدّ أن تعثر عليك. ولكن أجبتك أنّ البحث في مفهوم الشكوى ساعدني كثيراً.

على سيرة الشكوى. لطالما توقّعت من عملي حول مفهوم الشكوى أن يحاور بشكل مباشر الشكوى النسائية، الكتاب الثاني في ثلاثيّتك المدهشة. تعلّمت الكثير من ذلك الكتاب عن الشكوى كمفهوم مطّاط. ولكنني لم أحاورك. ذلك أنّ كتابي شكوى! أخذ صوت اللواتي قابلتهنّ، صوت تحالف أولئك الشاكيات. أصبحنَ هنّ مُنظّراتي. فلم أفعل ما أفعله عادة، أي ملاحقة الشكوى، ملاحقة الكلمة، وهي ملاحقات كانت ستقودني إلى كتابك، إلى التفاعل معه بشكل جدّي.6

أرسلتُ لك إيميلاً بهذا الخصوص. أردتُ أن تعرفي أنني أضعتُ فرصة أن نلتقي؛ الحوار الذي كنا نحن الاثنتين، على ما أظنّ، ننتظره. فهمتِ ما كنتُ أقوله لك. كتبتِ، «كأنك عم تقوليلي إنك ما كتير بتفكري مع الشكوى النسائية. هيدي خسارة إلي، لأن طول عمرنا  كنا نتحاور. وقت يطلع الكتاب، لازم ننظم ندوة نتحاور فيها، متل ما تعوّدنا نعمل. عبالك؟ فيني نظّم القصّة بكل سهولة». حزنتُ لعبارة «خسارة إلي» ولكني فهمتُها. قلتُ، نعم، نعم لذلك الحوار. بعدها مرضتِ أكثر، فأكثر. بقيتِ ترسلين «رسائل لورينية» (الرسائل اللورينية لم تكن مجرّد رسائل أرسلتها لورين، بل رسائل شديدة التعبير عن لورين). كانت رسالتك الأخيرة في 11 حزيران، الشهر الذي رحلتِ فيه. قلتِ إنك تكتبين لي من «جحيم الوجع». قلتِ إنك قد رأيتِ كتابي، شكوى! في كتالوج منشورات جامعة ديوك، وقمتِ بقفشة لورينية عن كيف وضعتْ دار النشر صورتي على الغلاف (وكيف لم تفعل ذلك معكِ). بعدها قلتِ: «متحمّسة على نسختي. من هلّق لوقتها، شكراً لأنك فكرتِ معي مثل ما بفكّر معك. كتير بقدّر هيدا الشي».

كتير بقدّر هيدا الشي. أظنّك كنت تقولين لي إنّ هناك طرقاً عديدة كي نكون في حوار، وإنّ الحوار لم يفُتنا بعد. قد يكون الحوار هو بالذات ما نحن فيه: مساحةً، دائرةً، حميميةً ما.

«لم أكن أعرف أنّ الأمور ستنتهي إلى ذلك» (ما كتب على القبر السرّي للحميمية، بكلمات لورين).

قد نكون في حوار من دون أن نقيم حواراً.

نحن في حوار. هذا ما انتهت إليه الأمور. 

أجبتك بإيميل وقلتُ إنني سأرسل لك أولى نسخي، نسخ المؤلّفة، وعليها إهداء. ما زلت أنوي أن أرسلها لك، بطبيعة الحال.

تقول إحدى ملاحظاتي الختامية للكتاب: «تشديدي على الطبيعة الانفعالية للشكوى يحاكي مفهوم لورين برلنت عن الشكوى النسائية. تصف برلنت الشكوى "كطريقة لأرشفة التجربة، تحويل التجربة لبرهان، والبرهان لحجّة، والحجة لعرف، والعرف لكليشيه، كليشيهات على قدر من القوة يمكّنها من الإمساك بإحداهنّ طوال حياتها" (227). تركيزي هو على الشكوى النسوية أكثر مما هو على الشكوى النسائية. يمكن للشكوى النسوية أيضاَ "أن تمسك بإحداهنّ طوال حياتها"، ولو بطريقة يقلّ فيها العرف والكليشيه. مع جزيل الشكر للورين برلنت على أعمالها الملهمة». عندما كتبتُ ذلك لم أكن أعرف أنك كنتِ قد بدأتِ تستخدمين ضميراً آخر. في حال صدور الطبعة الثانية، سأطلب تحويل «هي»  إلى «هم»، احتراماً لخياراتك ولأعمالك.

