معضلات التنقّل في دمشق وحلولها

 

«مو عاجبك لا تركب»... هذه أكثر جملة يسمعها سكان دمشق حين يودون الانتقال من مكان إلى آخر. يسمعونها حين يتفاوضون مع سائقي التكاسي على تخفيض الأجرة الخيالية التي يطلبونها، وحين يقررون ركوب السرفيس أو الباص ويتفاجؤون بأنه مكتظ. لقد بات التنقّل في دمشق مشكلة حقيقية، تُضاف إلى قائمة الهموم اليومية لمعظم سكان العاصمة.

بلغت أزمة المواصلات ذروتها في تموز (يوليو) الماضي، بعد إعلان وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام رفع سعر ليتر المازوت، ليصبح 500 ليرة سورية بعد أن كان محدداً بـ180 ليرة، بزيادة تجاوزت 170%. كما ارتفع سعر ليتر البنزين من نوع أوكتان 95 (الحر) إلى 3 آلاف ليرة، بينما وصل سعر ليتر البنزين أوكتان 90 إلى 750 ليرة.

حرب الظفر بمقعد في السرفيس

يمكن رؤية مشهد مأساة حقيقية للركوب في السرفيس حين نقف أعلى «جسر الرئيس» في منطقة البرامكة وسط دمشق، ونوجّه نظرنا نحو الأسفل حيث كراج الميكروباص (السرافيس). سنرى هناك حشوداً ضخمة تنتظر وصول أي وسيلة نقل، وبمجرد قدوم السرفيس نجد الناس يتدافعون بقوة حوله، في مشهد يُشبه الحرب الحقيقية للظفر بمقعد داخل الحافلة.

لقد تحولت شوارع دمشق إلى حلبات سباق يومي، إذ يحاول سائقو السرافيس الهروب من الناس الذين يتراكضون خلف الحافلة، لتنقذهم من ساعات الانتظار الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة.

وأفاد بسام قاسم، عضو المكتب التنفيذي لقطاع النقل في محافظة دمشق، في تصريح لموقع «وكالة أنباء آسيا» اللبناني، أن أزمة المواصلات «ناتجة عن عدم التزام أصحاب المركبات بالخطوط المخصصة لهم في الظروف الراهنة، حيث إن نسبة التقيّد لا تتجاوز 50 بالمئة، عدا خروج بعض الآليات عن الخدمة بسبب نقص المازوت وارتفاع أسعاره، وكون سائقيها يقطنون في ريف دمشق أو عزفوا عن العمل».

وأضاف قاسم أن «حوالي ألفي ميكرو باص مسجّل لدى محافظة دمشق، كما أن 90 بالمئة من الخطوط هي ملكية خاصة، ولا يمكن إجبار السائقين على العمل»، مشيراً الى أن بعض أصحاب السرافيس «قاموا بتقليص عدد الجولات التي كانوا يقومون بها يومياً، والتي انخفضت من 15 دورة وسطياً إلى 4 أو 5 دورات في اليوم فقط».

يقول إحسان، من سكان قدسيا في دمشق: «أنا طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ولديّ يومياً معاناة كبيرة في المواصلات، خاصةً عند العودة، إذ أُضطر للوقوف لأكثر من ثلاث ساعات للصعود بالسرفيس، حيث المئات يتدافعون أمام سرفيس ’جسر الرئيس- قدسيا‘. لا تنقطع المشاجرات والعراكات، وهناك فتيات وكبار في السن يسقطون أرضاً من شدة التدافع، وقد يتعرضون للدهس من الركاب، وآخرون يدخلون من شباك السرفيس الخلفي».

ويضيف إحسان في حديثه للجمهورية.نت: «لا تقف المعاناة عند مشقة الانتظار ومذلة الصعود إلى السرفيس، بل إن الحافلة تكتظ فوق طاقتها بالركاب، فالسرفيس مخصص لـ12 راكباً فقط، لكنّ 17 راكباً على الأقل يصعدون إليه في كل مرة، ليتحوّل إلى ما يُشبه ’قطرميز المكدوس‘، عدا الروائح الكريهة وقلة الأوكسجين بسبب الازدحام، إضافةً إلى أن معظم المقاعد تبرز نوابضها الحديدية لتخزّ اللحم وتمزّق الملابس».

