من القنيطرة إلى طفس: رحلة لاختيار الطريق

 

كان ذلك في مساء السادس عشر من تموز 2018، كُنّا جالسين على مصطبة منزل أبي محمد في قرية الرفيد بريف القنيطرة، ونشعرُ جميعاً بالتخبط والقلق. كانت أصوات الانفجارات العنيفة في تلّ الحارّة بريف درعا الغربي مسموعة بوضوح، وكان هديرُ الطائرات الحربية الروسية التي حولت التلّ في ذلك المساء إلى كتلة من الحمم، يجعل كل واحد منّا يفكر بضرورة اتخاذ قرار حاسم حول ما سيفعله، في ظلّ الزحف السريع للنظام وحليفه الروسي لانتزاع ما تبقى من قرى وبلدات ريف درعا الغربي، ثم القنيطرة إلى الغرب منها.

«مغادرة القرية في أقرب وقت ممكن، هو أفضل ما يمكن عمله»، هذا ما اقترحه الشاب عمر على الجالسين على المصطبة. وعمر نازحٌ إلى قرية الرفيد منذ سنتين، كان قد غادر قريته في حوض اليرموك هرباً من الدواعش. ومن وجهة نظره، فإن اتفاق 1974، المتعلق بفصل القوات ووقف إطلاق النار بين سوريا وجيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، والذي يشمل قرى في ريف القنيطرة من بينها الرفيد، لن يجعلها مستثناة من القصف والتقدم الأسدي الروسي، بل إن مصيرها ومصير سكانها وما بقي من النازحين إليها مؤخراً، والذين رفضوا العودة إلى قراهم وبلداتهم التي سقطت بيد الجيش النظامي وخضعت للمصالحات والتسويات، سيكون مصيراً سيئاً للغاية. والسبب في ذلك برأيه أنه وقبل ثلاثة أيام كانت قد بدأت تسري في قرى القنيطرة وخاصة الرفيد إشاعتان قويتان؛ تقول أولاهما إن قرى القنيطرة المشمولة باتفاق 1974 أصبحت تعج بعناصر جيش خالد بن الوليد (داعش) الفارين من القصف الشديد على معاقلهم في حوض اليرموك. أما الثانية فهي أن النظام سيتهم كل من بقي من النازحين، ولا سيما النشطاء والصحفيين والإعلاميين، بالعمالة لإسرائيل.

بلدة طفس ستكون وجهة عمر، وهو يقول موضحاً سبب اختياره لها: «المقاومة الشرسة التي أبداها جيش المعتز المعارض في المدينة، والخسائر المادية والبشرية التي ألحقها بالجيش النظامي، مكّنته من فرض مصالحة مشروطة على مفاوضيه الروس، تضمن الحماية للأهالي والمطلوبين من اعتقالات ومضايقات النظام. فمثلاً كان من شروطها بقاء عناصر الجيش النظامي خارج المدينة، مع الموافقة على إبقاء السلاح الخفيف بأيدي عناصر جيش المعتز. وعلاوة على ذلك كله، فإن طفس الآن مدينة آمنة من القصف والطيران».

ينقسم الجالسون على المصطبة بين مؤيد لفكرة الذهاب إلى طفس ومعارض لها، فأبو محمد وأخوه يوافقان عليها، ريثما يتضح ويستقرّ أمر الرفيد. ولكن علاء، وهو إعلامي سابق في إحدى وكالات الأنباء المعارضة، والنازح إلى الرفيد ضمن موجة النزوح الأخيرة من درعا البلد، يرفض الفكرة جملة وتفصيلاً، ويعتقد أن الروس لن يقتربوا من قرى القنيطرة قبل تهجير الفصائل الإسلامية الموجودة فيها إلى الشمال، ولذلك فهو سيتخذ قرار البقاء بانتظار أن يتم الإعلان عن اتفاق لتهجير رافضي التسوية، الأمر الذي وافقته عليه أم عبد الله النازحة من بصر الحرير، لأنها لا تثق بالنظام ولا بالضامن الروسي «حتى ولو زرعا لها البحر ورداً» كما قالت.

