ملاحظات بخصوص الكتابي والشفاهي في سورية

 

1- ارتبطت الكتابة في تاريخنا الحديث بنشوء ثقافة جديدة وقيم جديدة أقرب إلى الدنيا والمجتمع والنفس البشرية، عصر من «اليقظة» و«النهضة»، والتدوين الجديد. ارتبطت أيضاً بالتعلم العام، وبظهور المُصلِح الاجتماعي والمثقف، ومفهوم الثقافة نفسه، والحزب السياسي، والسياسة ذاتها كشأن «جمهوري» أو عام، والدولة كجمهورية، وكذلك التغيّر السياسي والثورة. لم تكن الكتابة ثورية وتغييرية دوماً، لكن تطلعات التغيير والثورة كانت كتابية، تعبر عن نفسها كتابة. ولطالما كانت وثيقة الصلة بالتمرد على السائد الاجتماعي والسياسي والثقافي، أي بالحرية والإبداع. وإذ تخاطبُ الكتابةُ العموم، فإنها تكون مجالاً للالتزام وتعبيراً عن المسؤولية العامة. وهي بعد ذلك وثيقة الصلة بما هو مُنظّم من دولة ومؤسسات ومنظمات سياسة واجتماعية. فإذا كان الكتابي هو ما يُنشر ويُعمَّم، وما تتشكل من أجله مؤسساتٌ للتعليم والنشر، فإنه بهذا المعنى مستوى للوجود الاجتماعي، يتجاوز الكتابة كفعل أفراد. الكتابي في عصرنا مرتبط جوهرياً بالدولة كبيروقراطية وكنظام تعليم وتأهيل عام ومنتج أرشيف. بالمقابل، يرتبط الشفاهي بالخاص، بالبيت والأهل والجماعة الضيقة، بالحميمي، ولكن كذلك بالنميمي إن جاز التعبير، أي ما لا يقال علانية ولا يُعمَّم، وبالإشاعة، أي ما يتعذر التوثق منه. الشفاهي كذلك مجال التواصلات اليومية والتعاملات الودودة أو غير الودودة، لكنه ليس فضاء لمسؤولية عامة ولا لعمق الفكر، ولا لنشاط منظم. ومن حيث يقبل الكتابي الحفظ، فإنه من جهة يسهم في بناء ذاكرة وحمايتها من التزوير الفظ، ومن جهة ثانية يمكن أن يكون تراثاً وركيزة لما يأتي بعد. الشفاهي لا يحفظ تعريفاً، وما قد يُتذكَّرُ منه عرضةٌ لشكوك وجيهة بصحته.

