مقابر دمشق: ذاكرة التاريخ والحرب

 

الساعة الثانية والنصف ظهراً، يصدحُ الأذان في مسجد ابن عربي شيخ الصوفية في حي الصالحية بدمشق، ينتظم الزائرون لصلاة الظهر، وعند نهايتها يجد كلٌ منهم مكاناً إلى جانب الضريح. منهم من يقرأ القرآن والأدعية، ومنهم من يطوف حول الضريح متلمساً إياه للحصول على البركة، إضافةً إلى عدد من حلقات تعليم الدين وفق منهج الصوفية وشيخ المعلمين محي الدين ابن عربي.

«مضى على وفاة محي الدين ابن عربي حوالي 800 سنة، ولا زالت روحه تطوف في المكان»، هذا ما قاله لنا أحد الزائرين أثناء تواجدنا هناك.

يلتقطُ أبو محمد، 58 عاماً، مسبحته بيده التي رسمت السنون التجاعيد عليها، ويبدأ حديثه: «سبحان الله، منذ أن كنت في السادسة من عمري وأبي يصحبني إلى هنا»، ويشير بيديه إلى الضريح.
يتابع أبو محمد: «الآن بعد أكثر من خمسين عاماً، لا زال هذا المكان هو الأقرب إلى قلبي. هذا الإمام الراقد هنا (ويشير إلى الضريح) هو الأقرب إلى قلبي. أَضيقُ ذرعاً، فآتي إلى هنا لأشكو وأدعو، وفي كثيرٍ من المرات أراه في أحلامي. كذلك كنتُ آتي برفقة أولادي إلى هنا، والآن اصطحب أحفادي للتعرّف إلى المكان، والتبرّك بضريح إمام المتحدثين، محي الدين بن عربي».
كلام أبي محمد فتحَ السؤال عن حضور الأموات في حياة البشر، ومدى قوة هذه العلاقة، وإلى أي حدٍّ لا تزال القبور والأضرحة وما تحمله، والميثولوجيا المرتبطة بها، ناظمةً لحياة الأفراد.

القبر والطوطم

يقول أبو عبد الله، وهو أحد المسؤولين عن المكان، ويعرّفُ عن نفسه بأنه خادم مقام الشيخ محي الدين ابن عربي: «في الأيام العادية يزور المقام عددٌ يتراوح بين الـ 100والـ 200 شخص، في حين يتوافد ما يفوق الألف شخص لإحياء المناسبات الدينية، كما يتوافد كثيرون لتقديم النذور، أو للتضرع إلى الله في رحاب المقام». وبحسب جيمس فريزر في كتابه الطوطمية والزواج، فإن الطوطم هو «مجموعة من الأشياء التي يحترمها البدائيون، ويعتقدون بوجود علاقة خاصة تربطهم بها».

هكذا يكون قبر ابن عربي المتربعُ على سفح جبل قاسيون، وقبر النبي يحيى (يوحنا المعمدان) في الجامع الأموي، وما ماثلهما، نماذجَ عن المرحلة الانتقالية بين الواقع الحقيقي وعالم لم يسبق أن زاره أحدٌ وعادَ ليخبرنا بما فيه، وربما هي الفاصل بين البشر والخالق. ولهذا تكتسب القبور تلك القدسية، ربما لأنها آخر صلة للأحياء بعالمٍ لا يعرفون عنه سوى اسمه، عالم الأموات. هي آخر أثر للأحبة، إذ تم دفنهم فيها.

المقابر، كتاب التاريخ في دمشق

عندما نقول دمشق، فإن أول ما يتبادر إلى ذهننا بيوتها الشامية القديمة، أرض الديار، أشجار الليمون والنارنج، بالإضافة إلى أصوات المآذن التي تطرب أحجار المدينة القديمة، وأهمها مآذن الأموي الكاشفة الراصدة لتحرك الساعين حولها.

