منبج: بوابة عودة العلاقات بين أنقرة وواشنطن

 

أعلنت الحكومة التركية يوم الإثنين الماضي عن الاتفاق مع الولايات المتحدة على خارطة طريق خاصة بمدينة منبج السورية، بعد الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية البلدين في العاصمة الأمريكية، ويأتي هذا الإعلان لينهي خلافاً طويلاً بين أنقرة وواشنطن حول مصير المدينة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الأمريكيين بعد طرد تنظيم داعش منها شهر آب عام 2016، وكانت الحكومة التركية تصرّ على خروج وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستاني من المدينة الواقعة غرب الفرات، باعتبار أن المنطقة تقع خراج إطار التفاهم الأمريكي-التركي حول حدود انتشار وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديموقراطية.

وقد عقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لقاءً مع الصحفيين بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أكد فيه أن خارطة الطريق المتفق عليها ستكون فرصة لتحسين العلاقات بين البلدين، كما أكد في تصريح لوكالة الأناضول شبه الرسمية: «وضع خطة من 3 مراحل أساسية (...) المرحلة الأولى تتمثل بانسحاب ب ي د/بي كا كا من منبج(...) ولاحقاً ستتعاون الولايات المتحدة وتركيا في تشكيل مؤسسات محلية وأمنية في المدينة، أما في المرحلة الثالثة ستسيّر الولايات المتحدة وتركيا دوريات عسكرية مشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار بمنبج».

بالمقابل كانت التصريحات المضطربة لوحدات حماية الشعب، التي أعلنت انسحابها رسمياً من مدينة منبج، وتصريحات مجلس منبج العسكري، التي تنمّ عن عدم اطلاع على تفاصيل الاتفاق الثنائي.

ويشكّل هذا الاتفاق نقطة انطلاق لما أسماه وزير الخارجية التركي خطة سيتم تعميمها على مدن أخرى تسيطر عليها الوحدات شمال شرق سوريا، وهو الأمر الذي نفاه المتحدث باسم البنتاغون أدريان غالاواي في بيان له، فيما اعتبرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت أن «هذا هو بداية لسلسلة من المحادثات التي ستستمر سواء بين وزيري الخارجية أو من خلال فرق العمل».

وعلى الرغم من تضارب التصريحات، إلا أنه من المرجح أن يفضي هذا المسار فعلاً إلى دور تركي أوسع في منطقة شرق الفرات نتيجة عدة أسباب؛ أهمها هو إعداد استراتيجية انسحاب للقوات الأمريكية من المنطقة، وفي مثل هذه الحالة فإن الوجود التركي المباشر مع الإبقاء على الغطاء السياسي الأمريكي هو حل شبه وحيد أمام الولايات المتحدة، التي يرغب رئيسها دونالد ترامب بسحب القوات من سوريا. وحتى بوجود ممانعة من البنتاغون لمثل هذا القرار في الفترة الحالية، فإن مجرد البحث عن استراتيجيات خروج مستقبلية ستفرض على واشنطن البحث عن قوى بديلة لقواتها، مما يضع تركيا كخيار شبه وحيد بين حلفاء أمريكا لمثل هذا الدور.

وسيطرح هذا السيناريو عدة احتمالات تتبع توجهات السياسة التركية نحو وحدات حماية الشعب وحزب العمّال الكردستاني، فعلى الرغم من التصعيد الكبير خلال الفترة الماضية وخاصة بعد سيطرة القوات التركية بمرافقة فصائل سورية موالية لها على عفرين، إلا أن الاحتمالات ستعود لتصبح أكثر اتسعاً بعد الانتخابات التركية، فالدور المفترض لتركيا ضمن استراتيجية الانسحاب الأمريكية هو الإبقاء على منطقة شرق سوريا خارج يد إيران والنظام السوري، والإبقاء على الاستقرار في المنطقة، وقد يكون فتح قنوات تواصل مع الوحدات أمراً وارداً لتحقيق هذا الدور، فيما سيكون الخيار الآخر هو الدخول في معركة مفتوحة مع الوحدات بموافقة أمريكية، وهو أمر أقل احتمالاً وإن لم يكن مستبعداً نهائياً بعد تجربة عفرين.

ويبدو أن الاتفاقات المقبلة بين واشنطن وأنقرة حول دور الأخيرة في مناطق ومدن أخرى شمال شرق سوريا مثل مدينة تل أبيض ستكون محدداً رئيسياً لمسار الأمور وطبيعة الدور التركي في المنطقة، بالإضافة إلى مستقبل العلاقة مع حزب العمّال الكردستاني الذي ما زال يحاول المراوغة ضمن هوامش العلاقة مع واشنطن وموسكو، للاستمرار في لعب دور يبدو أنه قد أصبح بيد دول الإقليم لا بيد واشنطن، التي تريد تسليم مثل هذه الملفات لحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم أنقرة.