مقدمات حصر الإرث

 

لقد صارت «عظامه مكاحل» إذا استخدمنا القول السوري الدارج، ولكن رغم ذلك، يرى قول سوري دارج آخر أن حافظ الأسد ما يزال يحكم من قبره. وفي ذكرى موته العشرين، لن أعمد إلى استعادة لحظة موته وما أعقبها، لكنني سأحاول أن أضع هذه المقولة الدارجة تحت الاختبار، كي أرى مقدار المجاز فيها ومقدار الحقيقة. وإذا كان أحد شعارات الثورة السورية، «يلعن روحك يا حافظ»، رداً على هذا، فإن العودة إلى عقد التسعينات، الذي عشتُ فيه مراهقتي وبدايات شبابي، عبر ذاكرتي كما سُمح لها أن تعيش، مفيدة لتلمّس تلك السنوات العشر، سنوات تجهيز «الأوضاع» لكي يستلمها الوريث بأسلس الطرق.

جيوسياسة

دخلنا عقد التسعينات في سوريا مع حفاوة بالغة ومتزايدة تمتّعَ بها كتاب باتريك سيل؛ الأسد: الصراع على الشرق الأوسط. كان الكتاب قد نُشر عام 1988، ثم صار حديثاً رئيسياً في أوساط السوريين خلال النصف الأول من تسعينات القرن العشرين. والكتاب كان ممنوعاً بقرار رسمي، وكان أحد الأقوال الشائعة أن سبب المنع يرجع إلى احتوائه على كلام تفصيلي بشأن الطائفة العلوية وعشائرها وعائلة الأسد، لكنه كان كثير التداول رغم منعه، وربما بسبب منعه، إذ أمكنَ العثور عليه بسهولة نسبية، وتمَّ تداول النسخة الواحدة منه من بيت إلى بيت. في ذلك الوقت، كان النظام السوري يستطيع حظر تداول كتاب معين بسهولة دون شكّ، أو تخفيف تداوله إلى الحد الأدنى على الأقلّ.

تقول سيرة الكتاب في سوريا أشياء كثيرة، ذلك أن منعه وانتشاره على نطاق واسع في الوقت نفسه يبدو تكثيفاً لطبيعة النظام السوري: ثمة دولتان، رسمية لا تحكم وأخرى غير رسمية هي التي تحكم فعلاً؛ وثمة خطابان، ما نقوله في البيوت وما نقوله في العلن. وتقول هذه السيرة أيضاً أشياء عن طبيعة الرقابة في سوريا، التي يحكمها الاعتباط بوصفه أسلوبَ حكم يجعل المحكومين يتوهون بين ما يجب وما لا يجب. لا يزال هذا مستمراً حتى اللحظة في سوريا الأسد.

لكن الأهم في سيرة الكتاب أنه كان عنواناً لتكريس التفكير في سوريا بوصفها «موضوعة جيوسياسية»، لا بوصفها بلداً يقطنه ملايين البشر بأحلامهم وطموحاتهم ومعيشتهم اليومية. مقولة الكتاب الرئيسية كانت أن إنجاز حافظ الأسد العظيم هو تحويل سوريا إلى لاعب إقليمي أساسي، إلى «رقم صعب» على المستوى الجيوسياسي، مع تجاهل كامل لما ترافقَ مع هذا التحويل من سحق لحيوات البشر وأجسادهم. لا يزال هذا المنظور مستمراً في أوساط النظام وحلفائه؛ ليس مهماً أن يموت السوريون ويُسحَقوا بلا رحمة، بل المهم أن تحتفظ سوريا بدورها الجيوسياسي.

يُعرِّفُ أحد أصحابنا الجيوسياسة بأنها، في مفارقة مع الدّال الجغرافي لاسمها، تعني استبدال الفضاء بالمنطق. وترحيلُ الفضاء هنا مفيدٌ جداً، لأنه يعني الاستغناء عن الناس واجتماعهم وسياستهم واقتصادهم وثقافتهم ومعيشتهم وعواطفهم، واستبدالها بمنطقٍ ما. وثمة منطقٌ، كما نعرف ويعرف لبنانيون وفلسطينيون، أتقنه حافظ الأسد، ولعله لم يتقن غيره: التفاهم مع الحدود التي وضعها الأقوى، حتى لو عنى ذلك مشاكسة هنا ودغدغة مُستدعية للاهتمام هناك ضمن الحدود نفسها، مقابل بطش إبادي كامل بمن هو أضعف إن تجرأ على أي نقد على سلطته أو اعتراض. حافظ الأسد بارعٌ في الجيوسياسة.

