من دولة البعث إلى أولاد المسؤولين

 

على الرغم من المناقشات الجارية حول «مكاسب وآلام» تحرير الاقتصادات في البلدان النامية، لم تترك السوق العالمية المعولمة خيارات أخرى للبلدان المعنية سوى فتح اقتصاداتها، فقد شهدت العقود الخمسة الماضية بالفعل قيام عدد كبير من البلدان النامية بتحرير قطاعاتها المالية: من أميركا اللاتينية في السبعينات، مروراً بشرق آسيا في الثمانينات، وصولاً إلى الشرق الأوسط، كما حصل في كل من المغرب وتونس والأردن خلال ثمانينات القرن الماضي، لدى توقيعها على برامج إقراض من صندوق النقد الدولي.

بدأت معظم عمليات الإصلاح هذه كردود فعل على الصدمات السياسية أو الاقتصادية، مثل التغييرات في النظام السياسي، أو الأزمات المالية والتكيّفات السياسية والاقتصادية مع الدول المجاورة، أو استجابةً للضغوط الخارجية (على سبيل المثال، الشروط التي تفرضها المؤسسات المالية والإنمائية الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو منظمة التجارة العالمية أو البنك الدولي وغيرهم). كما أن الانخفاض في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لعب دوراً في تشجيع هذه العمليات من خلال توفيره إمكانية جذب رأس المال الرخيص.

وعادةً ما تساعد السياسات التحريرية في تشجيع الاستثمار الأجنبي، وخلق فرص العمل وتعزيز الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، فإن التحرير المالي في البلدان النامية لم يُظهر دائماً التأثيرات المرغوبة. ويمكن إرجاع النتائج السلبية بشكل خاص إلى شكل الأنظمة السياسية غير الديمقراطية التي عملت على هذه السياسات.

عاشت سوريا هذا التحول في السياسات الاقتصادية مطلع تسعينات القرن الماضي، ومع بداية الألفية الجديدة تسارعت الخطوات نحو تحرير الاقتصاد السوري. ورغم أنّ ذلك كان حتمياً وضرورياً للبلاد، إلا أن الإصلاحات لم تأخذ أبداً شكلاً برنامجياً واضحاً، كما افتقرت إلى استراتيجية شاملة متماسكة، وهو ما أدى إلى تغييرات جوهرية في البنية الاقتصادية والمجتمعية السورية. 

ستركز السطور التالية على الإجراءات والقوانين المتّخذة في هذا الصدد، والتي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تغيير شكل الاقتصاد السوري الذي ظل تحت أشكال متنوعة من القمع لأكثر من 40 عاماً. ويمكن تقسيم عملية التحوّل هذه الى مرحلتين: مرحلة التسعينات تحت حكم الأسد الأب، ومرحلة بداية الألفية الجديدة تحت حكم الأسد الابن. ومن ثمّ سأستعرض أهم النتائج والآثار لهذه السياسات، الإيجابية منها والسلبية.

قانون الاستثمار وبداية التحول في التسعينات

في بداية التسعينات، شهد الاقتصاد السوري نمواً مطّرداً، وبدأ يتعافى من الأزمات المتعاقبة خلال الثمانينات (آثار حرب الخليج واجتياح إسرائيل للبنان، والعقوبات الغربية الاقتصادية التي ظهرت آثارها بشكل واضح جدا على الاقتصاد السوري عام 1986). ويرجع ذلك النمو الاقتصادي جزئياً إلى قانون الاستثمار الجديد المعروف باسم القانون رقم 10 لعام 1991، الذي شجع الاستثمارات الخاصة والأجنبية. في الوقت نفسه فإن الزيادة السريعة في عقود استثمار حقول النفط في المنطقة الشرقية، فضلاً عن زيادة الصادرات، ساعدت على تعويض الخسائر العامة، وسمحت للحكومة بتمويل مشاريع البنية التحتية اللازمة. أدى ذلك إلى استقرار العملة نسبياً وخلق العديد من فرص العمل؛ إذ كان متوسط ​​معدل النمو الحقيقي بين العامين 1991 و1994 عند حدود 7.2 بالمئة. ومع ذلك، فإن فترة الازدهار هذه لم تدم طويلاً، ففي 1996 بدأ النمو الاقتصادي في سوريا بالتباطؤ، وفي نهاية التسعينات دخل في حالة ركود بمعدل نمو سلبي بلغ 3.9 بالمئة في عام 1999، وكان يتقلب باستمرار حتى عام 2004.

