من أجل وحدات تحليلية أكثر دقة: رد على لبنى الأمين

 

أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى لبنى الأمين لتخصيص الوقت للتفاعل مع ما كتبتُ والرد على مقالتي الأولى التي حاولت نقد الوصفات التوافقية في الشرق الأوسط. في تفنيدها، حاججت الأمين أن «التشخيص الذي ترتكز عليه الاقتراحات التوافقية ليس خطأ، وأنّ شكلاً من أشكال الحلّ التوافقي، نظراً إلى صحة هذا التشخيص، ضروري». وقد استندت في محاججتها هذه إلى الفكرة القائلة إن «الجماعات الطائفية في سوريا وغيرها حقيقة واقعة، سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا هذه الحقيقة، ولا تستطيع النظم الحكومية تجاهلها بشكل كامل على المدى القصير».

مع أن مقالتي لم تتحدث عن «إعجابنا» أو «عدم إعجابنا» بالحقيقة المزعومة للجماعات الطائفية، سأحاجج بأن من شأن تحليل سوسيولوجي مقارب أن يكشف أن «الجماعات» الطائفية بحد ذاتها ليست حقيقة، وأنها ليست وحدة التحليل الأساسية لفهم الطائفية وعمليات التطييف. كما قلت في مكان آخر، بالتأكيد الطائفية حقيقة، لكن الطوائف ليست كذلك. سأجادل بأن دراسة الطائفية تقتضي منّا الانتقال من «الاجتماعي» إلى «السوسيولوجي»، أي إلى المستوى التحليلي الذي يمحّص الديناميات والتجارب الاجتماعية، ويسلط الضوء على دقائق الأمور وتعقيداتها، ولا يني يربط التجارب الجزئية للأفراد بالبنى الكلية للمجتمع.

إلا أن إحدى أبرز مشكلات فهم الديناميات الطائفية في مجتمعاتنا هو «الخلط السائب بين الاجتماعي والسوسيولوجي... [أو] بين أشكال الفهم الشعبية والتحليلية».1 فبينما يمكن اعتبار الكلام الطائفي و«سياسات الهوية» اليومية ظواهر حقيقية ومهمة، إلا أن اعتماد التقسيمات الطائفية كوحدات تحليل لا يجدي لتقويض العمليات والآليات المشكلة للنتوء الطائفي، لما قد ينطوي عليه ذلك من خلط بين السبب والنتيجة. من هنا فإن محاججتي السابقة، أن سوء التشخيص سيقود لوصفات غير مفيدة (أو ضارة)، مستمدة من هذه المقاربة التحليلية التي تتجاوز النظر إلى الجماعات على أنها «معطيات» وتفضّل التمعن في إمكانية تحولها إلى «مأخوذات». ليس هذا مجرد لعب على الكلمات، بل هو تمييز مفاهيمي جاد تستند إليه حجتي الرئيسية.

ما أقوله إذن هو أننا بحاجة إلى تجاوز الأنطولوجيات الجماعاتية، فالجماعات ليست بحد ذاتها وحدات أو جهات فاعلة متجانسة في عملية التطييف. نحن بحاجة إلى بدء التفكير في وصفات سياسية مبنية على تقسيمات دقيقة، تسمي الجهات الفاعلة الحقيقية بأسمائها الفعلية (أحزاب سياسية، أنظمة محددة، زعماء محددين، الخ) وتبتعد عن التعميمات الجماعاتية التي ترتكب الحماقات وتحجب الديناميات الاجتماعية. لذلك بدل استخدام تقسيمات من قبيل (مثلاً) «الشيعة» و«حزب الله» و«إيران» كمترادفات، وخلط المستويَين الاجتماعي والتحليلي/السوسيولوجي، علينا توخي الدقة في التحليل أثناء تقييم السياسات ونظم الحوكمة. بعبارة أخرى، ما أدعو إليه في هذه المقاربة هو المزيد من الأشكلة والتدقيق في فهمنا للديناميات الطائفية، والاعتراف بأنه لا يمكن حل الصراعات المعقدة والمتعددة الأوجه عبر وصفات سياسات اختزالية، كالتوافقية القائمة على الطوائف.

