من يمسك بجيش النظام السوري؟

 

نشرت القيادة العامة لجيش النظام بياناً يوم السبت الماضي العشرين من نيسان/إبريل، قالت فيه إن الأخبار التي تتحدث عن «اشتباكات بين القوات الروسية والإيرانية في دير الزور وحلب» لا أساس لها من الصحة. وعلى الرغم من أن تقارير إعلامية عديدة كانت قد ذكرت وقوع اشتباكات مماثلة في مناطق عدة خلال الأشهر الماضية، إلا أنها المرة الأولى التي يتطرق فيها مصدر عسكري رسمي تابع للنظام السوري إلى هذه المسألة. ويأتي هذا بالتزامن مع أنباء عن تصاعد الخلاف بين موسكو وطهران في ملف إعادة هيكلة جيش النظام، وهو ما يعني أن البيان ربما يكون محاولة من النظام لاحتواء انقسام بدأ بالتصاعد داخل مؤسسته العسكرية.

وكانت تقارير صحفية قد أفادت خلال الأيام الماضية بأن النظام السوري قام بترفيع اللواء سليم حربا إلى رتبة عماد، وتعيينه رئيساً لهيئة الأركان، بعد أن كان هذا المنصب شاغراً لأكثر من عام، وهو الخبر الذي يعني، في حال صحته، تعزيزاً لنفوذ موسكو في مؤسسة النظام العسكرية على حساب طهران.

وكان سليم حربا يحمل رتبة لواء في الجيش، وقد استلم عدة مناصب هامة منها قيادة لواء في الفرقة الرابعة، ورئاسة كلية الحرب العليا في الأكاديمية العسكرية في دمشق، إلا أنه بدأ خلال سنوات الثورة السورية بالظهور باللباس المدني على القنوات الفضائية كمحلل استراتيجي، وهو ما يمكن اعتباره إبعاداً للرجل عن المواقع القيادية التي كان حاصلاً عليها قبل ذلك. ويقول مصدر مطلع على التحركات الأخيرة في جيش النظام للجمهورية: «كان الإيرانيون ينظرون إلى حربا بوصفه ضابطاً يعمل لصالح موسكو، وهو ما يفسر إبعاده عن قيادة القوات العسكرية التي تحركت لمحاربة وقمع الثورة السورية في سنواتها الأولى». إلا أن التدخل الروسي سمح لحربا بالعودة مجدداً إلى مواقع قيادية، فقد أصبح بعد هذا التدخل مشرفاً على عمل ميليشيات صقور الصحراء المقربة من موسكو، كما أنه أشرف على قوات سهيل الحسن، ثم تم تعيينه العام الماضي في منصب نائب رئيس الأركان، ورئيساً للجنة الأمنية في حلب، بدعم من موسكو.

ويمكن وصف الصراع على رئاسة الأركان بأنه رأس جبل الجليد الذي يشكله الصراع الروسي-الإيراني على المناصب الحيوية في جيش النظام، وقد كانت الإطاحة برئيس شعبة الأمن العسكري اللواء محمد محلّا منذ نحو شهر أحد فصول هذا الصراع. واللواء محلّا هو شخصية مقرّبة من موسكو، وكانت عدة تقارير إعلامية قد أشارت إلى انخراطه مؤخراً في إنشاء فصيل عسكري يجمع قوات المعارضة التي دخلت التسويات مع النظام السوري في الجنوب، بهدف مواجهة النفوذ الإيراني. وقد جاءت إقالته بعد فترة قصيرة من لقاء بشار الأسد مع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، الأمر الذي يمكن ربطه بسهولة بطلبات إيرانية من النظام، مقابل مساعدة طهران له في مواجهة أزماته الاقتصادية المتتالية.

ويمكن اعتبار الخلافات في ملف الجنوب السوري أحد أهم انعكاسات التنافس بين موسكو وطهران، إذ يتنافس فرع الأمن العسكري في السويداء بقيادة العميد لؤي العلي المقرّب من روسيا، مع الفرقة الرابعة الأقرب إلى إيران، على ضم عناصر التسويات إلى صفوف كل منهما، كما أن المنطقة شهدت اغتيالات عديدة لقادة تسويات وشخصيات أمنية، يُعتقد أن بعضها كان نتيجة هذه الخلافات.

وفي السياق نفسه، بدأت عدد من التقارير الصحفية والتحليلات بالقول إن الانقسام وصل إلى الحلقة الضيقة في النظام، أي بين بشار الأسد الأقرب لموسكو، وماهر الأسد الأقرب إلى طهران، إلا أن مناورات بشار الأسد بين كل من طهران وموسكو لا تؤيد هذه التحليلات، فعلى سبيل المثال، يأتي إعلان تسلم شركات إيرانية إدارة ميناء اللاذقية، ومن ثم الإعلان عن تأجير ميناء طرطوس لروسيا، بمثابة استمرار لمحاولة بشار الأسد إرضاء كل من حليفيه واللعب على التوازن بينهما.

يقول الخبير العسكري محمود إبراهيم للجمهورية: «إن المراهنة على خلاف بين ماهر الأسد وبشار الأسد هي مراهنة خاطئة، فالرجلان قد يناوران مع حليفيهما، إلا أن قرارهما مشترك، وليس هناك مؤشرات حقيقية على صراع بينهما. وتقول الوقائع الأخيرة إن موقع كل منهما قد أصبح ضعيفاً جداً أمام نفوذ روسيا وإيران، وهو ما قد يدفعهما إلى تصرفات توحي بأن أحدهما محسوب على هذا الطرف أو ذاك».

وبينما تُظهر المؤشرات الأخيرة أن موسكو باتت أكثر تحكماً بالمفاصل الحيوية في جيش النظام، فإن طهران لا تزال تمسك بورقة هامة، هي ورقة الميليشيات التابعة لها في محيط العاصمة دمشق، الأمر الذي يعني قدرتها على تهديد العاصمة في أي لحظة، إذا ما أرادت موسكو الانقلاب عليها وعلى نفوذها، خاصة بعد سيطرة الأخيرة على هيئة الأركان في الجيش، بالإضافة إلى استمرار نفوذها في مواقع مهمة منها الأمن العسكري، إذ أن اللواء كفاح ملحم، الذي خلف اللواء محمد محلّا في رئاسة شعبة المخابرات العسكرية، آتٍ من الخلفية ذاتها ويحمل التوجهات نفسها، حسب ما قال مصدر مطلع للجمهورية، وإن كان ميلُ ملحم إلى موسكو أقل علانيةً من سابقه، الذي تحوّل من التحالف مع الإيرانيين إلى موقع رجل موسكو الأول في شعبة المخابرات العسكرية، التي تضمن السيطرة عليها تحكمّاً واسعاً بجيش النظام.

يمكن القول إن الصراع المتنامي داخل هيكلية المؤسسة العسكرية للنظام بين كل من روسيا وإيران، أكثر خطورة وأهمية من الصراع الذي دخلت فيه ميليشيات تابعة لكل من الطرفين خلال الفترة الماضية، لأنه يعني قدرة الطرف المنتصر على ترتيب أوضاع النظام في سياق إعادة تأهيله مستقبلاً، وهو أمر يبدو أن موسكو أقرب إليه، في حين ما زالت طهران تمتلك قوةً تستطيع من خلالها منع تفرد حليفتها في صناعة مستقبل النظام، الذي يبدو اليوم في أضعف أحواله، وقد أصبح أقرب ما يكون إلى هياكل يحركها كل من بوتين وخامنئي لتمكين نفوذهما، الذي يعني الاستيلاء على سوريا ومواردها مستقبلاً.