مقطع من رواية «رجل من ساتان»

ترصد رواية رجل من ساتان حقبات تاريخية وحوادث مرّت بها مدينة طرابلس اللبنانية، بُعيدَ الانتداب الفرنسي ومنذ عودة فوزي القاوقجي إليها عشية اندلاع الحرب الأهلية، وصعود نفوذ حركة التوحيد الإسلامية، والأثمان التي دفعتها المدينة إثرَ الخلاف بين حافظ الأسد وياسر عرفات.  

تروي الحكاية عن حياة عائلة أكومة في حيّ باب التبانة، وعن الصراع السياسي القائم بين آل كرامي وآل المقدم، وتأثير هذا الصراع على شبكة الفتوّات والقبضايات في الأسواق الداخلية وساحة التلّ. وتتتّبعُ الرواية الحياة السرية لبطلها نبيل الذي يكتشف باكراً هويته المثلية، حيث تتشابك الهويات مع ما تفرزه المدينة من أشكال عمرانية واجتماعية وسياسية، ليصبح نبيل صورة عن تحولات طرابلس وبُناها.

فيما يلي مقطعٌ من هذه الرواية.

*****

رآها خالد أكومة أول مرة في خمارة أنطون، مرتدية فستاناً من الساتان. كان مرفقاها مُثبّتان فوق الطاولة، وبيدها كأسٌ من المارتيني ترشف منه بتمهل. كانت ترمي نظرات عابثة نحو الرجال المتحلقين حول طاولات تعجّ بصحون الشنكليش والحمص المتبّل والسجق المغمس بالحامض، يتنافسون على إنهاء بطحات العرق السبعلاني.

يجتمع في خمارة أنطون صحافيون وعمال مطابع ساحة النجمة، ومحامون متدرجون ممن يستهويهم القمار مع نزلاء فندق الأهرام. يبقى بابُ الخمارة مُشرعاً للصبية العاملين في محلات الفول المجاورة ومطعم جمّول وفرن مرعش، يدفشون مزلاجه بأقدامهم المنهكة من كثرة التوصيلات، لنقل الخبز المُحمّر وصحون الطعام للرجال الشاربين، الذين لا يُبدون حماساً في قعداتهم، إلّا حين تقف لتغني. 

كانوا ينادونها ناهد، وقلّةٌ منهم تعرف اسمها: غلوريا مزراحي، ابنة الخياط مناحيم مزراحي وزوجته ميريت شطاح. تقّصدَ أنطون إخفاء هويتها، حين عرّفه بها جرجي عاقوري، مُدّعياً أمام الجميع أنها قريبته. 

«مقطوعة من سجرة»، يلفظها أنطون بلهجة متلكئة. 

تركَ بيت أهله باكراً في ذوق حلبا. جاء ببقجة ثياب بالية. وسرعان ما استطاع، بعمله في تهريب السلاح عبر المرفأ، أن يُحصِّلَ ثروة أعانته على شراء مكتبة وتحويلها إلى حانة. احتفظ لنفسه بكتابين: تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوي، ورباعيات الخيام، ترجمة أحمد رامي. لم يدَّعِ يوماً الثقافة ولم يتفزلك أمامهم بكلمة. يستمع إلى أحاديثهم ومناكفاتهم في السياسة، وعن قرارات جمال عبد الناصر الإصلاحية في مصر، وتفاقُم الأزمة اليمنية.

تُخرِجُ غلوريا مزراحي من حقيبتها غليوناً. تُشعِلُهُ بتباهٍ أمامهم. تنفث الدخان من شفتين نبيذيتين. سرعان ما أثارت انتباهه. شعرٌ مسربلٌ على آخره، يلمع بفعل أضواء النيون التي قرَّرَ أنطون تحديث حانته بها، كما جاء بغلوريا لتؤنس زبائنه الجدد.

«بدي دم جديد. الزبون بِحبّ يتفرّج»، قال أمام صديقه خياط الأجاود، كما يشتهر جرجي الذي تمكن من أصول الخياطة لدى المعلم مناحيم. 

فنصحه صديقه بها، «بنت مرباية. خريجة مدارس وكلاس. وصوتا حلو». 

حين أتى بها العاقوري تأمّلها أنطون مليّاً. راح يراقب حركات يديها المتوترتين دوماً. لا تشبه بنات البارات. هذا ما استنتجه من جلستها الخجولة وأجوبتها المقتضبة. 

تشرب بهدوء. تتهامس مع صديقاتها حول طاولة لا تبعد كثيراً عن طاولات الرجال. تغني للجالسين الطقاطيق. يعجبهم صوتها وهي تعيد مقطعاً لنعيمة المصرية: 

تعالى يا شاطر نروح القناطر، 

هاودني ودينك، ما تكسر لي خاطر

هات القزازة واقعد لاعبني، 

دي المزة طازة والحال عاجبني

هنيني بخفتك واسقيني بذمتك

في قربك يا غالي اغنى الليالي

مذّاكَ النهار، وقعَ خالد أكومة في غرامها. تحايلَ مراراً كي يلتقي بها. صار يلاحقها. يترّصدها. أرسلَ لها الورد وحلاوة الجبنة إلى شقتها. فطلبت منه أن لا يرسل شيئاً بعد الآن.