يدفع الازدحام الكبير على السرافيس البعض إلى الركوب في السرفيس إلى آخر الخط، ومن ثم دفع الأجرة مرة أخرى للتوجه إلى المكان الذي يريد. وفي بعض الأحيان، يمتنع السائق عن إكمال الطريق الى آخر الخط بحجة الازدحام المروري، رغم دفع الركّاب الأجرة كاملة، ما يضطرهم إلى إكمال الطريق سيراً على الأقدام، أو الصعود في سرفيس آخر إذا كان حظهم جيداً وعثروا فيه على مقعد شاغر.

بدوره اشتكى أبو عبدو، أحد قاطني حي التجارة، من زيادة حالات السرقة في السرفيس، حيث يستغل بعض اللصوص الازدحام الكبير خلال الصعود الى السرفيس، ويقومون بسرقة هواتف وأموال الركاب. يقول أبو عبدو للجمهورية.نت: «في إحدى المرات صعدت إلى سرفيس في منطقة شارع الثورة، وفور جلوسي على المقعد شعرت أن هاتفي قد سُرق، فنزلت فوراً واتصلت فوراً من هاتف زوجتي على رقمي، فأجاب شخص وقال إنه وجد الهاتف مرمياً على الأرض، وطلب مني التوجه الى منطقة كراج الست لاسترجاعه. وبالفعل توجهت الى هناك، وحين وصلت اتصلت كثيراً فلم يجب أحد، ومن ثم أصبح الهاتف خارج الخدمة، فعلمت حينها أنها خدعة قام بها السارق ليجعلني أبتعد عن مكان سرقة الهاتف ريثما يتوارى عن الأنظار».  

حاميها حراميها

يشتكي جميع من تحدثت إليهم الجمهورية.نت من أن سائقي السرافيس في دمشق يأخذون أكثر من التعرفة المحددة لهم، إذ يتقاضى أغلبهم 200-250 ليرة سورية، والحجة أنهم لا يملكون نقوداً إضافية (فراطة)، وأن التعرفة المحددة من قبل الدولة غير كافية في ظل غلاء المحروقات، ومن يعترض من الركاب، تكون إحدى العبارتين الشهيرتين بانتظاره: «إذا مو عاجبك انزل» أو «روح اشتكي».

وكانت حكومة النظام قد رفعت في تموز الماضي تعرفة الركوب للخطوط القصيرة بمسافة عشرة كيلومترات للباصات والميكروباصات لتصل إلى 100 ليرة للراكب، بينما وصلت تعرفة الركوب للخطوط الطويلة التي تفوق عشرة كيلومترات للباصات والميكروباصات 130 ليرة للراكب الواحد، وذلك عقب رفع سعر ليتر المازوت إلى 500 ليرة.

تعرفة الركوب المحددة من قبل النظام لم تعجب السائقين، الذين باتوا يرفعونها من تلقاء أنفسهم، ما دفع لجنة تحديد الأسعار في محافظة دمشق، في 22 آب (أغسطس) الجاري، لإصدار قرار يقضي بزيادة تعرفة أجور النقل إلى 150 ليرة سورية للراكب الواحد ضمن الخطوط القصيرة، و200 ليرة للخطوط الطويلة.

يقول أبو منذر، من سكان حي دويلعة، أن «سائقي السرفيس قبل رفع التعرفة من 130 إلى 200 ليرة كانوا يتقاضون 200-250 ليرة من كل راكب، ما يعني أنهم الآن سيقومون برفع أجرة ركوب السرفيس إلى 300 وربما 400 ليرة سورية، مستغلين غياب الرقابة والقوانين الرادعة».

وزعم مازن الدباس، عضو المكتب التنفيذي لقطاع النقل في محافظة دمشق، في تصريح لوسائل إعلام النظام الشهر الجاري، أن السائق الذي يزيد تعرفة الركوب من تلقاء نفسه «يُحال للقضاء ويُخالف بمليون ليرة سورية»، وذلك في حال وصلت شكوى ضده.

ومع تزايد تذمر سكان دمشق من عدم التزام أغلب السائقين بالتعرفة المحددة لهم، قال غسان رسول، رئيس الاتحاد المهني لعمال النقل في الاتحاد العام لنقابات العمال، لوسائل إعلام موالية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، إنه تم اعتماد أكثر من 50 شخصاً، سواءً من المسرّحين من الخدمة الإلزامية أو من ذوي القتلى، للعمل كمراقبين على جميع خطوط النقل الداخلي في دمشق، وكذلك الخطوط التي تدخل العاصمة.