كان عقد التسعينيات زمنَ التكريس الفعلي لهذه المقاربة. قُبيل مطلعه بقليل كان المناخ العالمي قد تغيّر تماماً مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة التقليدية؛ سقطت منظومة الاتحاد السوفييتي وأشكال الحكم المرتبطة بها في أوروبا الشرقية، وعلى مستوى المنطقة  تم توقيع اتفاق الطائف، فانتهت الحرب الأهلية في لبنان أخيراً، وتم وضع لبنان في عهدة الأسد. وفي مطلعه احتلّ صدام حسين الكويت بعد انتهاء حربه مع إيران بقليل، وشاركت سوريا في التحالف الدولي ضد النظام العراقي، وحصد حافظ الأسد ثمار هذه المشاركة على أكثر من صعيد، متأقلماً كذلك وبسرعة مع كل المتغيرات العالمية الزلزالية . حصدها تكريساً لهيمنته على لبنان بتغطية أميركية، وحصدها على شكل مساعدة دولية مهمة في التمهيد لانفتاح اقتصادي، لم يكن في الواقع إلا توسيعاً ملتوياً لمجالات نشاط وعمل اقتصادات المحاسيب، وإتاحة لمجالات تواصل هؤلاء المحاسيب مع الاقتصاد الإقليمي.

على مستوى الذاكرة الشخصية، أتذكّرُ أن من بين الأثمان، غير الفادحة، التي دفعها حافظ الأسد لاستقرار حكمه ضمن اللوحة الجديدة، كان السماح بخروج من تبقى  من يهود في سوريا مطلع التسعينات، بعد منعهم طويلاً من السفر. ثم جاءت صوره في استقبال بيل كلينتون في دمشق عام 1997، وصور وفوده في واشنطن عام 1999، وصوره الأخيرة مجتمعاً مع كلينتون في جنيف عام 2000 قبل أشهر من وفاته، لتكون التأكيد البصري الأوضح على تثبيت معادلة سوريا كبطاقة جيوسياسية لا يمكن الاستغناء عنها في المعادلات الدولية التي تخص المنطقة. 

كان سحقُ قوى المعارضة في المجتمع السوري قد اكتمل بالتزامن مع ذلك، ونشأت عن هذه الظروف المتشابكة قدرة غير محدودة لدى النظام على قول ما يشاء وفعل ما يشاء. يستطيع أن يتحدث عن المقاومة والصمود والتصدي، وأن يشارك الأميركيين حروبهم ويمارس الهيمنة في لبنان بموافقتهم؛ يستطيع أن يتحدث عن العمال والفلاحين ويعتقل الناس بتهمة معاداة النظام الاشتراكي، وأن يتخلى عن الاشتراكية تدريجياً؛ يستطيع أن يشتم الأنظمة العربية العميلة للغرب، وأن يهدم جزءاً من حي عشوائي في دمشق كي يضمن استقبالاً لائقاً للرئيس الأميركي بيل كلينتون... والقائمة يمكن أن تطول أكثر.

كل تفصيل يثير الريبة أو يبدو غير متسق مع الرطانة البعثية، كان يتم تفسيره فوراً بالحنكة السياسية للسيد الرئيس. ألم يصبح بلدنا برمته «موضوعة جيوسياسية» على يد الأسد، يستطيع الأسد إذاً أن يفعل ما يشاء من أجل الجيوسياسة. 

في الجيوسياسة، لا يزال حافظ الأسد يحكم من قبره دون شك. يفعل النظام كل شيء ما عدا إشراك أي سوريين آخرين في السلطة؛ يتنازل عن مقدرات البلد ويتركه لاحتلالات أجنبية متنوعة، يدمر بنيته التحتية ويسلّم مطاراته وقواعده العسكرية وحقوله النفطية وموانئه لدول أجنبية، يفتح حدوده على كل أشكال الميليشيات والجماعات المسلحة، يساوم على كل شيء، ويقبل بالتنازل عن أي شيء، ما عدا قدرته على حكم السوريين وإخضاعهم بالحديد والنار. لماذا؟ لأن الأمر المهم الوحيد هو أن تبقى سوريا «موضوعة جيوسياسية» تحت رعاية السيد الرئيس، لا بشر مرئيين فيها، ولا حياة ينبغي الدفاع عنها.

سجن ومجزرة

كنتُ في مرحلة الطفولة خلال الثمانينات، ثم دخلتُ عقد التسعينات مع أحاديث غائمة عن مجزرة وقعت في حماة قبل سنوات قليلة، ومع أحاديث أكثر وضوحاً عن آلاف دخلوا السجون لأنهم «ضد الرئيس». وخلافاً للمجزرة التي تم دفن الحديث عنها تحت طبقات الرعب التي كنتُ ألمحها في عيون من هم أكبر مني، كان الحديث عن السجن السياسي أكثر وضوحاً، ذلك أننا قد بتنا في زمن الإفراج عن السجناء. كانت المجازر والمعتقلات والجيوسياسة قد أدّت مؤداها، وأصبح بإمكان النظام إزاحة بعض الهوامش، بالتزامن مع ضغوطات سياسية وحقوقية مباشرة فيما يتعلق بملف المعتقلين السياسيين، كانت تظهر في نوع الأسئلة التي يطرحها الصحفيون الأجانب على الأسد الأب في عدة مناسبات. 