كان هناك الكثير من العوامل التي ربما أثرت على تنمية الاقتصاد الكلي في سوريا، الداخلية منها والخارجية، لعلّ أهمها انخفاض أسعار النفط،1 وتدني مستويات هطول الأمطار،2 وغياب بنيوي للتكنولوجيا والابتكار عن الاقتصاد السوري، وشبه انعدام ثقة المستثمرين بأن حقوق الملكية محمية بموجب القانون السوري. وأدت بيروقراطية سوق العمل المفرطة، والأعباء الضريبية غير المتوقعة، والبنية التحتية الضعيفة للاتصالات السلكية واللاسلكية، وغيرها من العوامل إلى زيادة تكاليف ممارسة الأعمال التجارية في سوريا؛ كما كانت معدلات الفساد والصفقات الخلفية تتفاقم بوتيرة أسرع بكثير من النمو الاقتصادي.

وكما هو الحال في معظم البلدان النامية، لم يكن النظام المالي السوري في وضع أفضل بكثير. في دولة ذات نظام أقرب الى الاشتراكي، عانت سوريا من القمع المالي منذ عام 1963 مع استيلاء البعث على السلطة. وبالتالي، فإن نقاط الضعف والقيود التي يعاني منها القطاع المالي ساهمت في مشاكل النمو المذكورة أعلاه وعملت على تعميقها. تميزت بنية النظام النقدي والمصرفي السوري في الفترة ما بين 1990 و1999 بمستوى متدنٍ بحسب المعايير الدولية، حيث كان القطاع المصرفي في سوريا يتألف من ستة بنوك مملوكة للدولة، مهمتها الرئيسية تمويل الشركات المملوكة للدولة والمشاريع الحكومية.3

منذ سبعينات القرن الماضي وحتى عام 2003 ثبّتت الحكومة السورية سعر الفائدة، على الرغم من معدلات التضخم شديدة التقلب، إذ لم تستخدم الحكومات المتعاقبة أيّاً من أدوات السياسة النقدية - مثل معدلات الخصم أو نسب متطلبات الاحتياطي. ولذا جرى تثبيط الادخار المعتمِد على البنوك وظهرت أسواق ائتمان غير رسمية وغير منظمة. بالإضافة إلى ذلك، كان نظام الدفع ضعيفاً ومتخلّفاً، ما أدى لتنفيذ معظم المعاملات نقداً (إلا في حالات المعاملات الكبيرة من خلال الشيكات، أو في حالات نادرة جداً استُخدمت فيها التحويلات الإلكترونية). وكان البنك المركزي السوري يخضع لسيطرة حكومية صارمة، وبالتالي لم تكن له أية فاعلية في السياسة النقدية، ولا في الإشراف على قطاع البنوك، وكان هناك حظر مفروض على صرف العملات الأجنبية للقطاع الخاص. لذلك، جرى اعتماد أسعار صرف متعددة للقطاعين العام والخاص، مما جعل نظام التجارة الخارجية معقداً وغير شفاف.