لكن الناظر إلى دمشق من جبل قاسيون المشرف عليها، يرى المدينة كما لو أنها وضعت على طبق، إذ يمكن النظر إلى أدق تفاصيلها، إلى تموضع أحيائها بجوار بعضها بعضاً. إلى مقابرها أيضاً، من مقبرة قاسيون إلى مقبرة باب الصغير في باب الجابية، إلى الدحداح في شارع بغداد.

بحسب مكتب دفن الموتى في محافظة دمشق، فإن هنالك 33 مقبرة داخل دمشق، خرجت ثلاث منها عن الخدمة: مقبرة جوبر، ومقبرة برزة، ومقبرة القابون. بينما هنالك مقبرة المزة 86 الموجودة في الواقع، والتي لا وجود لها في السجلات الرسمية حسب ما أفاد الموظفون.

التقيتُ أحد أساتذة التاريخ في جامعة دمشق، وقد طلب عدم الكشف عن اسمه. يقول الأستاذ «حسان /اسم مستعار»: «بحسب كتاب مشيدات دمشق للشهابي، فإن التربة أو المقبرة هي مجموعة من القبور، فوقها قبة عظيمة، ويكون غالباً بجوارها مكتبة أو مكتب لرعاية شؤون الأموات وفي بعض الأحيان مسجد».

ينهض الدكتور «حسان» من وراء مكتبه متجهاً إلى الخريطة، ويقول: «هنا وسط العاصمة، في منطقة البرامكة، كانت تقع مقابر الصوفية، ولم يبق في المنطقة سوى قبر ابن تيمية (وهناك روايات تفيد بأنه تم نبش القبر بعد الدخول الإيراني إلى دمشق بعيد 2011)، وقبر ابن القيم، اللذين دُفنا في مقابر الصوفية تلك. حتى أن منطقة البرامكة حملت اسمها نسبةً إلى مقبرة البرمك، التي كانت في هذه المنطقة».

يتابع الأستاذ «حسان» كلامه: «في حي المهاجرين هناك حديقة النيربين، التي تطل على دمشق، والتي كانت محجاً لأهاليها لزيارة قبر أم مريم بحسب ابن بطوطة، وكتاب البداية والنهاية لابن كثير. وفي جنوب شرق دمشق يقع جامع الشيخ رسلان، الذي دُفِنَ في مقبرة قديمة كانت تعرف باسم مقبرة باب توما. في حين أن أكبر مقابر دمشق، وهي مقبرة الباب الصغير، يوجد فيها قبور عدد من صحابة الرسول وخلفاء الدولة الأموية، كما دُفِنَ فيها الفارابي ونزار قباني وشكري القوتلي».

مهنة الشؤم

دمشق تختلف كثيراً عن باقي عواصم العالم من حيث علاقة السكان بالمقابر فيها، فهي ليست القاهرة التي اضطر جزء من سكانها للعيش في مقابرها، وهي ليست كالعواصم الأوروبية، ولا حتى بيروت.
مقابر دمشق التي يناهز عمر بعضها مئات السنين، مزروعةٌ داخل حواري المدينة القديمة، يرقد أمواتها بسلام، يتقاسمون المكان متلاصقين مع بيوت أحيائها، إذ بنيت حيطان مقابرها ملاصقةً لبيوت سكانها.
في شارع بغداد الواصل بين السبع بحرات وساحة التحرير، تتربع مقبرة الدحداح في منتصف الطريق منذ عشرات السنين. عندما كنتُ أعبرُ الطريق سيراً على الأقدام خلال ذهابي إلى الجامعة، دائماً كنتُ أرى الناس تمشي من أمام المقبرة على عجل وبشكل طبيعي، لكن منذ العام 2012 أصبحت مقبرة الدحداح تشكل رعباً للمارة هناك، ليس بسبب المقبرة نفسها، وإنما بسبب الحاجز الذي نصبته قوات النظام، والمعروف بتدقيقه الأمني الشديد وسوء معاملة عناصره للمارة.

خلال مروري المتكرر على الحاجز الذي كان على باب المقبرة، رأيتُ كثيراً من الموقوفين إلى جدار المقبرة معصوبي الأعين، بانتظار سوقهم إلى الخدمة الإلزامية أو إحدى الأفرع الأمنية.