من باب دعم المحاججة وتسليط الضوء على المزالق التحليلية التي أحذر منها، سأقسّم ردي على مقالة الأمين إلى ثلاثة أقسام رئيسية: 1) العلاقة بين المستويات الاجتماعية والسياسية للطائفية وأثرها على فهم تحولات النتوء الطائفي؛ 2) العلاقة بين الثقافة والبُنية في فهم تعقيد المسألة الطائفية بعيداً عن التحليلات الاختزالية؛ وأخيراً 3) الخلط بين خطاب الاعتراف وتمثيل الأقليات من جهة، والتمييز الطائفي من جهة أخرى (التوافقية كوصفة سياسية).

الطائفية ظاهرة معقدة. على الرغم من كثرة البحوث التي تناولتها، ما يزال من الصعب تعريفها أو قياسها بوضوح. مع ذلك، لعلّ أبرز التطورات في حقل دراسة الطائفية هو التحول ضد الأصلوية (أي فهم الجماعات انطلاقاً من تاريخها القديم) والماهوية (أي اعتبار جوهر الجماعات ثابتاً لا يتغير) واعتماد مقاربة أكثر حساسية لعمليات تركيب واصطناع الهويات الطائفية. وعلى ما يبدو على ذلك التطور من أهمية، إلا أنني أزعم أن بقايا التفكير الأصلوي ومخاطر ما سماه روجرز بروباكر «البنائية المبتذلة»2 ما تزال تؤثر في فهمنا للحاضر. الطائفية ظاهرة سياسية تبني محتواها وحدودها حول الهويات الاجتماعية القائمة. لذلك من المهم التمييز بين هذين المستويين، والفصل (تحليلياً) بين المترتبات الاجتماعية لهوية دينية أو طائفية وبين مترتباتها ودينامياتها السياسية – أي بعبارة أخرى عملية تسييسها. قد نشعر أن هناك تداخلاً دائماً بين هذين المستويين، إلا أن المسألة تبقى مسألة متى وكيف ولماذا يتغذى هذان المستويان على بعضها البعض. لذلك فإن العلاقة بين النتوء الاجتماعي والنتوء السياسي ليست مباشرة ولا ينبغي اعتبارها أمراً مفروغاً منه. في حين تعترف الأمين بالطبيعة التركيبية للهويات الطائفية في لبنان وسوريا والعراق، وتربطها بنشأة الدول الحديثة والممارسات الاستعمارية ودور النخب المحلية، إلا أننا نختلف على الطبيعة الظرفية لهذه الهويات. فالأمين ترى أن تغير النتوءات الطائفية بطيء ولا يمكن أن يحدث في غضون «شهور أو سنوات». هنا تقوم بعقد مقارنة مع الدول كبناءات سياسية، مشيرة إلى أن وجودها غير أصيل ولا أبدي لكنه أكثر دواماً. الفكرة القائلة بأن البناءات السياسية تدوم قائمة على الافتراض بأن الهويات الاجتماعية لا تتمتع بالمرونة على المدى القصير. رغم أهمية هذا السؤال، إلا أن الكثير من الأدلة التاريخية تتحدث عن إمكانية حدوث تغيرات سريعة في أشكال وحدود الدول وفي نتوء الهويات. لننظر مثلاً في انهيار الاتحاد السوڤييتي والتغيّرات المفاجئة في طبيعة وشكل وحدود الكثير من دول أوروبا الشرقية، وما صاحب ذلك من صعود للقوميات وتغير سريع في علاقات الهوية على المستوى الاجتماعي. بالتأكيد لم يأتِ ذلك من فراغ، وهناك تاريخ طويل من الأحداث وعلاقات القوة التي ساهمت في تشكيل هذه التغيرات، لكن يبقى من الصعب إنكار سرعة ذلك التغير على المستويين السياسي (تركيب الدولة) والاجتماعي. يمكننا النظر أيضاً في أمثلة مشابهة، من لبنان مثلاً، حيث تحول خطاب الثنائية الطائفية من الانقسام المسيحي-الإسلامي المزعوم إلى الانقسام السني-الشيعي الأكثر نتوءاً خلال العقد الماضي. بالتأكيد يرتبط هذا التحول بمتغيرات تاريخية وإقليمية وجيوسياسية وبنيوية، لكن من الصعب إنكار سرعة ظهوره نسبياً في المجتمع اللبناني، حيث أخذ في التبلور حوالي العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كانت التحولات السياسية في ذلك الوقت سريعة لدرجة أنها تمكنت من التأثير على الهويات الاجتماعية والحدود الطائفية. هذان مجرد مثالين على السرعات الممكنة لتغير نتوء الحدود الطائفية أو الوطنية. ثمة أمثلة على حالات معاكسة بطبيعة الحال، ففي بعض الحالات قد تصمد الهوية الاجتماعية لجماعة ما لفترة طويلة جداً بالرغم من سقوط الكيان السياسي، كما هو حال الوطنية الفلسطينية مثلاً. لذلك فإنه لا دليل على الادعاء بأن الهويات لا تكون إلا ظرفية على المدى الطويل. بدلاً من افتراض تداخل وديمومة المترتبات السياسية والاجتماعية للهويات المصطنعة، من الضروري تشريح متى ولماذا يحدث (أو لا يحدث) ذلك، من أجل التفكير في وصفات سياسية لا تتعامل مع هذه الهويات فقط كـ «معطيات» أو «أمر واقع»، بل كـ «مأخوذات» تتشكل عبر مختلف القوى والعوامل، وتكون عرضة للتغير التدريجي أو الفجائي بحسب الظروف.

