من حوض اليرموك إلى البادية: استراتيجيات داعش المحتملة

 

بدأت قوات النظام عملية عسكرية شرق السويداء ليل أمس الأحد تستهدف مناطق سيطرة تنظيم الدولة في البادية القريبة من المحافظة الحدودية حسب ما أفادت شبكة السويداء 24، كما أفادت الشبكة بأن قوات النظام استطاعت السيطرة على عدة تلال استراتيجية في المنطقة بعد بداية العمليات.

وكانت تقارير صحفية قد أشارت خلال الأسبوع الماضي إلى أن عناصر تنظيم داعش المتبقين في منطقة حوض اليرموك، وبالتحديد في بلدة الشجرة ومحيطها، آخر المناطق التي بقيت بيد التنظيم قبل بسط النظام سيطرته بشكل كامل على الحوض، وقّعوا اتفاقاً مع النظام بعد مفاوضات أدارتها قيادة التنظيم في البادية، يقضي بخروج هؤلاء المقاتلين إلى البادية مقابل تسليم البلدة، كما تضمّن الاتفاق بنوداً تتعلق بتبادل يشمل إطلاق التنظيم لمختطفي السويداء مقابل إطلاق النظام لمعتقلين يتبعون التنظيم.

وكان داعش قد اختطف عدداً من المدنيين من محافظة السويداء خلال الهجوم الإجرامي الذي نفذه نهاية الشهر الماضي، ليقوم بالتهديد بتصفيتهم في حال استمرت عمليات النظام على حوض اليرموك. وبالفعل قام التنظيم بقتل أحد المختطفين، مهند أبو عمار، وهو طالب جامعي خُطف خلال الهجمة الأخيرة.

لم يتم تنفيذ عملية التبادل المفترضة حتى اللحظة، ولا يزال النساء والرجال المختطفون في قبضة التنظيم، دون أن تُعرَفَ النقاط الخلافية التي عرقلت إطلاق سراحهم. وعلى أي حال فقد تميزت مجريات الأيام الأخيرة من معارك حوض اليرموك والمفاوضات المرافقة لها بالسرية والتكتم الشديد وغياب إمكانية التحقق من التفاصيل، إذ في الوقت الذي بدأت فيه حافلات النظام بنقل مجموعات من التنظيم من الشجرة ومساكن جلّين القريبة منها يوم الحادي والثلاثين من تموز، كانت تخوض معارك مع مجموعات أخرى في الوديان والسهول، انتهت بترحيل من تبقى حياً من المقاتلين إلى البادية أيضاً.

يبدو أن نهاية داعش المعلنة في منطقة حوض اليرموك، بعد سيطرة النظام رسمياً على كامل المنطقة، ستُقدّمُ دفعة جديدة للتنظيم الذي استقبل مقاتلين من حوض اليرموك تشير التقديرات إلى أن أعدادهم وصلت إلى نحو 800 مقاتل، يضافون إلى الأعداد التي خرجت إلى البادية خلال الاتفاقات التي وقعها النظام والروس مع التنظيم خلال الأشهر الماضية في محيط مدينة دمشق.

إلا أن هذه الزيادة في أعداد المقاتلين قد لا تحمل أهمية استراتيجية كبيرة للتنظيم الذي بدأ يتكيف مع وضعه الجديد في البادية السورية، الأمر الذي قد يدفع قيادات التنظيم إلى الزجّ السريع بأكبر عدد ممكن منهم في معارك مباشرة للتخفّف من عبء الأعداد الضخمة التي ستعيق الحركة في البادية السورية. وفي ظل ضغط قوات النظام على جبهات بادية السويداء الشرقية، قد تتجه أنظار التنظيم نحو مناطق أخرى مثل البوكمال أو تدمر أو حتى جنوب الرقة، لتنفيذ عمليات ضخمة هناك، تكون بمثابة إعلان آخر عن استمرار وجوده في المنطقة.

الرابط المباشر بين هذه التطورات لن يكون الوجه الوحيد للتطورات في منطقة البادية السورية خلال الفترة القادمة، إذ من المحتمل أن يدخل التنظيم بعد هذه الصدامات المباشرة والواسعة في مرحلة كمون في المنطقة، يعيد فيها بناء استراتيجياته مستغلاً عدم وجود قوة واحدة تسيطر على أطراف البادية السورية التي تصل ريف حمص الشرقي وريف حماة الشرقي بريف الرقة الجنوبي بالضفة الغربية لنهر الفرات في محافظة دير الزور حتى البوكمال لتصل إلى الحدود الأردنية وأطراف محافظة السويداء الشرقية.

هذه المنطقة الواسعة ستكون عُمقاً مثالياً لاستمرار مجموعات صغيرة من التنظيم، الذي تمرّسَ سابقاً على البقاء في بادية الأنبار العراقية لسنوات قبل انبعاثه بشكله الأخير في سوريا والعراق، ومن هذه المنطقة يستطيع التنظيم الانطلاق لتنفيذ عمليات على عدة مراحل، أولها ربما تكون على شكل عمليات مشابهة لما حدث في السويداء نهاية الشهر الماضي، أي تنفيذ عمليات خاطفة مفاجئة واسعة النطاق، تستغلّ نقاط الضعف في خطوط الدفاع الواقعة على أطراف البادية.

بعد استنفاذ طاقة العناصر الذين وصلوا إلى البادية نتيجة التسويات مع النظام، تتيح مساحات البادية الواسعة الوعرة لمجموعات التنظيم الانتقال إلى مرحلة ثانية، تتمثل في إمكانية تنفيذ عمليات متفرقة لقطع طرقات البادية، واستهداف الشحنات التجارية أو القوافل العسكرية فيها، دون التمركز في نقاط استراتيجية بشكل واضح، أو السيطرة المباشرة على مساحات معينة.

إضافةً لذلك، يمكن للتنظيم الاعتماد على مساومة النظام والميليشيات الإيرانية لتأمين تنقلاتها عبر البادية، وفرض استقراره في مناطق حيوية واستراتيجية، ووقف العمليات القتالية ضده في عمق البادية، مما سيؤمن له فترة طويلة من الكمون يستطيع خلالها إعادة تنظيم نفسه بشكل أكثر جذرية، بانتظار تصدّعات جديدة في منطقة غير مستقرة وتعيش صراعات لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، الأمر الذي سيوفّرُ فرصة لولادة التنظيم ذاته من جديد، أو لولادة نسخة جديدة من التنظيمات الجهادية، ربما تكون أكثر محلية، لكنها بالتأكيد ستكون أكثر عنفاً ووحشية.