كان السؤال الذي يطرق دائماً تفكيري آنذاك: ترى ما الذي يدور في أذهان الموقوفين على جدار المقبرة؟ هل كانوا يتمنون لو أنهم في القسم الذي خلف الجدار، يتقاسمون مترين مع الأموات تحت التراب، على أن يقعوا في قبضة جنود النظام؟
في شهر آب من العام الماضي أزالت قوات النظام حاجز مقبرة الدحداح، وسط كلام عن خلافات بين الأفرع الأمنية بسبب التجاوزات التي يقوم بها الحاجز.
أمشي خفيفاً هذه المرة متوجهاً إلى مقبرة الدحداح لإعداد هذا النص، لا تواجدَ لعناصر النظام، لم تعد السيارات تصطف كطابور النمل للعبور من ثقب الحاجز، جدار المقبرة الذي يصطف عليه معصوبو الأعين بات خالياً الآن، فيما أُزيلت جميع العبارات التي خطها عناصر الحاجز، وبقيت عبارة وحيدة، «المخابرات نور السموات»، موجودةً على أحد الحواجز الإسمنتية على جانب الطريق أمام المقبرة.
كانت المقبرة قديماً تُعرَف باسم مقبرة الفراديس، واليوم تُعرَف باسم مقبرة الدحداح نسبة إلى أبي الدحداح، الملقب بالمتحدث شيخ الشام، وقد دُفِنَ في هذه المقبرة الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، إضافة إلى زكي الأرسوزي.

أدخلُ المقبرة، يستوقفني عددٌ من الشبان ومعاولهم على أكتافهم، يهوون بها على الأرض بضربات قوية منتظمة، يتساعدون لرفع بلاط القبر، وهم يتحدثون، يدخنون، ويتبادلون المزاح فيما بينهم، كأنهم تآلفوا مع هذا المكان الذي أغلبيةُ سكانه من الأموات.
الحصول على شهادات حفاري القبور في دمشق ليس بالأمر السهل، فقد صدر منذ ثلاث سنوات تعميمٌ داخليٌ يمنع كلام الحفارين لأي وسيلة من وسائل الاعلام دون وجود إذن خطي من محافظة دمشق. لذلك كنت مضطراً إلى دخول المقبرة بصفة باحث اجتماعي لرسالة جامعية، لأتبادل الحديث مع حفاري القبور.

يفتح عماد/ اسم مستعار/ 38 عاماً، وهو من عائلة مشهورة في دمشق، مكتب الاستقبال، مجيباً عن سؤال عن مهنة حفر القبور في دمشق، قائلاً وهو يُخرِجُ شجرة عائلته: «هذا أنا، فلان ابن فلان وجدي فلان، وجميعنا نعمل في حفر القبور. أنا أنتمي لعائلة من كبرى العائلات في دمشق، ورثتُ هذه المهنة عن والدي وعن جدي، وكان جدي ووالدي يفتخرون بمهنة الحفّار التي تقوم على إكرام الأموات عملاً بالقاعدة الشرعية (إكرام الميت دفنه)، وقد دفنا في هذه المدافن العديد من الرجال الصالحين، ويعود الفضل لعائلتي في خدمة هؤلاء الأموات».

أثناء كلامنا مع «عماد»، قاطعه أحد الحفارين الموجودين معترضاً، وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره يدعى أبو سمير: «مهنة حفر القبور ليست كما يقول عماد الآن، كان لها أهمية في الماضي، فعماد ولأنه ابن عائلة عريقة في دمشق يعتبر أن مهنة حفر القبور لا مشكلة فيها، بل يقول إنها شرفٌ له».

أبو سمير، الذي رفض الكشف عن اسم عائلته، تابع الحديث: «اذهب إلى خارج حدود المقبرة، واسأل المارة عن رأيهم بمهنة حفار القبور، الجميع ينظر لها بدونية، الجميع يقولون إنها فأل شؤم».