في ضوء ما سبق، تصاعدت الدعوات للإصلاح. تمت المطالبة في الغالب بإنشاء أجهزة وهيئات تنظيمية مستقلة لرفع كفاءة عمل المؤسسات وتقليل تكاليف المعاملات وضمان المصداقية في الهيكل المؤسسي التنظيمي، فضلاً عن نظام ضريبي فعال ومنصف، ومؤسسات إنتاجية خاصة (مُنتِجة). على سبيل المثال، طالَب الاقتصادي السوري عارف دليلة في عام 1995 بـ«تحرّر الجهاز المركزي للرقابة من هيمنة وزارة المالية، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش من الحكومة، والمصرف المركزي من مكتب القطع والمصارف التجارية من وزارة الاقتصاد، وهكذا، حتى تحرير الاقتصاد من العبودية للبيروقراطية المتقادمة. هذا وإلا فلا ديمقراطية ولا تقدم اقتصادي-اجتماعي ابداً».4 مع نهاية التسعينات، اتضح للاقتصاديين أنه لا مفر من إصلاح الاقتصاد السوري، وهو ما أكده النظام الذي بدأ يعتبر الفترة بين 1996 و2004 بمثابة «سنوات ضائعة للاقتصاد السوري».

«اقتصاد السوق الاجتماعي» والنيوليبرالية الأسدية

في بداية عام 2000 شهدت سوريا «تغييراً» في النظام السياسي حين ورث بشار الأسد سلطة البلاد من أبيه. وفي خطاب تنصيبه، أعلن الابن عن خطط لإصلاح اقتصادي ومالي. ومع ذلك، فإن خطط إصلاح الأسد لم تكن فقط نتيجة لنهج سياسي جديد، بل - كما رأينا من قبل - نتيجة حتمية للضرورة الاقتصادية: أولاً، الركود العميق الذي أصاب الاقتصاد السوري خلال أواخر التسعينات من القرن الماضي، الذي بعث برسالة واضحة إلى الحكومة بأن الحفاظ على النظام الاقتصادي الاشتراكي القديم لم يعد خياراً ممكناً. في الوقت نفسه، طالبت المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وكذلك حكومات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بإعادة هيكلة النظام الاقتصادي السوري نحو اقتصاد السوق المفتوح إلى حد ما، كما عجّلت الألفية الجديدة من الانتقال نحو العولمة والأسواق الحرة، التي أتاحت الفرص للحكومة السورية للوصول إلى الأموال العالمية وتحسين علاقاتها - سياسياً واقتصادياً - مع الدول الغربية. وقد يكون لمجتمع رجال الأعمال، الذي يمثل محاسيب وواجهات للسلطة - كآل طلاس وخدّام وسليمان ودوبا وشاليش وشوكت وحمشو وغيرهم - نصيبه أيضاً في الضغط على النظام السوري لتحرير الاقتصاد من قيود الاشتراكية.

في الفترة من 2000 إلى 2010، صدر قدر كبير من القوانين والمراسيم التشريعية من أجل تنشيط القطاع المالي وتحسين أنظمة وتشريعات ومؤسسات اقتصاد السوق. ولغرض فهم هذه القوانين وعواقبها، سأعرض هنا أهمها، وسأبحث في آثارها على القطاعات المختلفة في الاقتصاد السوري.

على صعيد التجارة الخارجية، تخلّت الحكومة السورية عن احتكارها للواردات - باستثناء بعض السلع المدعومة مثل الرز والسكر ومنتجات النفط - والتي سمحت بدورها للقطاع الخاص باستيراد السلع بعمولة 2-4 بالمئة. بين 2003 و2006، جرى تخفيض الحد الأعلى للرسوم الجمركية بشكل كبير، من 255 بالمئة إلى 65 بالمئة، وتخفيض متوسط ​​معدل الرسوم الجمركية من 20 بالمئة إلى 14.5 بالمئة، والذي كان من شأنه تحفيز حركة التجارة الخارجية من استيراد وتصدير. علاوةً على ذلك، وقعت سوريا عدداً كبيراً من اتفاقيات التجارة الحرة المهمّة، معظمها مع دول مجاورة مثل الإمارات والسعودية والعراق والأردن وتركيا. في عام 2001، تقدّمت سوريا رسمياً بطلب للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (ما تزال من دون موافقة).