وعبّر أبو منذر عن سخريته من هذا القرار، معتبراً أنه بمثابة إبر مخدرة للسكان، ومشيراً إلى أن السائقين ما زالوا يتقاضون أكثر من التعرفة المحددة، كما أن وجود أولئك المراقبين شكلي، حيث يرشو السائق المراقبين بمبلغ من المال، وبذلك يجعلهم يتغاضون عن رفع تعرفة الركوب أو العمل على خط مغاير للخط المخصص له.

إلى ذلك، عزفَ عدد كبير من السائقين عن العمل، وأصبحوا يبيعون مخصصاتهم من المازوت في السوق السوداء، ما يحقق لهم أرباحاً أكثر من التي يجنونها خلال العمل طوال اليوم على الحافلة، بينما يعمل آخرون لصالح مدارس وشركات خاصة.

استنزاف المال والأعصاب في التاكسي

أقرّ المكتب التنفيذي لمجلس محافظة دمشق، نهاية آذار (مارس) الماضي، رفع أجور نقل الركاب بسيارات الأجرة العمومية (التاكسي) ضمن المحافظة، حيث أصبحت أجرة الكيلومتر الواحد 230 ليرة، والساعة الزمنية بـ4 آلاف ليرة، وقيمة الانطلاقة الأولى بـ150 ليرة، وكل قفزة عداد بـ50 ليرة.

ويعاني سكان دمشق من غلاء أجور التاكسي قياساً بدخل الفرد المتدني، ولا سيما في ظل عدم تشغيل العداد من قبل السائقين، واستغلالهم للمضطرين إلى استخدام تاكسي الأجرة من جهة، ومزاجيتهم في التعامل مع الركاب من جهة أخرى.

وتبدأ المأساة من لحظة إيقاف التاكسي، حيث يطرح السائق فوراً، وقبل صعود الراكب، سؤاله المعروف: «لوين رايح»، فإذا لم يُعجبه المكان الذي يود الشخص الذهاب إليه، يُحرّك سيارته على الفور، رغم أن هذه مخالفة قانونية، حيث ينص قانون المرور على ضرورة تأمين الراكب بالذهاب إلى أي منطقة كانت ضمن المدينة أو ريفها. أما إذا وافق مبدئياً، ستبدأ المجادلة على التعرفة المطلوبة، وهذه مخالفة قانونية ثانية، حيث من المفروض أن يتم تشغيل العداد لحظة صعود الراكب.

يقول معتز (22 عاماً) من سكان حي الميدان: «أصبح ركوب التاكسي استنزافاً لجيب المواطن، إذ يلجأ بعض أصحاب التكاسي إلى استغلال الشخص في بعض المواقف، ويطلبون منه مبالغ خيالية، خاصةً حين يكون مضطراً للتوجه لتقديم امتحان أو الذهاب إلى المستشفى».

يضيف معتز: «تصل درجات الاستغلال لدى سائقي التاكسي إلى أعلى مستوى حين يشاهدون شاباً برفقة صديقته يودان الصعود بالتاكسي. حينها يطلبون مبلغاً يزيد ثلاثة آلاف عن المبلغ الذي يدفعه الشخص حين يكون وحيداً أو برفقة أصدقائه الشباب، لأنهم يفترضون، وفق السائد، أن الشاب سيضطر للقبول بأي مبلغ كي يبدو كريماً ولا يُناقش في الأجرة. كما أنهم يستغلون الشخص حين يسمعون لهجة غير دمشقية، فيفترضون أنه لا يدرك المسافات التي تفصل بين المناطق في دمشق».

وتابع معتز قائلاً: «في إحدى المرات، صعد أخي وزوجته وطفله في تاكسي، دون الاتفاق مع السائق على الأجرة مسبقاً. وحين وصلوا إلى المكان المطلوب، طلب السائق مبلغ 9 آلاف ليرة، لكن أخي رفض ذلك، ودفع 5 آلاف بعد جدال طويل، ما دفع السائق بعد نزول أخي وعائلته من السيارة إلى الانطلاق فوراً، دون أن ينتظر حتى يأخذ الركاب عربة الطفل وأمتعتهم الخاصة من الصندوق الخلفي. يُقدّر أخي ثمن تلك الأغراض المفقودة بـ250 ألف ليرة، ولذا أنصح أي شخص بإنزال أغراضه أولاً قبل دفع الأجرة للسائق».