قامت حينئذ محكمة أمن الدولة، كشكل مؤسساتي ومقونن لنظام القمع، بإجراء محاكمات صورية لمعارضين معتقلين من الحركات اليسارية، أفرجت بعدها عن معظمهم خلال ثلاث موجات كبيرة: 1991، 1994، و1996. وبعد أن قرأنا في بداية الصبا، عام 1991، رواية عبد الرحمن منيف؛ الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى، الرواية الكابوسية والمؤسِّسة في أدب سجون المنطقة، جاءت تلك الإفراجات لتُشعر السوريين أن هناك إنفراجاً ما، وربما يكون هذا ما حدا بهم ليتوسموا خيراً في بداية جديدة وفي «الغفران» للماضي مع تسلّم بشار الأسد مقاليد السلطة عام 2000، وليس شخصه الواعد. 

مع انتصاف عقد التسعينات، ثم انحداره نحو الألفية، بدا واضحاً أن حافظ الأسد كان يهيء وريث الغفلة، ويهيء له الظروف: بحث عن استمرار عملية تفاوضية مع إسرائيل، تُكلَّل باتفاق سلام، أو على الأقل تضمن إيجابية أميركية تجاه بقاء الأسدية، عبر التوريث، بعد حصول الحتمية البيولوجية المرتقبة؛ تخفيف التوترات مع كافة الجيران، العرب منهم، خصوصاً العراق والأردن، ولكن أيضاً تركيا بعد اتفاق أضنة؛ وترتيب البيت الداخلي مع استمرار الحملة على بقايا نفوذ رفعت الأسد وتسريع بعض التسريحات والتقاعدات العسكرية؛ وأخيراً محاولة، وإن غير لحوحة، لإطفاء المسألة العالقة مع الإخوان المسلمين، شملت إفراجات وتخفيف أحكام، وأحاديث عن وساطات للتفاوض على عودة المنفيين الراغبين بالعودة، شرط عودتهم كأفراد وعدم ممارستهم السياسة، وصولاً لإلغاء «العهد الشبيبي» الصباحي في طوابير المدارس، الذي كان يَعِدُ بالتصدي للإمبريالية والصهيونية والرجعية، وبسحق «أداتهم المجرمة، عصابة الأخوان المسلمين العميلة»، وذلك في آخر عام دراسي قبل وفاة حافظ الأسد.

بالرغم من كل تلك التناقضات، أو بسببها على الأرجح، وفي القلب منها ذاك الحضور الطاغي للمجزرة والسجن، أمكنَ للأسد الأب أن يمهّد لحقبة ابنه عبر نوع من الانفتاح «الآمن». إذاً، ليس الابن من «افتتح» الانفتاح كما يتم التسويق أحياناً. 

خبز وانفتاح 

بقيتُ سنوات طويلة أتلفّتُ حولي وأنا آكل الموز، وكأنني أقترفُ ذنباً بحق العالم أجمع. كانت سنوات الحصار قد أفرزت رمزيات فقدان كثيرة، ولعل أكثرها كاريكاتورية/ تراجيدية كان الموز، تلك الفاكهة الثمينة، الممنوعة، المُحاطة بالشائعات، والتي ليست وارداً غذائياً لا غنى عنه البتة، ولا ثمرة  صُوِّرَت في الآثار السورية القديمة كجزء أساسي لغذاء غرب ما بين الرافدين، ولكنها ارتبطت بالحصار، وبلبنان كمنفرج تهريبي لمناهضة الحصار، يصلنا منه الموز الصومالي بأسعار عالية في أحسن الأحوال، والموز الصغير الملقبّ بـ «اللبناني» في الأحوال الأقل يسراً.

لعلّ أطرف شائعة سرت حينها كانت أن الموز مفقود لأن حافظ الأسد أوعزَ بعدم استيراده، بعد معرفته أن الشركة التي تستورده للشرق الأوسط يملكها... ياسر عرفات! جيوسياسة  وموز. في تلك السنوات، سمعتُ أو قرأتُ مصطلح «جمهوريات الموز» للمرة الأولى، وكـ«رفيق شبيبي»، شعرتُ بالفخر لأن سوريا ليست من تلك الجمهوريات الواهية الفاسدة والمستباحة التي تحكمها شركات استيراد الفاكهة الأميركية. لكنَّ جانباً هرطوقياً في داخلي، يقبع على معدتي، تحسّرَ وتمنى لو أننا كنا جمهورية موز.