فيما يتعلق بالسياسات المالية، فقد تحقّقت تحسينات على جانبَي الميزانية، حيث تمّ تغطية العجز وتحقيق توازن بعد عدة سنوات من السياسة المالية التوسعية خلال التسعينات. ساعد التخفيض التدريجي للدعم المُقدَّم من الحكومة السورية على خفض الإنفاق، كما أن عدداً كبيراً من التحسينات في النظام الضريبي دعم ميزانية الحكومة من ناحية الإيرادات.5

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، أُنشئ مجلس النقد والتسليف بعد إصدار القانون رقم 23 لعام 2002، والذي أعطى البنك المركزي السوري دوراً بارزاً في ضبط السياسة النقدية. كما شهد عام 2003 تعديل سعر الفائدة بعد 22 عاماً من إبقائه ثابتاً. منذ عام 2004، تم تحديد سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، وفي عام 2005 سمح القانون رقم 24 بتأسيس شركات الصرافة. وفي عام 2007 صدر القانون رقم 15 لتنظيم مؤسسات التمويل الأصغر.

أما القطاع المصرفي، فقد كان من أهم القطاعات التي خضعت للإصلاح، بدءاً بالقانون رقم 28 لعام 2001، والذي نظّم النظام المصرفي وسمح بإنشاء البنوك الخاصة.6 في نفس العام، كفل القانون رقم 29 السرية المصرفية.7 بالإضافة إلى هذه الإجراءات، مُنحت البنوك العامة إمكانية الاستفادة من التحسينات في برامج التدريب على التكنولوجيا والمعدات، مع تجنّب أي تغييرات جذرية في أساليب عملها أو تحركاتها نحو الخصخصة.

وبهدف تعميق القطاع المالي، أدى القانون رقم 48 لعام 2004 إلى إنشاء الهيئة السورية للإشراف على التأمين، كما سمح القانون رقم 43 لعام 2005 بإنشاء شركات تأمين خاصة في سوريا. القانون رقم 22 لعام 2005 فأنشأ الهيئة السورية للأسواق المالية والأوراق المالية. أخيراً، أنشأ القانون رقم 55 لعام 2006 سوق دمشق للأوراق المالية، والتي بدأت العمل في عام 2009.

نتائج اللبرلة الاقتصادية

من خلال كل هذه القرارات والإجراءات، بالإضافة إلى العديد من الإجراءات الأخرى، شهد الاقتصاد السوري تحسينات وتغيرات كبيرة. فيما يلي نظرة أكثر تفصيلاً عن نتائج عمليات الإصلاح وعواقبها على الاقتصاد والمجتمع السوري:

تحسّن مؤشرات الاقتصاد الكلي

من عام 2000 إلى عام 2004، سجل الناتج المحلي الإجمالي السوري نمواً إيجابياً بمعدل 2 بالمئة، ولكن بوتيرة أبطأ من النمو السكاني البالغ 2,4 بالمئة. وبين عامي 2005 و2010، عندما بدأت الإصلاحات في إظهار آثارها الأولى، ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 5 بالمئة في المتوسط.8 علاوةً على ذلك، تحسّنت بيئة الاستثمار السورية بشكل كبير،9 وأعادت الشركات الخاصة بناء نفسها، وحسّنت ممارساتها الرقابية، وركزت على الموارد البشرية، ووسّعت دورها في التصدير. في عام 2004 تفوّقت استثمارات القطاع الخاص على الاستثمار العام لأول مرة في التاريخ السوري الحديث، كما زادت الاستثمارات الأجنبية بشكل واضح،10 كما شهد سوق العقارات ازدهاراً، وأبدى العديد من المستثمرين الخاصين والأجانب اهتماماً بالسوق السوري الصاعد. علاوةً على ذلك، أصبح سوق التجزئة أكثر حداثة، وبعد 40 عاماً من الاقتصاد الاشتراكي المخطط، امتلأت المتاجر السورية فجأة بمجموعة كبيرة ومتنوعة من المنتجات.