يشهر أبو سمير إصبعه قائلاً: «أترى هؤلاء الرجال والشباب؟ (في إشارة إلى عدد من الحفارين) معظمهم يعمل هنا بالسرّ، بعيداً عن أعين الجيران والأصدقاء والأقارب، لأن الجميع يخاف ويخشى هذه المهنة وينظر إليها نظرة شؤم».

كلام أبي سمير حمَّسَ العديد من الحفارين للدخول في الحديث الذي حمل كثيراً من الهموم والشجون التي يعاني منها حفّار القبور. جميع من كانوا هناك، باستثناء «عماد»، كان جوابهم أنهم يخفون مهنتهم عن جيرانهم وعن أقاربهم، وحتى عن أطفالهم.

يقول محمد/21 عاماً/اسم مستعار: «عندما تقدمتُ لفتاة من أجل الزواج العام الماضي، قلتُ لها إنني أعمل سمكرياً وليس حفاراً للقبور، لأنني كنتُ أعلمُ أنه إذا عرف أهلها مهنتي، فإنهم سيرفضون منذ البداية».

يتابع كلامه ساخراً: «لكن بعد أن تعرّفوا علي، صارحتهم بالأمر، كان الكلام عن مهنتي هذه كما الاعتراف بذنبٍ ما. لا زلتُ أتوخى الحذر حيال معرفة الجيران بمهنتي، لأنه يُنظَرُ لنا في كثير من الأحيان على أننا نذير شؤم للناس، وأننا ننبئ برائحة الموت. الناس يأتون إلى المقابر ليزوروا أحبابهم أو يتبرَّكوا بأوليائهم، ولكنهم يهربون ويتشاءمون وينبذون الذين حفروا وشيدوا هذه القبور».

روايات حفاري القبور كان فيها كثيرٌ من الغموض، وكانت وجوههم شاحبة، لكن زنودهم القوية المفتولة وضحكتهم وكلامهم الساخر من الموت، كان كفيلاً لأتيقن أنهم لا يخشون الموت أبداً، لأنهم يقابلونه وجهاً لوجه كل يوم.

الضغوط الاجتماعية التي يعانيها الحفارون لم تكن الوحيدة، بل أيضاً الضغوط المادية، ووفقاً للشهادات التي وردت فإنه لا سجلات لديهم ولا أوراق ثبوتية في وزارة العمل ولا في المحافظة، ولا يوجد لديهم أي رابطة أو نقابة أو اتحاد يوصل صوتهم، ولا حتى رواتب، إذ يكتفون فقط بالنقود التي يحصلون عليها من أهل المتوفى، بحسب قدرتهم وسخائهم وتقديرهم للعمل الذي يقوم به الحفارون. وبعبارة أخرى يرددها الحفارون عند الكلام عن أجورهم: «أخذنا اللي طلع من خاطرهم»، في إشارة إلى أهل الفقيد.

السوق السوداء للقبور

لم يكن دور القبور خلال سنوات الثورة فقط في البروبغندا التي استخدمتها إيران كأساس لاستقدام المقاتلين إلى سوريا، بل شكلت جزءاً مهماً من الأزمة الاقتصادية الراهنة في دمشق.

يشتكي كثيرٌ من سكان العاصمة من غلاء أسعار القبور فيها، إذ ارتفع متوسط سعر القبر الواحد من 50 إلى 100 ألف ليرة في معظم مقابر دمشق قبل عام 2011، إلى 4 ملايين ليرة هذه الأيام.

ارتفاع الأسعار هذا ترده محافظة دمشق إلى الاكتظاظ السكاني في العاصمة، وعدم توفر مساحات وأمكنة لدفن مزيدٍ من الأموات، الذين أصبحوا السلعة الأرخص والأكثر تواجداً في البلاد هذه الأيام.