وبالحديث عن لبنان وموزه، لا بد من استذكار بسكويت غندور بالعلبة الحمراء الكبيرة، وأنواع الشوكولا الاجنبية التي كانت تصل لِماماً وتهريباً إلى بعض محلّات المدن. المفضلة لديَّ كانت الشوكوبرِنس بالورقة الذهبية، كان التهامها التهاماً للحصار، الحصار الذي لم يكن قاسياً بالمعنى الأول للكلمة، لم نكن جائعين، وكنا نأكل أكلاً جيداً يمكن أن نصفه بالعضوي حالياً، ولكنه كان حصاراً  محسوساً على مستوىً آخر، لم نكن نعيه تماماً حينها.

 في سنوات مراهقة إخوتي الأكبر مني، في الثمانينات، كانت «المؤسسة الاستهلاكية» منفذاً على العالم، حتى أن واحداً منهم يطلق على السوبرماركت في أوروبا حيث يعيش اليوم تسمية «مؤسسة». ومن وظائف النساء الكثيرة التدبيرية في ذلك الوقت، كانت متابعة وصول المواد الأساسية من أرزّ وسكر وسمنة، وإرسال فتية العائلة للوقوف في الطوابير. كان الطابور في الثمانينات طقسَ بلوغٍ للصبيان والبنات، بالأحرى  كان طابور الغاز طقس بلوغ الصبيان، والطوابير الأخرى يمكن للبنات المشاركة فيها. عدا ذلك، كان من بين المهام في دمشق الطبقة الوسطى تقفّي آثار وصول الصفقات من الصين. حظوظ البنات من تلك الصفقات الصينية أوفر من حظوظ الصبيان، فالتطريز الصيني الآلي لفساتين «عش البلبل» كان يعطي لمسات أناقة أكثر من «بواط» الفوتبول السوداء الصينية بـ «البزابيز» للصبيان. كان الجميع يلبسون نسخاً مكررة من الفساتين المطرزة وأحذية البزابيز السوداء الرياضية. ورغم ذلك، كان من إشارات الصمود والقدرة على العيش أنَّ الناس يصنعون تمايزاتهم الصغيرة، باللون المختار للفستان الموحد مثلاً.

كانت المواد التي تأتي عبر الصفقات إياها، وأقول صفقات بمعنى أنها «جَلَبٌ» محدد لمادة استهلاكية لا تُكرَّر، تنتشر بسرعة الهشيم في البيوت القادرة على شرائها قبل أن يتم نقاش ماهيتها والحاجة إليها فعلاً، ومن أغرب تلك الصفقات في الذاكرة  كانت معلبات لمادة غذائية غير محددة المعالم، جلبها أصدقاء أهلي وفتحها الجميع في طقس احتفالي لاكتشاف كُنهها؛ طبقات عجينية تتخللها طبقة لحم غير محدد المعالم والمصدر، بدون كتابة المحتويات على العلبة، وبطعم غريب. بعد سنوات عديدة عرفنا اسمها: لازانيا. 

إلا أن أكثر ما طبع ذاكرة إخوتي الأكبر عن الثمانينات، كان العام الذي قرَّرَ فيه عبد الرؤوف الكسم، رئيس الحكومة وقتها، أن يقدم الساعة الشتوية ساعتين كاملتين، فأصبحت رحلة الذهاب اليومية إلى المدرسة رحلة ليلية ، تتطلب الإضاءة. تمرين الصمود هذا لم يكن سهلاً ، حتى أنه جعل أحد أخوتي يربط  الاستيقاظ لقضاء الأعمال باكراً بـ «الأعمال الحربية» المرتبطة بالحصار. 

مع بداية العقد الأخير من حكم حافظ الأسد جاء التخفّف من أعباء حصار الثمانينيات الاقتصادي، بنتيجة كل المعطيات الدولية المستجدة، وصدر عام 1991 القانون  رقم  10 لاستثمار الأموال في الجمهورية العربية السورية، وينص على استثمار أموال المواطنين العرب السوريين المقيمين والمغتربين ورعايا الدول العربية والأجنبية في المشاريع الاستثمارية، ضمن إطار خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة للدولة. هكذا بدأ أصحاب الأموال بالاستثمار، وحتى السوريون والفلسطينيون السوريون الذين خرجوا من الكويت بدأوا باستثمار مدخراتهم في مشاريع في سوريا.