فيما يتعلق بقطاعها المالي، استفادت سوريا أيضاً من بعض الإصلاحات. بين 2005 و2010 ارتفع سعر صرف الليرة السورية بمقدار بسيط مقابل الدولار، وأدّى تعديل سعر الفائدة والحفاظ على الرقابة على الإقراض والودائع إلى تعزيز دور القطاع المصرفي، وكذلك دور الوسطاء الماليين. وازداد وصول القطاع الخاص إلى الائتمان، بل إنه تجاوز في عام 2005 حصة القطاع العام من الائتمانات. في عام 2010 كان هناك 14 مصرفاً خاصاً يعمل في سوريا، مما ساهم بحصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي. في نهاية عام 2010، بلغت حصة البنوك الخاصة من إجمالي أصول القطاع 30.4 بالمئة (مقارنة بـ13 بالمئة في عام 2006). بالإضافة إلى ذلك، ساهمت سوق الأوراق المالية وشركات الخدمات المالية في تعميق القطاع المالي، حيث قدمت خدمات مثل الوساطة والأبحاث والاستشارات المالية وزيادة رأس المال، كما لعبت شركات الصرافة دوراً رئيسياً، ليس فقط في تلبية احتياجات المتداولين من العملات الأجنبية، ولكن أيضاً في مساعدة البنك المركزي السوري في السيطرة على المعروض النقدي وسعر صرف الليرة السورية. كذلك، تمكنت سوق دمشق للأوراق المالية، التي فتحت أبوابها فقط في عام 2009، من جذب أكثر من 20 شركة كانت على استعداد للتداول فيها، على الرغم من الأزمة المالية العالمية المستمرة آنذاك.

توزيع الثروة والعواقب الاجتماعية

رغم كل ذلك، فإن التوقف عند هذه النتائج الإيجابية يعني تجاهل الصورة الأكبر. لقد تحسّن أداء الاقتصاد السوري بشكل ملحوظ بالفعل، لكنه ظل متأخراً عن متوسط البلدان الأخرى التي خضعت لإصلاحات مماثلة. فقد ازدهر الاقتصاد بقيادة قطاع الخدمات، في حين تركزت الاستثمارات الأجنبية - الخليجية بالأخص - على المشاريع العقارية والسياحية المُترَفة. كما بقيت إنتاجية القطاع العام الضعيفة على حالها، ومع ذلك ظلّ هذا القطاع المُشغِّل الرئيسي للعمالة السورية. وبحسب مؤشر الحرية الاقتصادية، لم تحقق سوريا الكثير في ما يتعلق بالحرية المالية أو الاستثمارية (20/100 عام 2010) أو حقوق الملكية (25.0/ 100 عام 2010). في عام 2010، قام مؤشر ممارسة الأعمال الصادر عن مجموعة البنك الدولي بتصنيف سوريا في المرتبة 137 من 178 فيما يتعلق بتكاليف ممارسة الأعمال التجارية، وفي المركز 181 من 183 من حيث الوصول إلى الائتمان. كما أن العديد من المراسيم أو القوانين المتعلقة بالاقتصاد لم تُلغِ سابقاتها، مما وضع الشركات السورية تحت مستوى عالٍ من عدم اليقين، وبما ينطوي تالياً على مخاطر كبيرة. كما ظل البنك المركزي السوري تحت سيطرة وزارة المالية، ولم يتم إصلاح أو إعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة وغيرها من المؤسسات العامة، مما أدى إلى بقائها تعاني من انخفاض الربحية ونقص القدرة التنافسية. هناك مشكلة أخرى كبيرة تكمن في المستوى العالي من الفساد، فمعظم الاستثمارات الكبيرة، مثل البنوك الخاصة أو الشركات العقارية أو شركات الاتصالات، كانت ولا تزال تحت سيطرة حفنة من المستثمرين ذوي العلاقات الوثيقة مع النظام السوري، ولم يكن لدى النظام القدرة أو الإرادة على مكافحة رأسمالية المحاسيب أو وقف الصفقات الخلفية، التي ظلت شائعةً داخل القطاعين العام والخاص بشكل كبير.