الرواية الرسمية تقابلها رواية من قبل الأهالي باتت تعرف باسم السوق السوداء للقبور، التي تزدهر صفقاتها في مكاتب تأمين تجهيزات المدافن. هناك حيث يمكن أن يبتعد الموت عن طابع الفجيعة أو البعد الروحاني والديني، إذ يمكن أن نتحدث عن الموت بالنقود: كم سعر الرخام المتواجد على القبر؟ كم تحتاج مراسم الجنازة من نفقات؟ والأهم من ذلك، سعرُ القبر الذي سوف ينزل فيه الميت.

يتراوح سعر القبر بين مليونين ونصف وأربعة ملايين، في حين يبلغ سعر الاستضافة حوالي 500 ألف، وهذا السعر من أجل استئجار القبر لمدة خمس سنوات، التي هي الوقت الكافي لتحلل الجثة.

بيع القبور واستئجارها ممنوع بحسب القوانين الرسمية، بل تتم هذه الأمور بوصفها تنازلاً عن المدفن لصالح أحد الأشخاص وليس بيعاً، لكن عن طريق أصحاب مكاتب مستلزمات دفن الموتى، بالتعاون مع مكتب دفن الموتى في دمشق، وبغطاء أمني من ضابط القطاع المسؤول عن المقبرة، يتم بيع هذه القبور.

في مكتب دفن الموتى في محافظة دمشق يوضع لكل قبر سجّلٌ فيه رقم متسلسل، وفيه مالكٌ محددٌ ضمن وثيقة محددة. يتم رفع أرقام القبور الفارغة والمشغولة إلى المكتب الأمني في الحي، الذي بدوره يقوم برفعها إلى المحافظة.
أفاد محمد/اسم مستعار، الذي يعمل حفاراً للقبور منذ العام 2013، بأنه صدر تعميم من المحافظة بمنع إخراج أية معلومات عن المقابر أو العائلات التي تملك تلك المدافن. وبحسب «محمد» فإن بيع القبور، الذي يعرف قانونياً باسم نقل الملكية لأن العقد يكون بصيغة التنازل كما قلنا، تتم من خلال المسؤول عن المقبرة، الذي لديه معرفةٌ بعدد القبور الفارغة والمشغولة. هناك كثيرٌ ممن هاجروا خارج البلاد دون رجعة، أو ممن قضوا بعيداً في بلاد الغربة، ويتم إعلام المكتب الأمني بذلك، ليقوم بدوره بالتواصل مع مكتب دفن الموتى، وعندما يأتي الزبون يتم تحويل القبر إلى ملكيته، لكنه يُعطى رقماً جديداً، حسب ما أفاد به محمد، الذي يختم حديثه: «يُعطى المالك الجديد رقماً جديداً للقبر نفسه، وبذلك يتم تزوير الأرقام الصحيحة للقبور في السجلات، ومن ثم يتم اقتسام المبلغ بين مكتب الدفن في المقبرة، ومكتب الأمن في الحي، ومكتب الدفن في المحافظة».

حرب المقابر

المقابر في سوريا لم تكن فقط قضية تاريخية أو اقتصادية يمكن البحث فيها فحسب، بل أيضاً دخلت في عمق الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2011.

على الطريق الحجري الذي يتوسط نهر بردى وقلعة دمشق، تتثاقل خطوات المارة، يصطفون بانتظام خلف بعضهم، يفتحون حقائبهم الشخصية، ويبرزون أوراقهم الثبوتية للجنود الذين ينتشرون على بداية الطريق الواصل إلى قبر الست رقية.

هؤلاء الجنود ليسوا سوريين، بل تتنوع جنسياتهم بين اللبنانية والعراقية، في حين أن الضابط المسؤول عنهم إيراني. جميعهم قدموا إلى سوريا بُعيد اندلاع الثورة، بحجة حماية قبر السيدة رقية بنت الحسين بن علي بن أبي طالب.

هؤلاء الحراس باتوا يُعرفون الآن بحراس المرقد، يقف أبو جهاد/اسم مستعار على باب دكانه في العصرونية، يقوم بعرض بضاعته قائلاً: «هذا الدكان عمره يناهز ال 120 عاماً، ورثته عن أبي الذي ورثه عن جدي. كان هناك قبر صغير لرقية بنت الحسين، تحول منذ عام 2000 ميلادي إلى مجمع ديني ترعاه إيران، والآن ها هو مدجج بحراس يأتون إليه من لبنان والعراق إضافة إلى إيران وأفغانستان، فقط لحراسة قبر السيدة رقية».