من بين هذه الاستثمارات جاءت شركات النقل الخاصة الكثيرة، ومعها دخول السرافيس الصغيرة إلى صيغة النقل العام، بعد أن كانت الشركات التعاونية الأهلية هي التي تحكم صيغ التنقل بين القرى الصغيرة والمدن الأكبر، وبعد أن كانت شركة الكرنك تهيمن على النقل بين المحافظات. وكان لتسهيل التنقل هذا أثر مهم في نمط الاستهلاك والتفاعلات الاجتماعية في سوريا، وكان لقانون الاستثمار كذلك أثر كبير على المنتج الثقافي الجماهيري الأساسي؛ الدراما التلفزيونية التي شهدت دخول شركات إنتاجية جديدة تمكنت من طرح معايير جديدة في الإنتاج الفني، يتجاوز المعايير الأحادية للتلفزيون العربي السوري. وشهدت تلك المرحلة كذلك افتتاح أو توسع نشاطات عدد من المراكز الثقافية الأجنبية، بدايةً في دمشق وحلب، ومن ثم في المدن الأصغر مثل حمص واللاذقية.

ومن لم يكن يعرف لبنان قبل وأثناء الحرب الأهلية من الأجيال الصاعدة في سوريا التسعينيات، أصبح بإمكانه أن يزورها بعد انتهاء الحرب رسمياً، ويتعرَّفَ على أنماط عيش أكثر انفتاحاً، إما عبر الرحلات التي كانت تنظمها الهيئات المختلفة والنقابات المهنية، أو عبر العمالة السورية الجديدة مع بدء إعادة إعمار لبنان، أو للتواصل مع المناخات الثقافية اللبنانية بالنسبة للمشتغلين في الحقول الثقافية السورية.

في الواقع، التقت في عقد التسعينات عوامل عديدة، متضافرة، أشعرت الناس بتحسّن بالأوضاع: نهاية أعوام الحصار بعد تغير التموضعات السياسية للنظام؛ تحسّن علاقته مع الولايات المتحدة مع انضوائه في مؤتمر مدريد للسلام ومشاركته في تحرير الكويت وتنسيق إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية؛ دخول الهبات والاستثمارات الخليجية بُعيد حرب الخليج؛ و«إصلاحات اقتصادية» كانت في جانب أساسي منها تهدف إلى تجهيز «بيئة الأعمال» (هذه رطانات الأسدية الثانية، البشّارية) لاستثمار الأموال المنهوبة خلال العقود السابقة، وتشغيل الأموال المنهوبة من لبنان، وفتح المجال للجيل الأسدي الثاني، لكي يكون أبناء الضباط والمسؤولين «مستثمرين» و«رجال أعمال»: أبناء عبد الحليم خدام، أبناء مصطفى طلاس، أبناء بهجت سليمان، المهربون وقادة مجموعات الشبيحة من عائلة الأسد… وأيضاً يوتيوبر وداعية ديني ومصلح اجتماعي شهير، هو ابن حوت الفساد محمد مخلوف خال بشار الأسد، واسمه رامي. سيبزغ نجمه أكثر مع مجيء الوريث، ابن عمته، إلى الحكم.

لكن هذا التحسّن الاقتصادي النسبي، وأغلبه كان نتيجة انتهاء أزمة الثمانينات، بقي دون وضع السوريين في مصاف الوضع المعيشي لمواطني دول عربية غير نفطية أخرى، غير أنه جاء أيضاً مترافقاً مع التخفّف النسبي من بعض أقسى مشاهد السلطة العارية التي حكمت الثمانينات، مثل فتح شوارع كانت مغلقة «لأسباب أمنية»، وإزالة كتل إسمنتية ومراكز حراسة، وتخفيف الحواجز الأمنية على مداخل المدن وفي الطرقات العامة، ليتمّ تقديم كلّ هذا وكأنه خلاصة الـ «باكس أسديانا»؛ السلام الأسدي الذي عنى تجميد التناقضات والصراعات، وفرض نسق من «الاستقرار»، يقوم على أنه من المسموح لك أن تعيش وفق مقدرتك على الكسب، وأن تستهلك الموجود وأن تترفّه بالممكن. نقطة. لا تبحث عن الـ «وإلا..» في نهاية هذه الجملة. لم تكن هذه مساومة. بطل الحسام والسلام لم يكن يرى سوريين يُساوم معهم، لم يكن بحاجة إلى ذلك، فتدمُر ما زالت موجودة (ما يسمّيه السياح وعلماء الآثار تدمر أو بالميرا نسمّيه نحن «آثار تدمر». تدمر حاف هي شيء آخر، هي كود التعريف عن «الحاف الأسدي»)، وحماة أيضاً ما زالت طازجة. لا وقت لدى حافظ الأسد يضيّعه، فقد كان مشغولاً بالعلاقة مع بيل كلينتون.