2- في سورية، تطورت الحياة العامة، السياسية والاجتماعية، في الحقبة الأسدية باتجاه الشفاهي. إلى جانب ثنائيات أخرى كثيرة في بنية الدولة (حاولتُ إظهار بنيتها في «السلطان الحديث»، ومنها بخاصة ثنائية الدولة الظاهرة والدولة الباطنة)، ثمة كذلك ثنائية الكتابي والشفاهي. الباطنُ شفاهي (لا يُنشر ولا يُعمم حين يكون مكتوباً، فلا ينتمي إلى مجال الكتابي) والظاهر هو ما يمكنه أن يكون مكتوباً وكتابياً. لكن كما أن الدولة الظاهرة بلا سلطة، فإن المكتوب الظاهر قلّما يقول ما يقول إنه يقوله، فلا هو نشر لحقائق يمكن التحقق منها، ولا هو يخاطب جمهوراً معنياً، ولا هو قابل للمساءلة، دع عنك المنازعة. وهو بعد ذلك «صحيح» دوماً، لكن برهان صحته هو الدولة الباطنة المخيفة التي تحميه من المسائلة. وهذه الدولة شفاهية بقدر كبير، غير علنية، ولا تتكلم كلاماً عاماً. وهي بعد ذلك تراقب الكتابة المستقلّة، وتمنعها من أن تتناولها هي كموضوع، أو بنية السلطة الداخلية ونمط ممارستها، أو الطبقات، أو الجماعات الأهلية. أي أن كل ما هو أساسي عن الحياة العامة في البلد لا يقال. بالمقابل، ما يقال لا يشرح، لا يبرهن، لا يخاطب عموماً يسألون فيتحمل المخاطِبون مسؤوليته. والقصد أن الأمر لا يرتد إلى أن الدولة شفاهية، بل هي كذلك مُعمِّمةٌ للشفاهة، أو لكتابة لا تعرض نفسها للتفحّص العام، كتابة شفاهية إن جاز التعبير. ولعل رمز الكتابة الشفاهية هو نوع كتابي قد لا يكون معروفاً على نطاق واسع خارج سورية، أعني «كتابة التقارير». التقرير هو وشاية مكتوبة بخط اليد، يقدمها مخبر لجهاز أمني، أي إحدى وكالات الدولة الباطنة، يقول فيها إن شخصاً أو مجموعة قالوا كذا مما يفترض أنه ضد النظام، أو يفكرون في فعل كذا ضد النظام، ويتواتر أن تكون التقارير كيدية. نحن هنا أمام كتابة، لكنها كتابة خاصة، تدفع نحو إخلاء المجال العام وتقويض أية انتظامات اجتماعية أو سياسية مستقلة، بإشراف ما يُفترض أنها التحقق العام للمجتمع، الدولة. وأوْلى ما يفعله شخص يخشى الاعتقال هو إخفاء أو حرق أي وثائق مكتوبة تدلّ عليه، وأي شيء كتبه يعبّرُ فيه عن آراء ومواقف في الشؤون العامة. يُدفَعُ المجتمع إلى النطاقات الخاصة، حيث يسود الشفاهي كنمط تواصل، ويُدفَع الأفراد إلى داخل نفوسهم (وهم يُطارَدون حتى هناك بالتعذيب، لإخراج النفس المختبئة). منذ وقت مبكر من تاريخها دخلت الدولة الأسدية في تعارض بنيوي مع الكتابي الذي هو عام وعلني وإقناعي، وارتبط هذا التعارض بصورة وثيقة مع تراجع صفتها العامة وتقدم خصخصتها. لقد سار تقدم اللاكتابية أو الشفاهية وخصخصة الدولة معاً يداً بيد في سورية. لم تنقرض الكتابة ولم ينعدم الكتاب، لكن عبر السنين لم يعد الكتابيّ مستوىً للحياة الاجتماعية والسياسية، صار حاشية تزيينية لأجهزة النظام الإعلامية والثقافية، شيئاً منفصلاً عن النقاش والمسؤولية والجذرية. وبالقدر نفسه انفصل عن المنابع القيمية للكتابيّ كما أخذت تظهر في عصر النهضة، من تعلّم عام وفردانية وتغيير وجمهورية وثقافة. وحيث استمرت هذه المنابع، فقد انحصرت في نطاقات أضيق كممارسة فردية لمثقفين وكتاب، كانوا يزدادون عزلة. ومعلوم أن أفضل النتاج الكتابي السوري في الخمسين سنة الماضية نُشِرَ خارج البلد، وقلما أمكن قول شيء عنه داخل البلد وقت نشره أو في أي وقت. هذا فوق امتناع الكتابة عن منبع هذه الأمية المفروضة، إذ تستحيل كل الاستحالة الكتابة الجدية عن بنية الدولة الأسدية ونمط ممارسة السلطة العمومية. فاللاكتابية شرط سياسي، وبخاصة حيال الشأن السياسي، لكنها لا تقتصر عليه. فبما أن الكتابة فاعلية مستقلة، لا تعترف بسلطة خارجها، فإن ما لا يُحتوى منها فيفقد استقلاله يجري تهميشه وعزله.