هذا يقودني إلى النقطة الثانية، والتي تتعلق بفهم الصلة بين البنية والثقافة. ترى الأمين أنه «لا يمكن إبدال [مؤسسات التنشئة الاجتماعية] كلّها بمؤسسات مدنيّة خالية من أي فكر جماعي ومن العادات والتقاليد التي ترافقه». وتضرب مثالاً على ذلك بالعائلة، «مركز التنشئة الأول» الذي يبث القيم التي تربط بين الأفراد (المستوى الاجتماعي) وبين الدولة (المستوى السياسي) وذلك «حتى في البلدان الأوروبية الأكثر مدنيّة». بعد ذلك تذهب الأمين إلى القول إن دور التنشئة هذا «تلعبه العشائر والطوائف والإثنيات في الدول العربية والأفريقية والآسيوية لأسباب مختلفة سياسية وتاريخية واقتصادية»، لتستنتج أن «الجماعات إذن جزء لا يتجزأ من المجتمعات الحديثة، وهي بذلك معطى ضروري للبحث السياسي والسوسيولوجي».

لا يعني كلامي ضد المقاربة الجماعاتية وتزكيتي لمقاربة أكثر بنيوية لفهم الطائفية أننا بحاجة إلى استبدال مؤسسات التنشئة الاجتماعية بـ «مؤسسات مدنية خالية من أي فكر جماعي» بالضرورة، أو أن علينا إنكار أهمية الهويات على المستوى الاجتماعي. إلا أن الرابطة التي تعقدها الأمين بين الدولة من جهة وبين العائلة (في الغرب) أو «العشائر والطوائف والإثنيات» (في الشرق) من جهة أخرى تسلط الضوء على التوتّر الذي شرحتُه سابقاً بين المترتبات الاجتماعية والسياسية لتلك الهويات. فبينما توجد العائلات، وأيضاً العشائر والطوائف والإثنيات، في كل من «الغرب» و«الشرق»، يبقى السؤال كيف نفهم تسيّسها (أو عدمه) ودورها في الاندماج أو الإقصاء أو التمثيل السياسي. لكن إذا مشينا مع المنطق الذي تقدمه الأمين، قد نضطر للقول إن علينا أخذ الجماعات أو التجمعات العائلية كوحدات تحليل رئيسية لتحليل الصراعات والتمثيلات السياسية في الغرب، فالأسرة مؤسسة تنشئة مهمة حتى في الدول الأوروبية المدنية! تكمن عبثية هذه الحجة في اعتبار الرابط بين الاجتماعي/الثقافي وبين السياسي/البنيوي رابطاً مسطحاً فقط عند الحديث عن مجتمعات غير غربية. غير أن الاعتراف بواقع الديناميات الاجتماعية والثقافية لا يقودنا إلى مقاربات جماعاتية لفهم السياسة في الغرب، في حين يحدث ذلك كثيراً عندما نفكر في الشرق. لهذا السبب، ولعدة أسباب أخرى، يساعدنا التحليل البنيوي والقراءة السوسيولوجية النقدية على تجاوز الحجج الثقافوية البسيطة، وعلى استيعاب تعقيد العلاقة بين التشكيلات الاجتماعية والثقافية والعوامل البنيوية التي تشكل الحياة السياسية. من هنا فإن ما اعتبرتها الأمين «طريقة ماركسية تقليدية»، تعنى بالديناميات الطبقية أساساً، لا يمكن محاججتها باختزالية أكبر هي