والجدير بالذكر أيضاً أنّ معدلات الأسعار ارتفعت بتسارع كبير من عام 2000 وحتى 2010، ولم تتمكن الأجور من مواكبة هذا الارتفاع. من عام 2006 إلى عام 2010، تجاوز معدل التضخم السوري معدل النمو في البلاد، وازدادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وكان لارتفاع الأسعار آثار بالغة الضرر على مستويات المعيشة لفئات اجتماعية كبيرة. وفقاً لتقرير الفقر الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كان حوالي 11 بالمئة من السكان السوريين يفتقرون إلى الوصول للمتطلبات الغذائية وغير الغذائية الأساسية في عام 2004، وهو رقم ارتفع باستمرار منذ ذلك الحين بحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اللاحقة (2007: 12,3 بالمئة، 2011: 14 بالمئة).

في المتوسط​​، بلغ معدل البطالة الرسمي في سوريا حوالي 8 بالمئة بين عامي 2006 و2010 (باستثناء عام 2008، حيث ارتفع المعدل إلى 10 بالمئة)، لكن معظم الوظائف المتاحة كانت بأجور وظروف سيئة، فيما بقيت زيادة الأجور في القطاعين العام والخاص مقتصرة فقط على المتعلمين جيداً، لتترك الأقل تعليماً - أي ما يصل إلى 60 بالمئة من السكان السوريين - يعانون من التضخم. ومع ذلك، فإن عدم المساواة لا تتعلق فقط بتوزيع الدخل، ولكن أيضاً بالوصول إلى الخدمات والاستثمارات، والتي تركزت في الغالب على المدن الكبرى، مع عواقب وخيمة على المناطق الريفية المتروكة. 

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أنّ التعقيد الكامل للوضع السوري يصعب حصره في نص قصير، لا سيما بالنظر إلى العدد الكبير والمتنوّع للاعبين الداخليين والخارجيين الذين تأثّروا أو أثّروا بعملية لبرلة الاقتصاد السوري. فكما رأينا، كان الإصلاح الاقتصادي أمراً لا مفر منه في سوريا، ولم يكن الحفاظ على ما قبل عام 2000 خياراً ممكناً. وعلى الرغم من العواقب السلبية التي نتجت عن سياسات اللبرلة، كانت عملية الإصلاح في أوائل عام 2000 خطوة مهمة على طريق سوريا الطويل نحو اقتصاد السوق الاجتماعي. ومع ذلك، بدت العديد من القوانين والتدابير الفردية التي ناقشتْها هذه الورقة كما لو أنه لم يتم التفكير فيها بشكل كامل، ولم يتم تنفيذها بشكل صحيح. من الواضح أن الإصلاح الاقتصادي والمالي السوري افتقر إلى استراتيجية شاملة متماسكة تأخذ في الاعتبار الآثار المحتملة على التعليم، أو الرعاية الصحية، أو المعاشات التقاعدية، أو الخدمات العامة الأخرى. لذا بالإمكان القول إن عملية التغيير الاقتصادية لم يتم إنجازها بشكل صحيح. ففي حالة سوريا، كما كان التحرر الاقتصادي مطلباً أساسياً للتنمية، فإنّ الإصلاح السياسي يجب أن يكون القاعدة التي تُبنى عليها الإصلاحات التحريرية، والتي بدورها توفّر الخلفية (أو الخلفيات) المناسبة لسوق حرة. لذلك فإن السوق الليبرالية تحتاج إلى دولة ليبرالية إلى حدّ ما لكي تعمل بشكل جيد. وكما قال دينيس كوين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون: «إذا كان النظام المالي الدولي المفتوح سيحافظ عليه نظام استبدادي، فقد يساهم ذلك في ظهور طبقة اجتماعية واقتصادية تطالب بالحريات السياسية».11 وعليه، لا شك بأنّ النتائج التراكمية لسياسة رأسمالية المحاسيب الحاصلة بين 2000 و2010 كانت، بشكل أو بآخر، عاملاً دافعاً للانتفاضة الشعبية عام 2011.