دراما

كان عقد التسعينات أيضاً عقد صعود الدراما التلفزيونية، لتكون شكل الإنتاج الثقافي الفني الأبرز الذي تقدمه سوريا. ولا يمكن فصل اختيار التركيز عليها، دون غيرها من أشكال الفن، عن مسألة الانفتاح الاقتصادي ذي الطبيعة النيوليبرالية، إذ أنها كانت مربحة عبر السوق الخليجي بشكل رئيسي. كما أنها كانت وسيلة التأثير الجماهيري الأولى مع شيوع التلفزيون في كل البيوت، ثم دخول عصر القنوات الفضائية.

يحضر مسلسل هجرة القلوب إلى القلوب، الذي تم بثه عبر التلفزيون السوري للمرة الأولى في ربيع 1991، بوصفه علامة فارقة في ذاكرتي. تم إنتاجه بالشراكة بين التلفزيون العربي السوري ومؤسسة الخليج للأعمال الفنية، كتبه عبد النبي حجازي وأخرجه هيثم حقي، وكان تكريساً لثيمة ستصبح أكثر حضوراً في الأعمال الدرامية السورية اللاحقة، وهي ثيمة الأعمال التي تتناول تاريخ سوريا القريب قبل وصول البعث إلى الحكم، ومنها حمام القيشاني، الذي كتبه دياب عيد وأخرجه هاني الروماني، وكان جزؤه الأول عام 1994، ثم مسلسل خان الحرير عام 1996، الذي كتبه نهاد سيريس وأخرجه هيثم حقي، وكان يحمل شيئاً من النوستالجيا لسوريا المعاصرة بُعيد الاستقلال. 

لم يكن هناك شركات إنتاج تلفزيوني خاصة في سوريا وقت إنتاج هجرة القلوب إلى القلوب، وسيأتي ظهورها بعد ذلك بقليل على يد شركة الشام الدولية، التي أسسها واحدٌ من أبناء عبد الحليم خدام، والتي أنتجت لاحقاً بعضاً من أضخم الأعمال وأهمها في عقد التسعينات وما بعده؛ عيلة خمس نجوم عام 1994، الكوميديا السوداء التي تحكي  معالم انهيار الطبقة الوسطى المدينية في دمشق الثمانينات والتسعينات، وفي العام نفسه مسلسل نهاية رجل شجاع الذي لا يغيب عن ذاكرة أي سوري تقريباً بتقنيات تصويره الجديدة، وفي 1996 مسلسل يوميات مدير عام، الذي اعتُبر وقتها عملاً يفضح الفساد في أروقة الإدارة العامة السورية في إطار كوميدي، وفي العام 1998 الجزء الأول من مسلسل أخوة التراب، الذي كان عودةً إلى أواخر الحقبة العثمانية في سوريا، تم توظيفها سياسياً في سياق توتر العلاقات مع تركيا وقتها، وكانت عملاً غير مسبوق في سوريا من حيث التقنيات التي استُخدمت فيه.

ساهمت شركة الشام الدولية في تقديم نجدت أنزور كواحد من أهم المخرجين السوريين، عبر نهاية رجل شجاع والجزء الأول من أخوة التراب، وكانت لأنزور بصمة إضافية عبر مسلسلات الفنتازيا التاريخية. كان هذا النوع من المسلسلات قد ظهر قبل ذلك في أواخر الثمانينات، عبر مسلسل البركان الذي أخرجه محمد عزيزية، ومسلسل غضب الصحراء الذي أخرجه هيثم حقي، وكلاهما من تأليف هاني السعدي. لكن الصعود لهذا النوع من المسلسلات جاء عبر الجوارح، الذي كتبه السعدي نفسه وأخرجه أنزور وأنتجه مركز دبي للأعمال الفنية، وكان حتى ذلك الوقت أكثر الأعمال الدرامية السورية انتشاراً في العالم العربي.

كان مطلع عقد التسعينات قد شهد ولادة «خط إنتاج» درامي آخر، سيحتفظ بحضوره البارز حتى اليوم خلافاً لخط الفنتازيا التاريخية الذي خبا نجمه لاحقاً، وهو خط مسلسلات البيئة الشامية، الذي كان مسلسل أيام شامية عام 1992 نقطة انطلاقه الرئيسية، وكان من كتابة أكرم شريم وإخراج بسام الملا، ومن إنتاج التلفزيون السوري. باتت مسلسلات البيئة الشامية لاحقاً أشبه بمنجم ذهب لسهولة تسويقها في العالم العربي، والأهم أنها كانت موضعاً مميزاً لتكوين وتحميل خطاب سياسي يتعلق بالحارة المغلقة على نفسها طلباً للأمن، أو لنقل بالحارة كسوريا وكوطن.