الاختزالية الثقافوية. فقد كتبت الأمين أن «التركيز على الأسباب الاقتصادية على الطريقة الماركسية التقليدية، يتجاهل وقائع أساسية لا يمكن نكرانها وهي أن الأغلبية الساحقة من المسؤولين في النظام السوري علويون، والأغلبية الساحقة من المتظاهرين ضد النظام هم سنّة». لا يمكن إنكار طائفية الدولة في سوريا، إلا أنها أكثر تعقيداً من مجرد انتماء الأغلبية العددية لكبار الشخصيات إلى الطائفة العلوية. ففي الواقع قام النظام السوري بتوظيف مختلف الروابط الطائفية والعائلية والإقليمية والطبقية لترسيخ سلطته. كما أن بعض أبرز شخصيات نظام آل الأسد ليسوا من العلويين، من وليد المعلم وفاروق الشرع إلى بشار الجعفري وحتى عبد الحليم خدام ورستم غزالة.

لذلك، عند التفكير في الوصفات السياسية لسوريا، فإن الميل للتركيز فقط على البُعد الطائفي، المصطنع، والمفيد للنظام، ينطوي على تجاهل لتعقيد الحالة. أكثر من ذلك، لا يمكن تفسير انتماء الغالبية العظمى من متظاهري الثورة السورية إلى السنّة ببساطة دون الأخذ بعين الاعتبار أن السنّة، ديموغرافياً، يشكلون أغلبية في سوريا، وأن المتظاهرين لم يرفعوا شعارات طائفية في بداية الثورة. وحتى إن كان علينا، وفقاً للأمين، أن نعترف بالأساس الطائفي للثورة لمجرد انتماء غالبية المتظاهرين إلى السنّة، يبقى غريباً قولها بأن الثورة السورية، مثل «معظم الثورات حول العالم اليوم» ليست طبقية، إذ من الصعب القول إن غالبية المتظاهرين كانوا برجوازيين! لا أحاول القول إن الثورة السورية كانت ثورة عمالية، إلا أن من المؤكد أن فهمها، وفهم أية ثورة أخرى في عالم اليوم، مستحيل دون النظر في الديناميات الطبقية والظروف المادية. وكما أوضحت في مقالتي الأولى، لا يعني ذلك أن الطائفية غير حقيقية أو غير موجودة؛ بل يعني ببساطة أن محركات الطائفية تأتي من خارجها، وأن علينا النظر في عوامل تشكّلها، وليس في «الطائفة» بحد ذاتها، وذلك كي لا نقع في حجج مكرورة ذات قوة تفسيرية محدودة أو معدومة . فإذا كانت بعض الجماعات/الجهات السياسية التي ظهرت خلال الانتفاضة/الحرب السورية استخدمت تكتيكات طائفية أو ادّعت التكلّم باسم هذه الطائفة أو تلك، لا ينبغي اعتبار ذلك «معطىً» من الناحية التحليلية. أن تتكلم داعش باسم السنّة لا يعني تحليلياً أن داعش تمثل «الجماعة السنية». على وحدة التحليل هنا أن تكون حصراً داعش، المنظمة السياسية، وليس الطائفة كجماعة واحدة! ينسحب المنطق نفسه على كل تحليلاتنا للطائفية، حتى في الحالات التي يبدو فيها التداخل كلياً، وبالتالي الفصل بين مستويَي التحليل أكثر إرباكاً.

