من «هم» سامر فوز؟

هذا النص هو جزء من مشروع خرائط المنظومة الأسدية الذي يهدف لدراسة النظام السوري دراسة شبكية تكشف عن بناه العميقة والروابط المصلحية والعائلية التي تساهم في بقائه.

تنص المادة الخامسة من قانون السجل العقاري في سوريا، المعدل بالمرسوم رقم 48 للعام 2008، على أنه «يسجَّل كل عقار في السجل العقاري تحت الرقم المعطى له في دائرة المساحة، ويوضع لكل عقار تتألف منه وحدة عقارية مساحية، صحيفة أساسية خاصة في سجل الملكية». تتعدد تسميات الصحيفة العقارية هذه، فيمكن أن تسمى بيان قيد عقاري، أو سند تمليك، وهو الاسم الدارج في التعاملات اليومية. وتشترط المادة 92 من القانون نفسه أنه، في حال فقدان سند التمليك، فإن على صاحب العلاقة تسجيل محضر بالفقدان لدى أمين السجل المدني، ثم «نشر هذا المحضر في جريدة الحكومة الرسمية، وفي ثلاث جرائد أخرى من الجرائد المحلية. فإذا مضت مدة خمسة عشر يوماً ولم يظهر خلالها معترض، فلأمين السجل، إذا اقتنع بصحة تصريحات المستدعي، أن يعطيه نسخة ثانية طبق الأصل عن الصحيفة». وهكذا، يندر أن تخلو الصحف اليومية من إعلانات عن فقدان سندات تمليك عقارات.

في واحد من هذه الإعلانات، تم نشره على الصفحة التاسعة من صحيفة البعث في عددها الصادر بتاريخ 9 كانون الثاني 2018، تدعي السيدة غزوة إبراهيم فوزي، بالشراكة مع السيد عمرو محمد تامر الأخرس، فقدان سندات تمليك العقارات 309 و310 و3009، الواقعة في منطقة الشيخ سعد العقارية في طرطوس.

pasted_image_0.png

إعلان غزوة إبراهيم فوزي في صحيفة البعث
إعلان غزوة إبراهيم فوزي في صحيفة البعث

كان اسم السيدة غزوة إبراهيم فوزي قد ظهر لأول مرة عندما نشر موقع الاقتصادي، بتاريخ 17 تشرين الثاني 2019، خبراً عن إزالة مجموعة من المخالفات العقارية في منطقة مجمع الرمال الذهبية للشاليهات السياحية في طرطوس، منها مخالفة مسجلة باسم السيد خضر طاهر (أبو علي خضر)، وأخرى مسجلة باسم السيدة غزوة إبراهيم فوزي التي قدمها الخبر على أنها زوجة رجل الأعمال السوري المشهور سامر فوز، الذي يتصدر اسمه أي قائمة عقوبات استهدفت رجال أعمال سوريين في السنوات الأخير. في رده على الخبر، لم ينفِ مكتب السيد فوز أنها زوجته، في حين أنكر وجود المخالفة.

لا يوجد حضور قوي للسيدة فوزي على الأنترنت، ليس باسمها الصريح على الأقل، فلم نجد حسابات باسمها على مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن اسمها يَرِد كثيراً في إعلانات مبوَّبة تتعلق بإدارة عقارات مختلفة. يمكن من خلال تتبع إعلانات في أربع أعداد من صحيفة الوحدة، نٌشرت بين 27 حزيران 2020 و24 كانون الثاني 2021، ملاحظة أن السيدة فوزي تؤجّر 14 عقاراً مختلفاً يقع أغلبها في منطقة الشيخ ضاهر في اللاذقية.

تتيح الإعلانات المشار إليها أعلاه أيضاً معرفة أن السيدة غزوة إبراهيم فوزي مولودة عام 1951، ما يجعلها أكبر بـ22 عام من السيد سامر فوز المولود عام 1973، وقد ورد تاريخ ميلاده في قرار عقوبات الخزينة الأميركية. وكان مصدر حصري قد ذكر للجمهورية.نت أن السيدة فوزي أيضاً ترتبط بعلاقة مصاهرة مع اللواء علي المملوك، نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية، ولكننا لم نستطع التحقق من صحة المعلومة من مصادر أخرى.

