من هو أنتوني بلينكن؟

 

أثار خبر تعيين أنتوني بلينكن وزيراً مقبلاً للخارجية الأميركية انقساماً في أوساط الحزب الديمقراطي، بين الليبراليين والوسطيين الذين رحّبوا به على اعتباره عودةً إلى الكفاءة والفعالية الدبلوماسية والحكومية، وإلى الانفتاح على العالم بعد أربع سنين من إدارة الرئيس دونالد ترامب المعروف بشعاره الانعزالي «أميركا أولاً»، وبين طرف إلى اليسار، يشمل منتقديْ مواقف بلينكن السابقة المؤيدة للتدخل العسكري في العراق عام 2003، وليبيا عام 2011، وسوريا فيما بعد، الذين يصنفونه «متدخلاً ليبرالياً» وداعماً حازماً لإسرائيل.

والواقع أن بلينكن، البالغ من عمره 58 عاماً، وصاحب الخبرة المهنية في مجال السياسة الخارجية منذ زمن الرئيس بيل كلينتون في تسعينات القرن الماضي، قد شغل مناصب بارزة في إدارة الرئيس باراك أوباما السابقة، كنائب مستشار للأمن القومي بين 2013 و2015، ثم نائب وزير الخارجية بين 2015 و2017، إلا أنه لطالما كان أقرب إلى الرئيس المنتخب الحالي جو بايدن، منذ أيامه الأولى في لجنة مجلس الشيوخ الأميركي للعلاقات الخارجية في أوائل الألفينات. في الانتخابات الرئاسية عام 2008، كان بلينكن يعمل لصالح حملة بايدن غير الناجحة وليس في حملة أوباما الفائزة، كما أنه عمل لاحقاً مستشاراً للأمن القومي خصيصاً لبايدن (الذي كان نائب الرئيس وقتئذ) بين 2009 و2013. لا شك بالتالي أن رؤية بلينكن السياسية تختلف عن رؤية أوباما على عدة أصعدة، ليس الشأن السوري أقلّها.

«ارتكبنا خطأ»

فيما يخص سوريا، من اللافت أن بلينكن كان من أشد الداعمين الديمقراطيين لفكرة ضرب نظام الأسد بعد المجزرة الكيماوية الكبرى في غوطتي دمشق الشهر آب (أغسطس) عام 2013، واشتهرت مقولته حينها بأن «القوى العظمى لا تهدد كذباً»، إشارةً إلى الرئيس أوباما الذي توعّد الأسد بالمعاقبة العسكرية في حال استخدم الأسلحة الكيميائية ولم يفعل. في السنوات التالية، عبّر بلينكن عن أسفه لعدم توفير المعارضة السورية بالمزيد من الدعم، قائلاً: «في سوريا (...) ارتكبنا خطأ عدم القيام بما يكفي (...) واليوم نرى النتائج، في مئات الآلاف من المدنيين الموتى، والملايين من اللاجئين الذين قد زعزعوا استقرار أوروبا، والنفوذ المتزايد لكل من روسيا وإيران وحزب الله».

وفي حديث جرى في شهر أيار (مايو) من العام الراهن، شرح بلينكن أفكاره ومقترحاته تجاه سوريا بالمزيد من التفاصيل: «هذا أمر يؤثر عليّ بشكل شخصي، كما على أيٍ منّا – وأبدأ مع نفسي – الذين كان لنا أي مسؤولية عن سياستنا بخصوص سوريا (...) لقد فشلنا في منع خسارة مروعة للأرواح. فشلنا في منع نزوح عدد هائل من الناس داخل سوريا، وطبعا خارجها كلاجئين. وهذا شيءٌ سآخذه معي طوال بقية أيامي. إنه شيء أشعر به بقوة».

من ناحية الخيارات المتاحة للولايات المتحدة اليوم، يضيف بلينكن: «أعتقد أنّا لا نزال نمتلك قدرة على المحاولة لتحصيل بعض التطورات الإيجابية. لا يزال لدينا عدد صغير من القوات الخاصة في شمال شرق سوريا (...) يجب ألا نتخلى عن ذلك مجاناً. أيضاً، لنا قدرة أكبر من أي بلد آخر على حشد الآخرين للمساعدة في إعادة بناء سوريا وإعادة إعمارها في الوقت المناسب. علينا أن نتأكد من أنه، إن كنّا سنلعب هذا الدور فعلاً، فيجب أن نؤمّنَ شيئاً ما للشعب السوري في المقابل. على سبيل المثال، إذا كانت  إدلب محاصرة، فذلك يجب أن يتوقف. إذا كانت المساعدات الإنسانية لا تدخل البلد، فذلك يجب أن يحصل. وعلينا أن نستخدم كل إمكانياتنا للحرص على أن يحدث نوعٌ ما من الانتقال السياسي الذي يعكس رغبات الشعب السوري».

ولذلك، اختتم حديثه بالقول إنه «يكاد أن يكون مستحيلاً أن أتخيل» أن إدارة بايدن ستطبّع العلاقات مع نظام الأسد.

أمّا بالنسبة للدول العربية الأخرى، يبدو أن بلينكن سيشجّع الرئيس بايدن على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في أكثر من بلد، حيث انتقدَ الاعتقالات الأخيرة في مصر عبر حسابه الرسمي على موقع تويتر نهار الجمعة الفائتة. فيما يخص الخليج، سبق وأعلن بايدن نفسه، في مناسبة مرور عامين على اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، أن حكومته «ستعيد النظر في علاقتنا مع المملكة (السعودية)، وتوقف الدعم الأميركي لحرب السعودية في اليمن، وتتأكد من أن أميركا لا تتخلى عن قيمها لبيع الأسلحة أو شراء النفط. التزام أميركا بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان سيكون أولوية حتى مع حلفائنا الأقرب».

العودة إلى طهران

في الوقت نفسه، وعلى سيرة الأولويات، تقول جريدة ذا واشنطن بوست إن أحد الطموحات الثلاثة الكبرى لدى إدارة بايدن في مجال السياسة الخارجية على المدى القريب هو إحياء الاتفاق النووي مع إيران الذي انسحب الرئيس ترامب منه، وهو الهدف الذي لن يتناغم بسهولة مع مواجهة «محور المقاومة» الذي تقوده إيران إقليمياً، المتمثل في سوريا بنظام الأسد ذاته.

ومن ناحية أخرى، من المفيد الانتباه إلى أن الهدفَين الإثنين الرئيسيَّين الآخرَين لدى إدارة بايدن سيكون مسرحُهما خارج الشرق الأوسط، فهُما إعادة الوجود والدور الأميركي في كل من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية. وقد لمّح بلينكن أكثر من مرة إلى أن التحديات الخارجية الأساسية للولايات المتحدة في السنوات القادمة ستكمن في مواجهة القوى الصاعدة عالمياً كالصين وروسيا، ما يتطلب المزيد من الاهتمام والتشابك في قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، وليس المنطقة العربية، كما قال في حوار في شهر تموز (يوليو) الماضي:

«مع إدارة بايدن، سنرى المزيد من الاهتمام بمنطقة المحيط الهادئ والهندي، وبمنطقتنا نحن، إضافةً لبعض التشابك المستديم مع إفريقيا. وبالتأكيد تبقى أوروبا حليفاً أساسياً بالنسبة للتعامل مع التحديات التي نواجهها. إذن، على صعيد تخصيص الوقت وأولويات الموازنة، أعتقد أنّا سنعمل أقل وليس أكثر في الشرق الأوسط».