ولدت الدراما التلفزيونية السورية من جديد إذاً في العقد الأخير من حكم حافظ الأسد، وبإمكانيات وتأهيلات أفضل، بعد أن كبر المعهد العالي للفنون المسرحية بانتقاله من دُمّر إلى ساحة الأمويين عام 1986، حين صار يخرّج دفعات من ممثلين مؤهلين مسرحياً على مستوى عالٍ بالنسبة لإمكانيات البلد. وكانت معالم ولادتها الرئيسية هي إنتاج ما يصلح للتسويق وجني الأرباح في السوق الخليجي، وإيكال مهمة الإنتاجات الضخمة إلى شركات خاصة يملكها محاسيب النظام في الغالب، ومقاربة التاريخ السوري باستثناء حقبة تمكين الأسدية في السبعينات والثمانينات، وتناول الزمن الحاضر بفساده وانهياراته الاجتماعية والاقتصادية، دون تجاوز خطوط حمراء، رسمها باقتدار مسلسل يوميات مدير عام، عندما تحدَّثَ عن الفساد دون المسّ بأي مناصب قيادية عليا، وعلى نحو مخادع يبدو فيه الفساد عطباً أخلاقياً لا مسألة سياسية.

ستحدث تغييرات طفيفة فقط في هذه المعالم خلال عهد الوريث، أهمها تعدد الشركات الخاصة وتشابك العلاقة أكثر مع شركات إنتاج عربية، وتقديم إنتاجات أكثر ضخامة تناولت حقباً متنوعة من تاريخ المنطقة البعيد، لعلّ من أبرز أمثلتها ثلاثية حاتم علي ووليد سيف الأندلسية. ومن التغيرات المهمة أيضاً تَوسُّعُ إنتاج الدراما المعاصرة، وتقديمها بشكل شديد التركيب والعمق في بعض الأعمال، على نحو يناور بذكاء عند الخطوط الحمراء دون أن يقطعها، وهو ما مكّنَ حتى من تناول حقبة الثمانينات المخيفة في بعض الأعمال، كما في مسلسل لعنة الطين عام 2010، للكاتب سامر رضوان والمخرج أحمد ابراهيم أحمد. كما مكّنَ هذا من الحديث عن فساد في دوائر القيادة العليا في أعمال عديدة، مع إحالات إلى فاسدين خونة كبار من عيار محمود الزعبي وعبد الحليم خدام، دون ذكر الأسماء طبعاً في أي وقت.

والحال أن الدراما كثقافة جماهيرية، وعنصر جامع في ذاكرة السوريين المعاصرة، كانت السطح المقروء الأكثر مباشرة، الذي يُعبِّرُ عن «روتشة» النظام لمظهره ببعض الانفتاح، وهو ما بدأ بوضوح منذ بداية العقد الأخير لحكم حافظ الأسد. كانت الدراما كذلك مؤشر عباد الشمس الذي امتهن السوريون قراءته عن الخطوط الحمراء وفنون الرقابة، والتي على الرغم من ذلك ما فتئت تصنع لنا مفاجاءات، على مستويات أخرى، كما حصل مثلاً عند منع عرض فيلم نجوم النهار للمخرج أسامة محمد، وهو الفيلم الذي صُنع في المؤسسة العامة للسينما، المؤسسة الحكومية التابعة لوزارة الثقافة.

هكذا تم التأسيس في عهد حافظ الأسد لترك المساحات الثقافية الحيوية في سوريا في واحاتها الضيقة، على ألّا تصنع حقلاً عاماً للثقافة السورية، وأن تبقى واحات محصورة ضمن خطوط، لكنها خطوط متراوحة أصبح الفاعلون في الحقل يحددونها بأنفسهم بانضباط.

يحكم من قبر

قلتُ في أكثر من موضع إن حافظ الأسد يحكم من قبره، أو إنه لم يمت بعد. وليست هذه العبارات من إنتاجي ولا خاصة بي، ولهذه العبارات ترجمة أكثر شعبية، وهي لعنُ روح حافظ الأسد في المظاهرات وفي أحاديث المعارضين منذ العام 2011. هل لدى الرجل قدرات استثنائية فوق بشرية تجعله يحكم من غياب، على طريقة خطابات بعض الأنظمة الثيوقراطية؟ أم أنه كان عبقرياً إلى درجة أنه «خطط» ما يجب أن يُفعل لعقود تلي موته؟ في الحقيقة، لا هذا ولا ذاك.