للسيدة فوزي أخت اسمها هيام إبراهيم أدهم فوزي، احتفى الإعلام بدخولها مجال الاستثمارات في سوريا. فمثلاً عَنونَ موقع أخبار الصناعة السورية الخبر بعبارة: الرأسمال النسوي يدخل نطاق الشركات القابضة. وكانت السيدتان فاديا سميح زاهد وهيام إبراهيم أدهم فوزي قد أسستا في كانون الثاني 2020 شركة «أسيريا الشرق القابضة» برأسمال 15 مليار ليرة سورية (حوالي 15 مليون دولار حسب سعر الصرف في ذلك الوقت). تصل حصص السيدتين إلى 70 بالمئة من هذه الشركة، فيما يستحوذ السيد عبد الله خالد بيازيد على الحصص المتبقية. وكما هي حال السيدة غزوة فوزي، لا تملك السيدتان هيام وفاديا حضوراً واضحاً على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ذكر مصدر حصري للجمهورية.نت أن السيدة فاديا سميح زاهد هي أيضاً ابنة عمة رجل الأعمال سامر فوز، ولكننا لم نستطع التحقق من المعلومة بوسائل أخرى، غير أن الذي استطعنا التأكد منه أنها شريكة مباشرة مع سامر فوز في ملكية شركة مينا للسكر الكريستال، كما أن شراكة مباشرة أيضاً جمعتها مع سامر فوز في شركة مودرن موتورز، التي مرت ملكيتها وإدارتها بالعديد من التغييرات، انتهت بأن تصبح الشركة بالكامل مملوكة من قبل السيدة زاهد.

كما لا يشمل هذا البحث أيضاً التحقق القاطع من أن عبد الله بيازيد، شريك السيدتين فوزي وزاهد في أسيريا القابضة، هو نفسه رجل الأعمال مالك السفينة «غوى ب» التي حدث على متنها في العام 2006 مأساة وفاة خمسة من بحارتها بسبب تنشّقهم غازات سامة من عنبر الحمولة، أظهرت التحقيقات الرسمية لاحقاً أنها كانت غاز أول أكسيد الكربون لا غير!

يُعتقد أن للسيدة غزوة فوزي أخوين: أولهما غيث، وهو شريك مؤسس في شركة ظلال الوارفة المؤسَّسة في العام 2018، ويملك 50 بالمئة من أسهمها بقيمة 2.5 مليون ليرة سورية (5,400 دولار حسب سعر الصرف وقت التأسيس)؛ والأخ الثاني هو عبده إبراهيم فوزي، الذي كان يملك شركة صلب سوريا قبل أن يتنازل عنها في العام 2020 للسيد حكم فؤاد عبدالله. ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الشركة المذكورة كانت تُدار حتى تاريخ تغيير ملكيتها من قبل السيد وائل توفيق شقير، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب المدير التنفيذي للشؤون التجارية في شركة أمان القابضة، أهم استثمارات إمبراطورية سامر فوز في سوريا.

بالعودة إلى إعلان السيدة غزوة إبراهيم فوزي عن فقدان سندات تمليك العقارات، فإنها تدعي ذلك بالشراكة مع السيد عمرو محمد تامر الأخرس (الصورة أدناه). وعلى العكس من شريكته، فإن للسيد عمرو الأخرس حضوراً واضحاً على منصات التواصل الاجتماعي، وصور كثيرة برفقة ابنه كريم وكلبه. وبتحليل حساباته الشخصية، نلاحظ من خلال تفاعل أصدقائه وتعليقاتهم على صوره مثلاً أن المرتبطين منهم بميليشيات مسلحة موالية (أحدهم يصرح بأنه يعمل في مكتب أمن الفرقة الرابعة) يخاطبونه بألقاب «أبو رعد» أو «المعلم»، ما يدفع إلى الظن بأنه كان لديه في وقت ما ارتباطات مشابهة، فكلمة «معلم» في المخاطبة اليوم ضمن هذه الأجواء لا تُستخدم إلا لوصف شخص يملك موقعاً قيادياً ما، حتى لو كان موقعاً صغيراً. ذلك بينما يخاطبه بلقب «أستاذ» أصدقاؤه المرتبطون بشركة أمان القابضة، ما يطرح احتمال أنه يعمل مع، أو في، إحدى شركات امبراطورية سامر فوز.

pasted_image_0_1.png

صورة عمرو الأخرس
صورة عمرو الأخرس

ومن خلال تحليل حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، يسهل التعرف إلى أخته جنى الأخرس (في الصورة أدناه)، أو «جنى الأخرس فوز»، وهو الاسم الذي تستخدمه على منصة إنستغرام مثلاً. جنى هي زوجة رجل الأعمال السوري عامر فوز، شقيق سامر. كان عامر قد اشتهر في العام 2015 إثر تداول الإعلام قصة عاطفية له مع الفنانة قمر، وإذا استثنينا توارد اسمه بسبب العقوبات الاقتصادية، نجد أن اسمه عاد للظهور مجدداً في العام 2019 بسبب حفل عيد ميلاد أقامه لزوجته في دبي، قُدِّرت تكلفته بخمسة ملايين دولار، وأحياه لهما مجموعة من الفنانين العرب على رأسهم عمرو دياب وحسين الديك.