قد يكون الصعود في التاكسي رحلة محفوفة بالمخاطر، كما حصل مع سيدة من سكان منطقة المزة (فضّلتْ عدم ذكر اسمها): «أوقفتُ تاكسي من منطقة كفرسوسة، وطلبتُ منه إيصالي إلى منطقة مزة جبل 86 خزان. استغربتُ كيف وافق فوراً، رغم أن معظم السائقين لا يقبلون الذهاب إلى تلك المنطقة بسبب ارتفاعها ووعورة طرقها الضيقة. بعد لحظات تفاجأت بأنه انحرف باتجاه المتحلق الجنوبي، بدل التوجه إلى منطقة المواساة ومنها إلى المزة».

تتابع السيدة: «سألته فوراً عن سبب سلوكه لهذا الطريق، فادّعى أنه أسرع. لم أصدق كلامه، فأنا أعرف الطرق جيداً، وطلبت منه التوقف، لكنه لم يستجب وزاد من السرعة. صرخت عندها عالياً: ’نزّلني.. نزّلني‘، فقام برفع صوت الأغاني للتغطية على صوتي، بعد أن أقفل أبواب ونوافذ السيارة بالقفل المركزي، وقال لي: ’خلينا نروح مشوار ع البيت وبرجعك ببلاش‘. لحسن الحظ اضطر السائق للتوقف عند إشارة مرور، وكان هناك شرطي، فصرخت أكثر، حينها خاف أن ينتبه له الشرطي، واضطر لفتح الباب، فخرجت من التاكسي مسرعةً بعد أن انهارت أعصابي وامتلأ قلبي بالخوف والرعب».

وقالت شابة تدعى رنا خرما من سكان دمشق، نهاية أيار (مايو) الماضي على صفحتها في فيسبوك، إنها «تعرّضت للضرب المبرح من قبل أحد سائقي التاكسي، فقط لأنها قالت له: ’شو أعمى مو شايف!‘، بعدما كان على وشك أن يدهسها خلال انتظارها مع زميلتها قدوم الميكروباص في ساحة الشهبندر وسط دمشق»، معبرةً عن صدمتها «لعدم تدخل رجال الشرطة أو أحد من المارة لردع السائق خلال قيامه بضربها».

ويعاني سكان دمشق من صعوبة العثور على تاكسي شاغرة، لا سيما في أوقات الذروة بعد انتهاء دوام الموظفين. وكانت مديرية النقل في دمشق قد أفادت بأن عدد سيارات التاكسي في العاصمة يبلغ 23,948 سيارة، وفق إحصائية أجرتها في شهر آذار (مارس) الماضي.

تاكسي-سرفيس 

في ظل الغلاء الفاحش الذي يطال أجرة التاكسي، أعلنت محافظة دمشق في كانون الثاني (يناير) الماضي إطلاق مشروع «تاكسي-سرفيس»، أي تحويل سيارة التاكسي العامة إلى سرفيس يعمل على نقل عدة أشخاص وفق أجور وخطوط ثابتة. وأعلن مازن دباس، عضو المكتب التنفيذي للمحافظة، في تصريح لصحيفة الوطن المحلية، عن إنشاء سبعة خطوط جديدة لمشروع التاكسي-سرفيس بسعة 4 ركاب ضمن مناطق في دمشق وريفها، وبتعرفة موحدة تتراوح بين 300 و400 ليرة للراكب الواحد.  

يقول أبو لؤي، وهو سائق تاكسي في دمشق: «الجميع منزعج من الأجور التي نتقاضاها، رغم أنها بالكاد تؤمن لنا ربحاً بسيطاً في ظل التكاليف الباهظة التي نتكبدها يومياً، وخاصةً مع غلاء أسعار البنزين. الكمية المخصصة لنا ضمن البطاقة الذكية غير كافية، ونضطر لشراء البنزين بالسعر الحر البالغ 3 آلاف ليرة. ويضاف إلى ذلك غلاء تكاليف صيانة السيارة ورسوم تسجيلها والمخالفات المرورية، فضلاً عن تحرّكنا في الشوارع لساعات دون فائدة، لا سيما خلال فترات الليل».

من جهته، قال أبو عبدو، من سكان حي التجارة: «فكرة التاكسي سرفيس ليست جديدة، بل موجودة منذ ست سنوات، فمعظم سكان دمشق ليس لديهم القدرة على تحمل أجرة التاكسي لوحدهم، لذا يقف السائقون في أماكن محدّدة، وينادون على أربعة ركاب لمنطقة معينة، لكنهم يتقاضون مبالغ تتراوح بين 2,500 و3,000 ليرة على الراكب الواحد، وليس 300 أو 400 ليرة كما حددت المحافظة».