3- انتفعت المؤسسات الدينية الرسمية من شرط اللاكتابية العام، عبر استنفار حراس النظام لمراعاة محرمات حراس الدين في حوادث معلومة متكررة. وطوَّرَ المجالُ الديني، رغم أنه كتابيٌّ من حيث المبدأ، خصائصَ شفاهية قوية بفعل فقدان استقلاله ومسؤوليته الذاتية، وتفاقمت خصائصه التكرارية الأصلية، ولم يعد يطرح للعموم في فضاء مستقل. تكوين المعرفة الدينية الإسلامية المنتهي الذي لا يعدله ويراجعه تفكير ديني متجدد يتوافق مع المزيد من ضمور التكوين الكتابي الأصلي. الكتابيُّ اكتسابيّ، نكتسبه بالتعلم بعد أن نولد شفاهيين. وحيث يتضاءل ما هو اكتسابي في الدين، أي بقدر ما يقتصر على الموروث، فإنه يجنح إلى الاقتراب من قطب الشفاهي. أقترحُ أن الموروث هو المخزون الذي يُضفى عليه الكمال فيجري تكراره والانحصار فيه، بينما التراث هو ما يكون موضع تفكير متجدد ومراجعة مستمرين. التراث كتابيّ، فيما الموروث شفاهيّ.

4- تغزو الشفاهة ميدان السياسة المعارضة كذلك. التنظيمات السياسية لم تعد تجمعات تفكير ونقاش وكتابة، وتنظيم. صارت أقرب إلى روابط وراثية، لا تفكر ولا تكتب ولا تنشر. المخانقات السياسية قلما تُعبِّرُ عن نفسها في نصوص مكتوبة ومنشورة للعموم، ولعلها تُعمِّر مثل صراعات القبائل القديمة بفعل ذلك. كان من شأن الكتابة أن تكبح الانفعالات العدائية وتحد من «الخناق»، وربما تحدث اختراقات في التفاعل السياسي، بدل الاستمرار في خوض حروب سابقة. وبقدر ما إن الإشاعة هي كلام لا أحد، فإنه في عالم الشفاهة القائم على الإشاعة وعدم التبيُّن، يتواجه لا أحد بلا أحد، لا مسؤولية بلا مسؤولية، وهو ما يتناقض مع مفهوم الحزب السياسي والعمل العام. ثمة مفارقة كبيرة، تلحظ بقوة في مساحاتنا السياسية الضيقة، وتجسم واقع نكوصها الشفاهي: يقترن تصلّب المواقف بقلة الموثوق من المعلومات والمؤكد من التفاصيل وليس بوفرتها. في عالم الكتابيّ، العكس هو الصحيح: المواقف أقل يقينية وأبعد عن الانفعال حيث تكون المعطيات أوفر. لا أعني أن البعد عن اليقينية خاصية محققة دوماً للكتابة، لكنها رهان الكتابي بحكم خصائصه المتروية والإصلاحية والمسؤولة. بقدر ما هو ميال إلى القطع، عالم الشفاهة «جدجمنتال» كما يقال بالإنكليزية، لا نكفّ فيه عن إصدار الأحكام القطعية على الغير، أفراداً وجماعات ومجموعات وبلداناً وثقافات وأدياناً. لا يمتنع عالم الكتابة عن الأحكام حتماً، لكن الكتابة الأفضل انفتاحاً على المعلومات وتحرياً للموثوق منها هي الأشدّ تحفظاً في إصدار الإحكام وتغذية الانفعالات. وعيوب الشفاهة الكبيرة على مستوى الأفراد تتجسم على مستوى المجموعات، حيث يسود الميل إلى عدم رؤية الأفراد إلا منسوبين إلى عشائر أو روابط جمعية. فكأن الشفاهي يُنتِجُ القبائل، مع كل من الإشاعة وقلة التنظيم وحدة الانفعالات ودوام العداوات. والقبائل بدورها تجد نفسها في بيتها في عالم الإشاعة والانفعال والقيل والقال، عالم الشفاهة. تقدُّمُ الشفاهة وعلاقاتها على مستوى السياسية المعارضة في سورية سار بدوره يداً بيد مع تدهور تنظيم المجموعات وتراجع الكتابي في نشاطها.

5- وفضلاً عن الدين والسياسة، لا تعدم هذه البنية اللاكتابية للدولة في سورية كُتّاباً محابين لها وعاملين في خدمتها، تناسبهم في إشهار انفعالات العدائية، وتحجب انعدام المسؤولية وراء التشهير بالخصوم، وتروج للأساطير لأغراض فئوية خاصة، وتمتثل لعلاقات الشفاهة بتغذية الكراهية والارتياب العام بما يسدّ أية مخارج من نظام الشفاهة. هنا كتابة ضد الكتابة إن جاز التعبير، أي ضد الكتابة كقيمة وعلاقات قائمة على الوضوح والبرهان والحقيقة. وكما تقدَّمَ القول، ليست الكتابة جذرية حتماً، لكن الجذرية غير ممكنة في غير الكتابيّ. ما هو ممكن في الشفاهة هو سياسة الكراهية، ولا شيء جذري في هذه أو ثوري، بل «حربُ أهليٍّ» فقط.

