معركة الباغوز لم تنته بعد

 

توقفت المعارك قرب بلدة الباغوز أمس الثلاثاء مجدداً، وذلك لإعطاء فرصة لخروج ما تبقى من مدنيين عالقين في المنطقة الأخيرة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة على الضفة الشمالية لنهر الفرات في أقصى الشرق السوري. وكانت حدة المعركة التي يخوضها مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي ضد التنظيم في تلك المنطقة قد تصاعدت خلال الأسبوعين الماضيين، إلا أن وجود مدنيين واحتمال وجود أسرى لدى التنظيم، بالإضافة إلى استماتة جزء من عناصره في القتال، أدى إلى توقف العمليات بشكل مؤقت عدة مرات.

وقال مصطفى بالي مدير المكتب الإعلامي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في تصريح لوكالة رويترز «إن مئات الجهاديين استسلموا بعد أن فتحت قوات سوريا الديمقراطية ممراً لفرار نحو 6500 شخص من القرية منذ يوم الإثنين» مشيراً إلى أن عناصر من التنظيم كانوا ضمن هؤلاء الأشخاص. فيما أكد المتحدث باسم التحالف شون راين لوكالة فرانس برس الثلاثاء أن «معركة دحر ما تبقى من داعش في الباغوز متواصلة مع هجوم قوات سوريا الديموقراطية وضربات التحالف».

وكان عناصر تنظيم داعش قد استخدموا السيارات المفخخة خلال المعارك بشكل مكثف خلال الأيام القليلة الماضية، بالإضافة إلى تنفيذهم عمليات تسلل إلى نقاط كانوا قد خسروها، وهو ما عقّد الوضع الميداني هناك، وأخّر سيطرة قسد على جيب التنظيم. ويقاتل ما تبقى من عناصر التنظيم في هذه المنطقة دون أفق واضح للوصول إلى اتفاق شامل يؤدي إلى استسلامهم جميعاً، فيما تحدثت تقارير صحفية عن خروج زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي نحو البادية السورية، كما أشارت تقارير أخرى إلى خلو الباغوز من قيادات الصف الأول، ما يجعل السيطرة على العناصر الموجودين أصعب، إذ تقاتل أعداد منهم بطريقة انتحارية.

وتشكل المنطقة الصغيرة التي يتحصن فيها التنظيم اليوم، بالقرب من البوكمال شمال النهر في محافظة دير الزور، الجزء الأخير من جيب يضم عدة بلدات وقرى، كان التنظيم قد احتفظ بسيطرته عليه بعد تراجعه عن أغلب محافظة دير الزور خلال العام 2017 ومطلع العام 2018، ثم خسره تدريجياً خلال معارك متكررة أثناء العام الماضي ومطلع العام الجاري، لينحصر تواجده أخيراً في منطقة ضيقة قريبة من الحدود العراقية، تتعرض لحملات قصف عنيفة من طيران التحالف، ومحاولات اقتحام متكررة، كانت تتوقف لفتح ممرات أمام المدنيين وعناصر التنظيم الراغبين بالاستسلام. ويُعتقد أن التنظيم ما زال يحتفظ بأسرى أجانب في آخر معاقله، إلا أن تصريحات الناطق باسم التحالف لم تؤكد أي معلومات عن أسماء الأسرى في هذه المنطقة.

ومنذ أسبوعين، يترقب العالم إعلاناً رسمياً عن «نهاية داعش»، بعد أن أطلقت الإدارة الأميريكة تصريحات متعددة توحي بأن التنظيم قد انتهى فعلياً، إلا أن هذا الإعلان يتأخر، فيما تتضارب الأنباء عن مفاوضات معقدة تتعلق بمصير عناصر التنظيم، وعن وجود انقسام بين عناصره الباقين في المنطقة، بين من يريد الاستسلام لقوات سوريا الديمقراطية ومن يريد القتال حتى النهاية، ذلك بالإضافة إلى أنباء متكررة عن تمكن عناصر وقيادين في التنظيم من الخروج من المنطقة نحو الباديتين السورية والعراقية.

وإذا كانت نهاية هذه المعركة ستعني نهاية سيطرة التنظيم الفعلية على بلدات وقرى مأهولة بالسكان، فإن الحديث عن أنها ستعني نهاية التنظيم لا يزال أمراً بعيداً عن الواقع، إذ لا يزال التنظيم يحتفظ بآلاف المقاتلين في مساحات واسعة من الباديتين العراقية والسورية، ولا يُستبعد أنهم سيكونون قادرين على إعادة تنظيم أنفسهم وشن هجمات جديدة. وفي هذا السياق، كان موقع السويداء 24 قد نقل عن مصادر في الفصائل المحلية بمحافظة السويداء، رصد تحركات يعتقد أنها لعناصر داعش شمال شرق المحافظة، ويتخوف أهالي السويداء من إقدام التنظيم على تنفيذ عمليات ومجازر في المحافظة كالتي حدثت في شهر تموز من العام الماضي.

ستشهد الساعات أو الأيام القليلة القادمة زوال سيطرة التنظيم من منطقة شرق الفرات، وهو ما سيفتح الباب واسعاً أمام تحديات وتساؤلات كبيرة، من بينها مستقبل الإدارة والسيطرة في مجمل المنطقة الخاضعة لسيطرة قسد، ومسألة عودة النازحين إلى محافظة دير الزور، وحل مشكلة المدنيين من عائلات عناصر التنظيم، بالإضافة إلى وضع عناصر التنظيم الذين استسلم منهم المئات خلال الأيام الماضية، وينتمي عدد كبير منهم إلى جنسيات مختلفة، سواء من دول وسط آسيا أو دول أوروبا.