سوق سوداء عبر الإنترنت

في ظل الازدحام الكبير على محطات الوقود وعدم كفاية الكميات المخصصة لكل سائق بموجب البطاقة الذكية، بدأت تجارة المحروقات تنشط في السوق السوداء بمحافظة دمشق. وأعلنت وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام، في نيسان (أبريل) الماضي، عن آلية جديدة لتوزيع الوقود وفق نظام الرسائل النصية القصيرة عبر البطاقة الذكية، وإجبار السيارات على تعبئة مخصصاتهم من المحروقات من محطات وقود معينة.

ويحصل سائقو التكاسي، وفق نظام البطاقة الذكية، على 25 ليتر بنزين كل أربعة أيام، بينما يحصل سائقو السيارات الخاصة على نفس الكمية كل أسبوع. يقول أبو لؤي، وهو سائق تاكسي في دمشق: «نعاني كثيراً في تأمين المحروقات، فرسائل استلام كمية البنزين المخصصة لكل سائق تتأخر ليوم أو يومين أو أكثر، وهنا يكون سائق التاكسي أمام ثلاثة خيارات: شراء البنزين غير المدعوم من المحطات، ما يعني الانتظار في الطابور عدة ساعات، أو شراء البنزين من السوق السوداء بمبلغ يتراوح بين 2,500 و3,500 ليرة سورية لكل ليتر، أو الجلوس في المنزل بلا عمل إلى حين وصول رسائل استلام البنزين المدعوم».

واعتاد السائقون على شراء المحروقات من السوق السوداء من خلال أشخاص يحملون عبوات من البنزين (بيدونات)، ويقفون على جانب الطريق، لكن الملاحقة الأمنية التي تطال معظم هؤلاء البائعين جعلت السوق السوداء تنتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي. يضيف السائق أبو لؤي: «أصبح هناك مجموعات على فيسبوك يُعلن فيها بعض الأشخاص عن توفر كميات من البنزين للبيع، فأتواصل مع الشخص وأتفق على لقائه أمام المحطة التي سيستلم منها مخصصاته بموجب البطاقة الذكية، وبعد أن ينتهي نتفق على السعر، وأقوم بإفراغ البنزين من سيارته إلى سيارتي عبر خرطوم صغير».

يتابع أبو لؤي: «البنزين الحر الذي يُباع من قبل بعض الأشخاص في الطرقات مغشوش ويُسبّب أعطالاً في السيارة، لذا فإن أغلب السائقين يشترون البنزين من أشخاص لديهم كميات فائضة من مخصصاتهم في البطاقة الذكية، كونها آتية من المحطة مباشرةً».

بدوره، أفاد علي الخطيب، مدير حماية المستهلك في وزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام، لصحيفة البعث بأنّ «بعض أصحاب محطات الوقود يقومون بإيهام السائق بعدم وجود رصيد من المحروقات في بطاقته الذكية، خلافاً للواقع، بغية استغلالها وبيعها». وهناك أيضاً «مخالفات تتعلق بتعبئة كمية منقوصة من المخصصات، وإيهام صاحبها بانتهاء الكمية، واقتطاعها كاملةً من البطاقة، للاستفادة من بيعها في السوق السوداء، أو تعبئة كمية أكبر من المخصصات للسائق مقابل ربح مادي». وأضاف الخطيب أن عدد مخالفات التلاعب بالبطاقة الإلكترونية «وصل إلى 670 مخالفة خلال نحو 180 يوماً».

يقول أحد سكان دمشق للجمهورية.نت (فضّل عدم ذكر اسمه): «أنا موظف براتب لا يتجاوز  70 ألف ليرة، ولا أستطيع مزاولة عمل آخر بسبب وضعي الصحي، لذا لجأت الى تأجير البطاقة الذكية كوني أملك سيارة خاصة لم أعد استخدمها. اتفقت مع سائق تاكسي على منحه كل مخصصاتي من البنزين كل أسبوع، مقابل 150 ألف ليرة سورية شهرياً». مضيفاً: «أعرف كثيراً من الأشخاص قاموا بتأجير البطاقة الذكية، فقد غدت تجارة رائجة».

الباصات كمكان لانتشار كورونا

دفع الضغط الكبير على السرافيس وغلاء أجرة التاكسي معظم سكان دمشق إلى ركوب الحافلات، والتي تتكدّس بالركاب في مشهد مثير للدهشة، حيث نجد حوالي مئة شخص داخل الحافلة، بعضهم يقف على حافة باب الباص ويكاد يسقط في أية لحظة.

