من هم المتطرفون في إدلب؟

 

منذ توقيع مذكرة التفاهم بين أنقرة وموسكو في مدينة سوتشي الروسية، تراجعت وتيرة الحديث الروسي المتكرر عن هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، إذ بدا أنه من أجل السير في تنفيذ الاتفاق وخلق منطقة عازلة في محيط إدلب، فإنه ينبغي عدم الاستمرار في تحميل مسؤولية التصعيد للهيئة، التي يحقق استمرار وجودها في الظرف الراهن فوائد لأطراف متعددة.

فالهيئة تحافظ على استقرار وجود عدد كبير من المقاتلين الأجانب في سوريا، الأمر الذي يبعدهم عن حدود كثير من الدول التي لا ترغب بعودة هؤلاء إلى بلادهم، كما أن وجودها يخلق نوعاً من التوازن بين التيار الجهادي الأكثر تطرفاً المتمثل بخلايا تنظيم داعش وتنظيمات أخرى مثل «حراس الدين» المبايع لتنظيم القاعدة، وبين فصائل المعارضة الأخرى، وهو ما يساهم في منع تلك التنظيمات من ابتلاع أي فصيل أو منطقة في إدلب.

تقف هذه التوازنات -التي يبدو أنها تسمح بالإبقاء على الوضع الحالي في إدلب، الذي يتضمن بقاء الهيئة القوة العسكرية الأكثر فاعلية في المنطقة-  على لغمين أساسيين؛ الأول هو ارتباطها الحيوي بمصير المقاتلين الأجانب، ما يجعل هذا العامل مؤقتاً ريثما يتم الوصول إلى استراتيجية دولية واضحة تجاه هؤلاء، أما الثاني فهو تنفيذ اتفاق سوتشي في إدلب مع تجاهل كبير لوضع الهيئة، ما يجعل بقاءها حجة قائمة بشكل دائم لنقض الاتفاق او إنهائه من قبل الروس.

ومما لا شكّ فيه أن الهيئة تستفيد من هذه الأوضاع اليوم، خاصة بعد الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها خلال الفترة الماضية، ويبدو أن استمرار هذه التوازنات وبهذه الطريقة ستعطي دفعة جديدة للهيئة لمدّ نفوذها أكثر في منطقة إدلب، على حساب تشكيلات المعارضة وعلى رأسها الجبهة الوطنية للتحرير، التي لم تصل حتى اللحظة في اندماج فصائلها إلى مرحلة تُمكّنها من أن تكون فعلاً الطرف الأقوى في إدلب.

ويبدو أن البيان الصادر عن الهيئة يوم أمس الأحد، هو إعلان مبطن منها لقبولها بهذا الدور الذي رسم شكله الأخير اتفاق سوتشي، فعدا عن أن البيان لم يُظهِر أي معارضة واضحة للاتفاق رغم تضمينه عبارات عامة عن مواصلة حمل السلاح والاستعداد للقتال، فإن الهيئة كانت قد قامت بسحب سلاحها الثقيل فعلاً خارج المنطقة العازلة في إدلب مسبقاً. كما أنها، وحسب عدة تسريبات، عرضت انخراطها في أي عمل عسكري ضد فصائل توصف بالمتطرفة مثل «حراس الدين»، إذا ما واجهت الأخيرةُ الاتفاقَ حول إدلب.

وفي الوقت الذي قد تصبح فيه مثل تلك التنظيمات كبش فداء لإعلان تطبيق اتفاق سوتشي، فإن مثل هذا الدور، إذا ما سُمِحَ به للهيئة، سيكون رافعة جديدة لدورها في منطقة شمال غرب سوريا، ومن غير المُستغرب أن يكون ذلك بموافقة ومباركة من موسكو، التي ترى في مثل هذه التوازنات الهشّة والقابلة للكسر في أي لحظة فرصة عظيمة للإبقاء على نفوذها والقدرة على إنهاء الاتفاق في أي وقت.

على الرغم من احتلال هيئة تحرير الشام الجزء الأهم من الحجج الروسية المعلنة لبدء أي معركة إبادة جديدة في إدلب، فإن الهيئة نفسها تلعب دوراً رئيسياً في المعادلة التي شاركت موسكو بشكل رئيسي في صياغتها، وفي التوزانات التي ترسيها هذه المعادلة في منطقة هامة من سوريا. أما عن مصير هذا التنظيم، فإنه اليوم بالتأكيد لم يعد في يد عناصره أو قياداته، فقد قبل هؤلاء مراراً أن يكونوا جزءً من استراتيجيات الفاعلين الدوليين والإقليميين في المنطقة، الأمر الذي يربط وجود تنظيمهم برغبة هؤلاء الفاعلين في توظيف «النصرة» ضمن استراتيجيات سيكون من المريح لهم أن يتعاملوا أثناء تنفيذها مع أدوات وظيفية منضبطة.