أما أنا فقد بدت لي كل الخيارات مجهولة مبهمة، لكن أمراً واحداً كان واضحاً بالنسبة لي، وهو أنه لم يعد لدي الطاقة على احتمال القصف والقذائف والمدافع مرة ثانية، بعد كل ما مررت به من ريف درعا الشرقي إلى الحدود الأردنية، ومنها بعد أيام عصيبة إلى ريف درعا الغربي ثم الرفيد. وهكذا كان قراري هو الذهاب إلى طفس في اليوم التالي.

الساعة العاشرة صباحاً، ويتوجب علينا أن نكون في تمام الساعة الحادية عشر أمام حاجز الجيش النظامي، المُقام عند مساكن جلّين، فهو سيسمح بالعبور إلى طفس بين 11 و12 ظهراً فقط. كان ذلك ما أخبر به عمر سائقَ السرفيس الذي كان مكتظاً بأطفال ونساء أبو عمر وأولاد أعمامه، والذي وجدت لي فيه مكاناً فوق إحدى الحقائب. لم نكن نحن وحدنا من يغادر الرفيد، فعشرات الحافلات تغادرها، والعدد الأكبر منها يقلُّ أولئك الفارين مؤخراً من قراهم وبلداتهم في ريف درعا الشرقي إلى القنيطرة هرباً من القصف والمعارك، وهم الآن يعودون إليها بعد أن دخلت فيما يسمى بالمصالحات.

أي قطيع نحن، يهشّه «الراعي الروسي» كما يحلو له، هذا ما كنت أقوله لنفسي ونحن ندخل مدينة نوى بعد خمسة عشرة دقيقة من مغادرتنا للرفيد. كانت نوى وقتها لا تزال تحت سيطرة فصائل الجيش الحر وهيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً). بعد نوى وصلنا إلى قرية الشيخ سعد التي كانت أقرب إلى قرية أشباح، ثم منها إلى مساكن جلّين.

في الساعة الحادية عشرة لم يكن يفصلنا عن حاجز جلّين سوى بضع دقائق، وأرتال طويلة جداً من سيارات وآليات النازحين العائدين إلى قراهم. كنّا جميعاً ننتظر إذن الحاجز للمرور. ترجع بي الذاكرة إلى وقت ليس بعيداً، أتذكر كيف كنا نستبعد قيام معركة كهذه في درعا، وقبل أن أغوص في ذكرياتي، يصرخ سائق السرفيس: «عَلَمُ النظام»، فأصرخ أنا في داخلي: «ما الذي فعلته بنفسي؟!»

كان العلم الروسي إلى جانب علم النظام على السواتر الترابية للحاجز، الذي انتظرنا إذنه للعبور ما يقارب الثلاث ساعات. بعد عشر دقائق أو أكثر من اجتياز الحاجز، ينعطف السرفيس نحو اليسار ليدخل مدينة طفس، بينما تتابع أغلب الحافلات الأخرى سيرها مباشرة نحو الطريق الحربي الذي سيفضي بها إلى قرى وبلدات ريف درعا الشرقي.

الأمر تماماً كما ذكره عمر، إذ لا تواجد لعناصر النظام داخل المدينة، ولا حتى لأعلامه، ولكن العلم الروسي كان يرفرف فوق مقرّ كان تابعاً للجيش الحر. وإلى هذا المقرّ، علمتُ أن شخصاً من الجانب الروسي يأتي كل يومين أو ثلاثة. شخصٌ لطيفٌ متعاون، ويؤدي الصلاة على أوقاتها، فهو ليس روسيّاً بل شيشانيٌ مسلم! كان هذا وصفاً قدّمه لي أحد عناصر جيش المعتز عن أحد الجنود الروس الذين يتواجدون في المدينة.

أطلبُ من السرفيس أن يتوقف، فأنا سأتابع مسيرتي إلى منزل صديقتي التي كنتُ قد أخبرتها قبلاً بقدومي.

«سيوزّعُ النظام علينا كما سمعنا أوراقاً لنوقّعها، تسمى ورقة تسوية وضع، سيعود بموجبها كل الذين تركوا وظائفهم الحكومية دون سابق إنذار إلى العمل، وسيتغاضى بموجبها النظام عن كل من عمل في المنظمات أو الوكالات الإعلامية المعارضة، وعن كل من كان ناشطاً أو منشقاً أو حاملاً للسلاح. بمعنى آخر، هي صكوك غفران. بالطبع هناك مخاوف لدى الجميع، ولا يزال الكل يشعرون بأن الثقة بالنظام شبه معدومة، ولكنهم يعوّلون على الضامن الروسي. وبعيداً عن كل هذا، لم يكن الأمر بأيدينا، فالطيران قاسٍ والعين لا تقاوم المخرز يا صديقتي».