نترك الحاج أبو عماد ونتابع مسيرنا على الأحجار القديمة التي تعبد سوق العصرونية، ونقف على باب الضريح، نرى الرايات الخضراء والسوداء إضافة إلى صور الحسين، تتصدرها صورة الإمام الخامنئي مذيلة بعبارة: «انتصرت الثورة الإسلامية».

لقد تطور هذا الصرح من قبر صغير إلى جامع ثم حوزة شيعية، والآن هو أهم المراكز التعليمية التي ترعاها إيران في بلاد الشام، والتي تحشد لها الآن الملايين من أنصارها بحجة أن هذه القبور مهددة من قبل ما تدعوهم إيران بالتكفيريين.

نتابع المسير باتجاه حي القيمرية وشارع الأمين والجورة، التي زُينت بصور شبان قضوا في الحرب التي أعلنتها إيران عبر ميليشياتها الشيعية هناك بحجة الدفاع عن مقامات آل البيت في المدينة، نسمع العديد من قصص الأمهات اللواتي فقدنَ أبناءهنّ على جبهات القتال في حرب العتبات المقدسة كما يحلو لهم أن يسمونها، نرى العديد من الشعارات التي تبارك رحيل هؤلاء الشبان عن هذه الحياة، وتعدهم بالمكوث الأبدي بجانب فاطمة الزهراء والسيدة زينب والإمام الحسين.

باتجاه جنوب دمشق، عند منتصف الطريق الواصل بين العاصمة ومطار دمشق الدولي، حيث رفعت عند مدخل بلدة السيدة زينب عشرات الحواجز الإسمنتية كجدران فصل تحجب البلدة عن محيطها. الجدار الذي تم وضعه على مدخل البلدة بطول 3 أمتار كان قد وضع عام 2013 م من قبل الميليشيات التي تسيطر على بلدة السيدة زينب، والتي تدربت في إيران، وقد خط على هذا الجدار العديد من العبارات مثل: «أرواحنا فداءً لقبر السيدة زينب»، «لن تسبى زينب مرتين»، «الدفاع عن قبور آل البيت واجب مقدس».

بلدة السيدة زينب التي كانت تعتبر من البلدات الصغيرة في الغوطة الشرقية، أصبحت الآن حصناً منيعا تتمركز فيه الميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانب إيران، وتقصف البلدات المجاورة وتنعتُ أهلها بالإرهابيين والتكفيرين. هكذا تساهم القبور في تفريق البشر.
يمنع الآن دخول البلدة إلا بموافقات أمنية، هذا التدقيق الأمني تعزوه إيران والنظام إلى حماية قبر السيدة زينب.

معارك القبور التي فتحتها إيران وكانت ذريعة لتدخلها في النزاع السوري، تُلاقي تندراً من قبل العديد من السوريين، حتى الموالين للنظام منهم، فالعديد منهم يروي قصصاً عن أفغان وباكستانيين استجلبتهم إيران للقتال في صفوفها دفاعاً عن السيدة زينب أو رقية، ولكنهم ماتوا بعيدا عن بلادهم بآلاف الكيلومترات، ولم يعرفوا أين تقع تلك القبور.
هنا في دمشق داخل كل حي يوجد مقبرة. تآلفَ السكان أن يعيشوا مع الأموات، في بيوتهم الملاصقة للمقابر جنباً إلى جنب، حتى أصبحت المقابر جزءاً من العاصمة ومن تاريخها أيضاً، والآن تشكل جزءاً من أزمتها السياسية وغطاءً لحرب الآخرين عليها، فأي حكاية سترويها شواهد تلك المقابر عند انتهاء مسلسل الموت الذي يعصف بالبلاد منذ سبع سنوات؟