  • 1. في عام 1996 شكلت عائدات النفط حوالي 40 بالمئة من إجمالي عائدات الحكومة السورية، وشكلت صادرات النفط ما يصل إلى 60.9
  • 2. كانت الزراعة، ولا تزال، القطاع الرئيسي للاقتصاد السوري، حيث ساهمت بمعدل 30 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي، ووظّفت 28.5 بالمئة من العاملين بأجر خلال الفترة من 1995 إلى 1999.
  • 3. أصدرت البنوك الحكومية ثلثي الائتمان الممنوح للقطاع العام مباشرةً، أحدها البنك التجاري السوري، الذي يمتلك بالفعل حوالي 64 بالمئة من جميع الودائع، وأكثر من 71 بالمئة من جميع الائتمانات. وباستثناء القطاع الزراعي، كان لدى القطاع الخاص فرص محدودة للغاية للحصول على الائتمان. بالإضافة إلى ذلك، كان عدد فروع البنوك منخفضاً جداً (فرع واحد فقط لكل 52,000 نسمة)، ومعظمها يقع في محيط دمشق وحلب! وبديلاً عن ذلك، كان التمويل الداخلي والعائلي مصدر الائتمان الرئيسي للقطاع الخاص.
  • 4. Dalila, Aref 1995: The Monetary Mass in Syria. Syrian Economic Sciences Society January 1995.
  • 5. مثل القانون رقم 61 لعام 2004 من أجل تنظيم ضريبة المبيعات، والقانون رقم 24 لسنة 2003 بشأن ضريبة الدخلو والقانون رقم 25 لسنة 2003 بشأن مكافحة التهرب الضريبي، والقوانين رقم 51 و60 اللذين ينظمان الضرائب على الصادرات والواردات.
  • 6. لم تبدأ البنوك الإسلامية العمل إلا بعد عام 2005، عندما سمح القانون رقم 35 بإنشائها ونظّمها.
  • 7. تم فرض الحد الأدنى من المتطلبات لإدارة مخاطر الائتمان ومعدلات الفائدة وتصنيف القروض، وكذلك المخصصات في عام 2004. ومنذ ذلك الحين، تم تبنّي العديد من اللوائح الأخرى. على سبيل المثال، في ما يتعلق بالحد الأدنى من متطلبات الرقابة الداخلية الفعالة أو المعايير الدنيا لاستراتيجية وسياسة إدارة المخاطر التشغيلية، صدر في عام 2005 القانون رقم 33 لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
  • 8. في الوقت نفسه، ظل عجز الموازنة السورية تحت السيطرة، مع ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية (أكثر من 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي)، ودين خارجي منخفض نسبياً (17.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي).
  • 9. بين عامي 2000 و2008، ارتفع معدل الاستثمار من 17 بالمئة إلى 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
  • 10. في عام 2007 زاد إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر بمقدار ست مرات ونصف ما كان عليه في عام 2002. ونتيجةً لهذا النمو الاستثماري وانخفاض إنتاج النفط في نفس الوقت، تجاوزت صادرات سوريا من السلع الصناعية التقليدية (المنسوجات والمنتجات الغذائية...) صادرات البلاد من النفط لأول مرة منذ 15 عاماً. في عام 2007 زاد إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر بمقدار ست مرات ونصف ما كان عليه في عام 2002. ونتيجةً لهذا النمو الاستثماري وانخفاض إنتاج النفط في نفس الوقت، تجاوزت صادرات سوريا من السلع الصناعية التقليدية (المنسوجات والمنتجات الغذائية...) صادرات البلاد من النفط لأول مرة منذ 15 عاماً.
  • 11. Quinn, Dennis P. 1998: Democracy and International Financial Liberalization. Prepared for presentation at the 2000 Annual Convention of the American Political Science Association, November 1998.