pasted_image_0_2.png

صورة جنى الأخرس وعامر فوز
صورة جنى الأخرس وعامر فوز

ليس الغرض من هذا التحقيق الإشارة بإصبع الاتهام بشأن تزوير سندات ملكية عقارات، ولكن هناك خللاً منطقياً في إعلان فقدان سندات التمليك، إذ كيف لمجموعة تدير استثمارات عائلية بهذا الحجم، وبالتأكيد تستخدم شركات محاماة كبيرة لإدارة شؤونها، أن تفقد أوراقاً بهذه الأهمية. كما أن الإعلان يطرح ملكية السيدة فوزي للعقارات المذكورة وفق وكالة قانونية صادرة في العام 1978، مما يثير الشكوك حول شراكتها مع عمرو الأخرس الذي يُرجَّح أنه لم يكن قد ولد بعد. وبالنظر إلى حالة ضبط السلطات السورية في العام الماضي شبكة للاحتيال والتزوير، تعمل في حلب بهدف سلب عقارات المغتربين، اشترك فيها قضاة ومحامون ومعقبو معاملات وموظفون من السجل المدني، فإن استخدام هذه الإعلانات كمرحلة من مراحل عملية تزوير ما لا يبدو احتمالاً مستحيلاً.

ولمعرفة الأبعاد القانونية لهذا الإعلان، وما إذا كان يثير أي شبهة، فقد استشرنا القاضي والمستشار القانوني لمؤسسة اليوم التالي أنور مجني الذي كان رأيه: «نشر الإعلان بحد ذاته لا يشكل إشارة كافية، وللتحقق لا بد من الحصول على الصحيفة العقارية الخاصة بكل عقار والتي تُظهر تسلسل الملكية، فأمين السجل العقاري لا يُحيل الإعلان إلى النشر إلا إذا كان العقار باسم صاحب الإعلان، والنظام حتى الآن لا يستطيع تجاوز العديد من العقبات البيروقراطية والقانونية التي تحول دون تغيير ملكية عقارات. مع ذلك، يستطيع محامٍ بالاشتراك مع الكاتب بالعدل وأمين السجل المدني أن يزوِّروا ملكية عقار ما. والأسوأ من هذا في الحالة السورية أن القانون لا يسمح بملاحقة المالك النهائي للعقار إذا كان حسن النية، أي الذي لم يكن طرفاً في عملية التزوير، بل على المتضرر أن يلاحق من أوقع عليه الضرر، ما يعني أنه في حالة تم الاستيلاء على الملكية بشكل غير قانوني وبيعها إلى طرف ثالث، فإن المالك الأصلي للعقار لا يستطيع محاسبة هذا الطرف الثالث أو المشتري النهائي ما لم يكن عالماً بالتزوير أو متورطاً فيه، بل فقط محاسبة من قام بالتزوير مع إمكانية الملاحقة الجزائية».

تكشف متابعة المعلومات المتوافرة عن الأسماء الظاهرة في الإعلان مجموعة علاقات اقتصادية تدور جميعها في محيط رجل الأعمال سامر فوز، وهو مشهد اعتدنا عليه أثناء العمل على فهم أنماط تداخلات العلاقات الاقتصادية المكوِّنة للنظام السوري، وخصوصاً في المرحلة التي تلت انطلاقة الثورة السورية؛ العلاقات والشبكات التي تستفيد من ظروف اقتصاد الحرب كي تنمو وتسيطر، كما تحاول التهرب من العقوبات الدولية على الأفراد عبر التستر خلف أسماء جديدة غير معروفة.

كذلك يحاول هذا النص تقديم مثال تفصيلي على التحقيقات التي تعتمد البيانات مفتوحة المصدر، وكيفية استثمار هذه التحقيقات في التحليلات الشبكية، لمحاولة الوصول إلى فهم أعمق وأدق لبنية النظام السوري؛ البنية التي كانت إحدى مقومات صموده في السنوات الماضية. كما يهدف أيضاً إلى تحفيز الأفراد على الاهتمام بأي تفاصيل قد تقود إلى أي معلومات، ومهما كانت تفاصيل بسيطة، وإلى كتابة وتوثيق شهاداتهم عن النظام ومؤسساته وشبكاته، حتى لو تم هذا التوثيق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.