أعرف أننا في حوار. أعرف أنك كنتِ تكتبين بشراسة من «جحيم الوجع»، ومن خلاله، بإخلاص لورينيّ، وأعرف أنّ مزيداً من الكتب سيصدر بفضل ذلك. ولكن ليتني أستطيع أن أحاورك أكثر، وجهاً لوجه، كي أسمع ضحكتك، وقع صوتك، كي أشعر بوجودك معي.

أكتب هذه الرسالة لكِ. أدرك أهمية أن نقول لبعضنا بعضاً ماذا تعني واحدتنا للأخرى. لا يمكننا أن نفعل ذلك دائماً. ندرك أحياناً أهمية الشيء عندما لا يعود ممكناً. أشارك هذه الرسالة على مدونتي، يا لورين، لأنك علّمتني بأنك إذا ما كتبتِ عن طريق الشعور، معه، فعليكِ أن تشاركيه. نخلق جماعة، مفجوعة، نعم، ولكنها أفضل مما كانت عليه، أكثر حدّةً، أكثر بهاءً حتى، لأننا عرفنا بعضنا بعضاً، عثرنا على بعضنا بعضاً، في الكلمات، في الأشخاص، في الخسارات والانكسارات الكويرية، الحيوات الكويرية، فخلقنا هيئات جديدة؛ تضيء، تلمع.  

كتبتُ لك مرّة أخيرة بعد موتك.

«ما عم صدّق إنك بطلّتِ هون. رجعت على فيسبوك لأنه المحل يلي بذكر كنا نحكي فيه، بس لأسمعك. فيني دايماً إسمعك بكتاباتك، ما حدا عنده صوتك. رح إشتقلك كتير، بس رح ضلّ إتعلّم منك، لورين. بوعدك xxx.»

أعدِك يا لورين. أعدكِ أن أظلّ أتعلّم منك. أن أفكّر معكِ، أن أبقى على تواصل، أن أكون في حوار. 

محبتي الدائمة،

سارة xxx

  • 1. تشير سارة أحمد هنا إلى العلاقة بين «التفاؤل القاسي» كما عرّفت عنه برلنت في كتابها التفاؤل القاسي، أي التعلّق العاطفي بما يعيق السعادة، ومفهوم سارة أحمد عن الطقّة النسوية التي تأتي كرد فعل على شرط التعلق العاطفي وممارسة للقطيعة معه.
  • 2. في فكر برلنت، الحدث هو الاعتيادي الذي يصبح له معنى. تقول في التفاؤل القاسي: «الوضع هو عندما يتكشّف في الممارسات الاعتيادية للحياة شيء قد يصبح له معنى. هي حالة من الإرجاء الحي والمُحيي الذي يفرض نفسه على الوعي، والذي يؤدي إلى شعور بأن ما يظهر اليوم قد يصير حدثاً في ما بعد».
  • 3. في نص نشرته على مدوّنتها تقول برلنت: «أنا منظرة الحبّ. أحياناً أشعر بأني معزولة عن كل من أحبّ. أحياناً أطلب منهم أن يتمسّكوا بصورة عني، حتى أنا لا أقوى على مسكها. أعني بـ "أحياناً"، دائماً. الصورة هي الشكل الناكص، وليس الضجيج السردي الذي يأتي لاحقاً ليضمّد الفانتازيا وتمثّلاتها في الأشياء، كي أعرف أنّي حدثٌ يعيش في هذا العالم .(...) أنا منظّرة الحب، ولكن كيف حصل ذلك؟ كنت أمارس نقد الأيديولوجيا فوقعت في البئر، في كأس ماء». انظروا أيضاً إلى كتاب برلنت الحب/الرغبة (2012).
  • 4. نشرت سارة أحمد أطروحتها عن النسوية ونظريات ما بعد الحداثة في كتاب الاختلافات التي تعني شيئاً: النظرية النسوية وما بعد الحداثة (2009).
  • 5. انظروا إلى الملاحظة 4.
  • 6. سارة أحمد نشرت مقدمة شكوى! على مدونتها ريثما يصدر الكتاب في الأسابيع القليلة المقبلة.