من سيشتري النفط الإيراني؟

 

يدخل حيز التنفيذ اليوم، الثاني من أيار/مايو 2019، قرار الإدارة الأميركية القاضي بإنهاء جميع الإعفاءات التي سمحت لدول معينة بالاستمرار في استيراد النفط الإيراني، دون أن تشملها حزمة العقوبات المشددة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وكانت الإدارة الأميركية قد أكدت أواسط نيسان الماضي على قرارها القاضي بعدم تمديد هذه الإعفاءات، التي استفاد منها مستوردون كبار للنفط الإيراني خلال الأشهر الستة الماضية، وعلى رأسهم الصين والهند وتركيا.

وبينما أعلنت كل من اليابان وكوريا الجنوبية استعدادهما لتنفيذ هذا الإجراء، قدمت الصين احتجاجاً رسمياً على القرار الأميركي، وهو ما يعزز التصورات بأن بكين لن تلتزم بقرار العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة العام الماضي بعد انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران. ولكن بالمقابل، فإن الصين تخاطر بتعرض شركاتها التي تستورد النفط من إيران لعقوبات أميركية، ما سيضعف موقفها بشكل كبير في المفاوضات التجارية بين البلدين، التي تهدف إلى إنهاء حرب تجارية أثرت على الاقتصاد العالمي العام الماضي.

وتهدد العقوبات الأميركية الاقتصاد الإيراني بمواجهة أزمة شديدة، من خلال تركيزها على استهداف قطاع النفط الذي يغطي ثلث واردات الميزانية الإيرانية، ما سينعكس على الإنفاق الحكومي الذي يتراجع منذ العام الماضي، بالتزامن مع ازدياد التضخم الذي توقعت مؤسسات مالية أن يصل هذا العام إلى 35%. كما أن تهديد قطاع النفط، وهو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في إيران، سيؤدي إلى استنزاف احتياطي القطع الأجنبي لديها، ما يعني بدوره مزيداً من التضخم أيضاً، ومعه تراجع القدرة على استيراد الاحتياجات الأساسية مثل الأدوية والمنتجات الغذائية من الخارج.

وقد حاولت التصريحات الرسمية الإيرانية التخفيف من أثر هذا القرار على الاقتصاد الإيراني، إذ قال رئيس الجمهورية الإيراني حسن روحاني: «إن قرار الولايات المتحدة تصفير صادرات إيران النفطية خاطئ، ولن يُسمح بتطبيقه على الأرض»، فيما استبعد مسؤول في وزارة النفط الإيرانية قدرة الولايات المتحدة على وقف صادرات النفط الإيراني، قائلاً في تصريح لوكالة تسنيم: «سواء استمرت الإعفاءات أم لم تستمر، لن تصل صادرات النفط الإيرانية أبداً إلى مستوى الصفر، إلا إذا قرر المسؤولون الإيرانيون وقف الصادرات، لكن هذه القرارات ليس مطروحة».

وكانت صادرات النفط الإيرانية قد بدأت بالتراجع بشكل كبير حتى قبل الإعلان الأميركي الأخير، إذ نشرت وكالة رويترز تقريراً في السادس عشر من شهر نيسان/أبريل الماضي، قالت فيه إنها رصدت تراجع حركة تصدير النفط الإيراني إلى مستويات هي الأقل منذ فترة طويلة. وبحسب ما نقلته رويترز عن شركات ترصد مستويات تصدير النفط الإيراني، فقد «بلغ متوسط الشحنات أقل من مليون برميل يومياً منذ بداية الشهر الحالي»، بعد أن كانت تصدر أكثر من مليوني برميل من النفط في شهر آذار/مارس الماضي. ويشكل هذا الانخفاض بالمعروض من النفط الإيراني تهديداً لميزانية عام 2019 في إيران، التي بنت حساباتها على توقع تصدير أكثر من مليون برميل يومياً، ما يعني أن استمرار تدهور مبيعات النفط الإيراني، سيؤدي إلى عجز حتمي في الإنفاق الحكومي خلال العام الجاري.