كان هذا كان كلام صديقتي عن المصالحة والتسوية في طفس، ولا أعلم حينها لماذا تذكرتُ حديث صديق لي، أعرفُ عنه إيمانه التام بأن الحل في سوريا يجب أن يكون سياسياً وعن طريق المفاوضات، إلا أنه رفض وبشكل قطعي كل ما حصل من مفاوضات في درعا، واعتبرها «ضحكاً على اللحى». وهو شبّه تلك المفاوضات بأنها كانت أقرب إلى إحضار (س) من الناس، وإجباره على خلع حلّته القديمة، ليرتدي حلّة جديدة لها القماش والشكل نفسهما، ولكن بلون مختلف!

هل سيكون «صكّ الغفران» خاصتي هو طوق نجاتي من احتمالية مثولي أمام القضاء والمحاكم «الأسدية»، بسب تركي لوظيفتي في الدولة عن سابق إصرار وتصميم، والتحاقي وأنا بكامل قواي العقلية بركب الحالمين بالتغيير والحرية؟ لا أعلم. ولكنني أيضاً لا أثق بهم «حتى لو زرعوا لي البحر ورداً».

هرباً من الشيشاني المسلم إياه، ومن المصالحات القسرية، ومن «صكوك الغفران» المشكوك بها، وبناء على أمل بالمغادرة إلى إدلب، وأمل ضعيف بالمغادرة منها إلى تركيا لاحقاً، جاء قراري بالعودة إلى الرفيد صبيحة اليوم التالي، يحفزني على اتخاذه أصدقاءٌ ظلّوا في الرفيد، يقولون إن الروس سيفتحون باب التهجير من القنيطرة إلى الشمال خلال اليومين القادمين، وقبل اقتحامهم للقنيطرة.

كان من المستحيل في ذلك الصباح أن أجد من يقلّني إلى الرفيد، فالطريق من طفس إلى نوى بات يشهد وضعاً أمنياً خطيراً منذ مساء الأمس، أي بعد ساعات فقط من عبورنا نحو طفس، فالمعارك على أشدها بين النظام وداعش على جبهة قريبة من الطريق، إضافة إلى أن الروس كان قد قرروا إلحاق نوى بركب المصالحات على طريقتهم.

سقطت نوى بيد النظام وحليفه الروسي في 19 تموز 2018 بعد ليلة دامية جداً، أما أنا فوجدتُ تاجر الغنم أبا زكريا، وهو من قرية حيران إحدى قرى القنيطرة. كان قد أمضى ليلته السابقة عند معارف لصديقتي، ورحّبَ بإيصالي إلى الرفيد في حافلته.

أصعدُ لأجلس في المكان المخصص للأغنام في حافلة أبي زكريا، لان امرأتين ومعهما أطفال كانوا يجلسون إلى جانبه. تجتاز الحافلة حاجز مساكن جلين حوالي الساعة الثانية ظهراً، لتنطلق بعدها بأقصى سرعة. كان الجيش النظامي ينتشر بكثافة في قرية الشيخ سعد، وفقط على مدخل مدينة نوى.

تحلّق البجعات الروسية العملاقة فوق الطريق بين نوى والرفيد، وتقصف بعنف تلّ الجابية. تدخل الحافلة قرية الرفيد، التي أغلقت دكاكينها ومحالها وخلت شوارعها تماماً، تلك الشوارع التي بنى عليها النازحون قبل أيام خياماً وبيوتاً من الخشب والزنك، حينما لم يجدوا بيوتاً حجرية تتسع لهم في القرية الصغيرة.

يوصلني أبو زكريا إلى المكان الذي أخبرته عنه قبل خروجنا من طفس، وقبل أن أشكره وأودعه، يقترب مني ويسألني: «أنا محتار في أمرك جداً، فالجميع يبقون في أماكنهم، أو يغادرون من الغرب إلى الشرق، إلا أنت؟!»، فأجيبه: «أنا سأغادر نحو الشمال».