وذكر سامر حداد، مدير الشركة العامة للنقل الداخلي بدمشق ، في تصريحات لوكالة آسيا، أن «عدد حافلات النقل الداخلي العاملة في دمشق لا يتجاوز 320 باصاً، منها 110 باصات تابعة لشركة النقل الداخلي الحكومية، و210 باصات للشركات الخاصة».

ويتقاضى سائقو تلك الحافلات أجورهم كنسبة من البطاقات المباعة، وليس وفق أجر يومي أو شهري محدّد، الأمر الذي يُحفّز السائقين على تكديس الركاب فوق بعضهم لتحقيق قدر أعلى من الدخل.

تقول سلوى من سكان الزاهرة: «الركوب في الحافلة مأساة حقيقية في ظل الازدحام الشديد بداخلها، لكني مضطرة لركوب باص الدوار الجنوبي يومياً من أجل الذهاب إلى عملي في منطقة المزة، وذلك نظراً لصعوبة العثور على سرافيس فيها مقاعد فارغة وسط البلد. وطوال الطريق نسمع السائق يقول عباراته ذاتها: ’فوتو ع الصدر يا شباب‘، ’بَعِّد عن الباب‘، ’ارجعوا لورا لسه فاضي‘».

وتضيف سلوى: «يتسع الباص لحوالي 30 راكباً، ولكن السائق يسمح بصعود أكثر من 80، ما يزيد حالات السرقة والتحرّش بالنساء. كما أن تلك الحافلات باتت بؤرة لانتشار كورونا، بسبب الاكتظاظ الكبير داخلها وعدم ارتداء 90 بالمئة من الركاب للكمامة. ولكن اللوم يقع على الدولة التي تسمح للسائقين بملء الحافلة. معظم دول العالم فرضت على السائقين ملء ثلث الحافلة فقط، وترك مسافات بين الركاب لمنع تفشي الفيروس».

وسائل نقل بدائية

دفعت أزمة المواصلات الخانقة في دمشق بعض السكان إلى ركوب وسائل نقل بدائية، حيث انتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر استعمال عدد من الناس للحصان كوسيلة نقل. كذلك لجأ البعض الى ركوب «الباكسي»، وهي عبارة عن دراجة هوائية مزودة ببطاريات يتم شحنها، وتعتمد على ثلاث عجلات مع وجود مظلة ومقعد خلفي يتسع لراكبين. ولاقت الباكسي رواجاً بين الناس لسرعة وسهولة حركتها في شوارع العاصمة، إضافةً إلى أجرتها المتدنية مقارنةً بالتاكسي، ما دفع محافظة دمشق للموافقة عليها.

كان لافتاً أيضاً إقبال البعض على ركوب سيارة السوزوكي، والتي تُستخدم عادةً لشحن البضائع. وتداولت صفحات على فيسبوك صورة لمجموعة من الطلاب الجامعيين في منطقة البرامكة وهم يستقلون السوزوكي، مرفقةً بمنشور كُتب فيه: «عندما لا تتوفر وسائل النقل تكون السوزوكي خير منقذ».

مصطفى (21 عاماً) هو طالب في كلية الآداب، اشترى دراجة هوائية وأصبح يذهب بها من منزله في منطقة الدويلعة إلى جامعته الواقعة على أوتوستراد المزة، مشيراً إلى أن «العديد من أصدقائه باتوا يستخدمون هذه الوسيلة في الذهاب إلى الجامعة رغم خطورتها، إذ لا توجد مضمارات مخصصة للدراجات الهوائية ضمن العاصمة».

وأضاف مصطفى: «بعض المقيمين في مناطق قريبة نوعاً ما من الجامعة ومكان العمل، باتوا يُفضّلون السير على الأقدام كحل أفضل للتنقل، بينما لجأ آخرون إلى التلويح لأي سيارة خاصة كي تنقلهم في طريقها». ولكنه حذّر من استخدام تلك الطريقة «خوفاً من تعرض الشخص للخطف أو السرقة في ظل الوضع الأمني غير المستقر».

رغم الضجر والاستياء الكبير لدى سكان دمشق، كما الحال في باقي مناطق سيطرة النظام، إلا أن حكومة نظام الأسد ظلّت عاجزة عن إيجاد أي حلول لأزمة المواصلات، تاركةً الناس يتخبّطون في مأساتهم، فالليرة السورية انهارت إلى حدود 3,400 مقابل الدولار، والأسعار في ارتفاع مستمر، ما ينذر بتدهور الوضع المعيشي أكثر فأكثر في ظل غياب الحلول.