أخيراً، تعليقي الثالث والأخير على رد الأمين يتعلق بمقارنة التوافقية مع فكرة «الاعتراف» أو «تمثيل» الأقليات. أزعم أن هناك فرقاً جوهرياً بين منطق حقوق الأقليات ومسألة التقاسم الطائفي للسلطة أو التوافقية. ففي حين يتعلق الأول بالشمول والاعتراف، يدور الثاني حول العكس تماماً: التمييز. تقول الأمين إن «غضَّ النظر عن مطلب الجماعات بالاعتراف بها كجماعات سياسية له تبعات سلبيّة أيضاً، إذ أنّ نكران تطلّعات جماعات كانت مغبونة لفترة طويلة، وخطر اضطهاد الأقليات، يقوّضان، ليس فقط الاستقرار، بل العدالة أيضاً». لكن فكرة أن هناك جماعة تطالب بتمثيلها بشكل توافقي بعد تاريخ من القمع ليست دقيقة. فليست التوافقية مسألة تعويض عن قمع أو تمييز تاريخي، ولا مسألة تمثيل لأي أقليات، بل هي مسألة تكتلات نخبوية، ومسألة تقاسم للسلطة بعيداً عن الجماهير. التوافقية لا يهمها تمثيل الأقليات بقدر ما يهمها درء النزاع بين كبار الزعماء المتكلمين باسم الجماعات. هذا واضح في لبنان والعراق، حيث ما يزال تمثيل الأقليات منقوصاً دون أن يتناقض ذلك مع روح التفكير التوافقي. لذلك فإن التوافقية أقرب إلى نظام تمييز منها إلى مسار تصحيحي باتجاه الاعتراف والتمثيل. على سبيل المثال، رغم إرساء النظام التوافقي في لبنان لمحاصصة طائفية في التمثيل، شهدت فترة التسعينات بعد الحرب الأهلية ما وُصف بـ «الإحباط المسيحي» الناجم عن عدم تمثيل النواب والسياسيين المسيحيين لميول الأحزاب المسيحية الأساسية. لعل ذلك أوضح مثال على قصور التفكير الجماعاتي. فعلى الرغم من التحاصص الطائفي لأعداد النواب والوزراء والضباط، لم يضمن ذلك الاعتراف ولا التمثيل. لقد كان المطلوب هو التمثيل السياسي وليس مجرد التمثيل الطائفي. لذلك ليست الطوائف هي الوحدات التي تهم، بل الأحزاب السياسية الطائفية؛ ومن هنا أشدد على الحذر في اختيار وحدات التحليل وأدعو لتجاوز المنطق الجماعاتي في فهم النزاع في منطقتنا.

ما يهم في الصراع السياسي والتسويات السياسية ليس الجماعة بحد ذاتها، بل الجهات الفاعلة التي يمكنها تسييس الهوية الاجتماعية للجماعة وبالتالي التكلم باسم المجتمعات المتخيلة. لذا دعونا لا نخدع أنفسنا: النزاع السياسي ليس تماماً بين جماعات اجتماعية، بل بين جهات سياسية تدعي تمثيل الجماعات الاجتماعية. هذا الفرق ضروري جداً لفهم وتأمل ديناميات النزاع والطائفية. إذا أردنا الخروج بوصفات سياسية، علينا التأكد من عدم الخلط بين مستويَي التحليل، وعدم الوقوع في فخ ما يُسمّى «البراغماتية» التي ينتهي بها المطاف في خدمة مصالح النخب الحاكمة.

 

  • 1. Wacquant, L. (1997). For an Analytic of Racial Domination. Political power and social theory, 11(1), 222
  • 2. Brubaker, R. (2004). Ethnicity without groups: Harvard University Press. P.3)