ولا تملك طهران كثيراً من الخيارات في مواجهة العقوبات الأميركية التي لم يمضِ عليها سوى ستة أشهر، والتي سيتصاعد تأثيرها الاقتصادي والسياسي حتماً بعد إلغاء الإعفاءات. ويبدو أن حلفاء طهران هم أول من تأثروا بهذه الأزمة، إذ كانت إيران قد أوقفت الخط الإئتماني الذي يزود النظام السوري بالنفط منذ خريف العام الماضي، وستكون الميليشيات التي تمولها طهران من أوائل الأطراف المتضررة، خاصة ميليشيا حزب الله التي تواجه بدورها عقوبات أميركية مشددة على مواردها الاقتصادية والمالية، ما سيسبب عجزاً في قدرة تلك الميليشيات على التعبئة في حال وقوع صدام عسكري كبير في المنطقة.

وعلى الرغم من أن النظام الإيراني استطاع دوماً الالتفاف على العقوبات الأميركية التي كانت مفروضة عليه قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015، إلا أن تأثير العقوبات الحالية كان أسرع من المتوقع، نتيجة تشدد إدارة ترامب في تنفيذ هذه العقوبات، بالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية الكبيرة التي خلفها التدخل الإيراني في عدة دول في المنطقة مثل سوريا واليمن.

ومن المستبعد أن تصل صادرات النفط الإيراني إلى الصفر كما تريد واشنطن، إذ سيعني الموقف الصيني الرافض لهذه العقوبات استمرار بعض خطوط التصدير، فيما يتوقع خبراء أن الهند لا تستطيع وقف وارداتها من النفط الإيراني مباشرة. كذلك فإنه يمكن لإيران الالتفاف على العقوبات الأميركية إذا ما تعاونت كل من باكستان وتركيا معها، وهو أمر مرجّح نتيجة احتياج البلدين للنفط الإيراني، الذي سيباع لهما في ظل هذه الظروف بأقل من السعر العالمي، الذي ارتفع بعد تأكيد قرار وقف الإعفاءات إلى 71 دولاراً أميركياً للبرميل الواحد.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعول على زيادة إنتاجها من النفط الصخري لتغطية النقص في إمدادات النفط العالمية، إلا أن خبراء قالوا لوكالة رويترز إن الخامات المرشحة لأن تكون بديلة للخام الإيراني هي الخام السعودي وخام البصرة العراقي وخام الأورال الروسي، مشيرين إلى أن المصافي المنتشرة حول العالم غير مستعدة لاستقبال النفط الصخري الأميركي الذي يحتاج إلى مصافٍ بمعايير خاصة غير متوافرة في معظم مراكز تكرير النفط في أوروبا وآسيا.

أما التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز إذا ما تم إيقاف تصدير النفط الإيراني، فليست على أرض الواقع ليست سوى تصريحات يائسة من نظام يواجه ما قد يكون أكبر أزمة اقتصادية في تاريخه، والتي ربما ستقوده إلى إجراءات استفزازية في المنطقة. وإذا كان احتمال التصعيد إلى درجة إغلاق مضيق هرمز يبدو بعيداً جداً، فإن سوريا قد تكون المكان الأسهل لتصعيد الموقف ضد واشنطن وإسرائيل، ومن ثم خلق أجواء ترى فيها إيران فرصة لدعم موقفها التفاوضي المقبل مع واشنطن. وإذا كان كثيرون يصفون الأوضاع الراهنة بأنها لعبة عض أصابع بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن الحقيقة هي أن واشنطن تهدد بقطع ذراع إيران بالكامل هذه المرة، بينما تعضّ الأخيرة على أصابع دول وشعوب أخرى في المنطقة، لا يبدو أن الإدارة الأميركية مهتمة بمصيرها على الإطلاق.