6- وسائل التواصل الاجتماعي ليست ضد الكتابي حتماً، لكنها في مجالنا سهّلت تعميم الشفاهي، اليومي والاجتماعي، الانفعال المباشر، المُفاقم لما هو وجود في المجتمع من استقطابات ونزاعات والمُكبّر لها. الكتابة ذاتها تجازف بأن تضيع في الشفاهي هنا أو تخضع لاختزال شفاهي، يناسب تغذية الانفعالات وليس ضبطها. حيال وسائل التواصل الاجتماعي، نحن في الواقع أمام وضع جديد. فمن جهة هناك فضاء عام من نوع ما، وثمة تواصل، بل دفقٌ من التواصل، وإن يكن غير مباشر، لكن يتواتر أن يُستخدَم هذا التواصل لإساءة التواصل وخدمة تعبيرات القطيعة. هذا المزيج من تواصل مستمر وقطيعة هو بالفعل تواصل ضد التواصل. ومن جهة أخرى، لدينا هنا «كتابة»، كلام مكتوب وموحد النمط من حيث الوسيط وقابلية القراءة، ولكن يغلب أن يقترب من الانفعال المباشر الذي يميز الشفاهيّ. ثم إننا حيال عام، ومحفوظ، وهذ خصائص للكتابة، لكن دون مسؤولية، ودون إمكانية بناء تراث من هذا المحفوظ، أي أننا حيال عام ضد العام. في الشفاهيّ، النسيان ترياقٌ ضد الانفعال المباشر، الذي يغلب بعد ذلك أن يبقى محصوراً في نطاقاتنا الخاصة. أما هذا الجمع بين تعبيرات الانفعال المباشر والذاكرة في وسائل التواصل الاجتماعي فهو ضد اجتماعي قبل كل شيء. هنا أيضاً كتابةٌ ضد الكتابة.

7- وبصورة عامة، يبدو أن هناك صلة بين اللاكتابية العامة وبين مستوى التفاصل النشط بين المجموعات والجماعات والأفراد، وإنتاج القبائل العامة. القبائل، ومنها الطوائف في هذا الشأن، كياناتٌ نمّامةٌ كارهة، تتكلم ولا تكتب، قواعد اجتماعية للشفاهة والانفعال والحرب. وأتكلم على قبائل عامة لأنها تشرط بعضها، ولا توجد إلّا معاً وفي تقابلات يتمازج فيها الالتصاق والعداء. شروط اللاكتابة بيئة مثالية لازدهار ما يعيش على الانفعال المباشر على ما تقدَّمَ القول، خلافاً للكتابيّ الذي هو مجال الانفعال الثاني إن جاز التعبير، أي الذي يكفُّ عن كونه انفعالاً عبر المراجعة والتروي.

8- ما تريد هذه الملاحظات الخلوص إليه هو أن الكتابة يمكن أن تكون فعل مقاومة أساسي، وفضاء للجذرية ليس هناك غيره، وأن الكتابة وحدها جمهوريّةٌ وديموقراطيّة. ما لا يوضع بتصرف العموم لا يمكن أن يكون مسؤولاً، وما هو خصوصيّ لا يمكن أن يكون جذرياً، ولا يؤسس لبيئة للنقاش والتفكير العام المُعقلن. السياسة اللاكتابية أو الشفاهية، أعني التي لا تعبّر عن نفسها في وثائق ونصوص منشورة، هي اندراجٌ في النظام اللاكتابي أو علاقات الشفاهة السياسية، حتى لو كانت موجهة ضد النظام الحارس لهذه العلاقات. المطلوب كسر النظام اللاكتابي، وليس مواجهة شفاهي بلاشفاهي أو لاكتابي بلاكتابي.