يُفهم لعن المعارضين لروح حافظ الأسد أكثر حين نرى أن معسكر النظام يسمّيه «القائد المؤسس». مؤسس لأي شيء؟ كانت سوريا ما بعد الاستقلال ناجزة حين أتى حافظ الأسد (ولو ناقصة التراب بسبب احتلال الجولان عام 1967، وحافظ الأسد كان وزير دفاع حينها). ونظام الحكم، البعثي، كان قائماً، و«الحركة التصحيحية» لحافظ الأسد غيّرت فيه، ظاهرياً، مجرد رتوش؛ فماذا «أسس» حافظ الأسد بالضبط؟ 

لقد أسَّسَ حافظ الأسد الأسدية، لمركّب العنف والمال والولاء الذي يحكم فعلاً، ويسعى للأبد، وجاعلاً أي شكل مؤسساتي للدولة، جيشاً وأمناً وقضاءً وحكومة.. الخ عبارة عن منفّذ روتيني لقراراتها، بأحسن الأحوال. وأهم أركان الأسدية نجدها في عقيدة إخراج السلطة من أي سياق صراعي أو سجالي من أي نوع، وجعلها ناظمة لكل نسق يأتي تحته. فبالعنف السخي، وبالوعود بعنف أكبر وأكثر لا حدود له إن لزم الأمر، جَعَلَ السلطة شأناً راسخاً، وجَعَلَ إمساكه بها من «طبيعة الأشياء» في بلد ذي علاقة هوسيّة بالانقلابات، بلد كان عصياً حتى على جمال عبد الناصر في أوج لحظات قوّته، ولم تكن علاقة أهله بالسلطة وتغيّراتها بالغة الدموية.

كثيراً ما يتندر السوريون على فترة عدم الاستقرار والانقلابات السياسية، كان فيها اعتقال، وكان يحصل أن يقع قتلى أحياناً، لكن لا الكم ولا النوع مشابهان لما أتى بعدها بعقود. أحد معارفي، من قُدامى المناضلين الشيوعيين منذ يفاعته أيام الاستقلال، كان يتندّر بوجود بقجة معلّقة بجانب باب البيت، إذ كان يُعتقل بعد كل انقلاب، بل كان اعتقاله الروتيني بمثابة إخطار لحارته بأن «انقلاباً» قد مكّن الحكم لجماعة جديدة، إلى حين. في كل اعتقالاته، بالكاد أكل صاحبنا صفعة أو ركلة، لكن آثار التعذيب في جسده بعد اعتقاله البعثي الأول، والأخير، الاعتقال الذي أخرجه من السياسة تماماً، هي خير تجسيد للقفزة النوعية في مدى العنف والاستباحة. إذاً، باستثناء حقبة الوحدة التي لمع فيها عبد الحميد السرّاج (وهو اليوم مزحة مقارنةً مع أي ملازم في الأمن العسكري)، فإن حافظ الأسد هو الذي «أسَّسَ» نهايات واقع الرعب الشّال والرضّ النفسي المديد: الاقتراب من السلطة ثمنه الدم، ولا دم في سوريا ولا في المشرق يكفيان لسداد هذا الثمن.

وقد لاقى «تأسيس» حافظ الأسد هذا طلباً دولياً. القوى الكبرى تُفضّل الحديث مع حافظ الأسد طوال 30 عاماً، على أن تحكي مع بلد غير مستقر، ومع حكام متغيرين كل سنتين أو ثلاث أو أربع. وهذا التفضيل يُمكّن القوى الدولية، اللاعبة الفعلية في شطرنج الجيوسياسة، من أن تبلع حتى معمر القذافي، فما بالك بشخص «يفهم» عليهم جيداً مثل حافظ الأسد، بغضّ النظر عن مناوراته ضمن الحدود المقبولة لهذا «الفهم»؟

تحويلُ سوريا إلى موضوعة جيوسياسية، إلى لاعب بحت، وبلد صامت يحكي باسمه شخص واحد، هو مأساتنا كسوريين، وهو ما أسَّسه حافظ الأسد. ولم يكن ذلك نتاج عبقرية استثنائية، بل كان نتاج امتزاج الوحشية المفرطة مع «شطارة» غريزية في الحفاظ على البقاء. إذا كان  ثمة «ذكاء» في سيرة حافظ الأسد ونظامه، فهو متعلقٌ بمسألة واحدة فقط؛ تأسيس النظام كلّه على الانضباط في مبدأ واحد لا محيد عنه؛ المهم هو الاحتفاظ  بالسلطة بأي ثمن، ولا شيء آخر.

بالاستناد إلى هذا المبدأ، قام حافظ الأسد بـ «تجهيزنا» خلال عقد التسعينات. فكّكَ الألغام الإقليمية والمحلية التي قد تعترض سبيل التوريث، وقام برسم المعالم الرئيسية لحياتنا بما يتناسب مع تأبيد الحكم، وفتح أمام وريثه طرقات تسير باتجاه واحد؛ كل السلطة على السوريين وحياتهم، وأي شيء آخر قابلٌ للمساومة مع الأقوياء الذين يديرون العالم. نقول بعد عشرين عاماً إن حافظ يحكم من قبره، لأن الحصاد الدموي خلال العقد الماضي كان ثمرة الزرع الذي نثر بذوره حافظ الأسد.

وعليَّ أن أعترف أنني تعبت من أن يحكمني حافظ الأسد، حيّاً كان أم ميتاً.