مهجرو الغوطة إلى الشمال: الاستجابة الطارئة بانتظار المجهول

 

تقول إحصائيةٌ نشرها منسقو الاستجابة في الشمال السوري، إن مناطق القطاع الخارج عن سيطرة النظام الذي يشملُ إدلب وريفها وريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي، تضمُّ ما يقتربُ من 3.6 مليون نسمة، منهم نحو 1.2 مليون نازحاً، سواء من مناطق إلى أخرى في القطاع نفسه أو من مناطق سوريّة غيرها، يُضاف إليهم المهجرون من الغوطة الشرقية، الذين بلغ عددهم 47450 شخصاً، مع وصول الدفعة الثامنة والأخيرة من المهجرين قسراً من قطاع الغوطة الأوسط مساءَ السبت، الحادي والثلاثين من الشهر الماضي، إلى «النقطة صفر» في قلعة المضيق بريف حماة.

تبدو هذه الأرقام مخيفةً، في وقتٍ تعمل فيه المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية بأقصى طاقاتها المتواضعة ومواردها المحدودة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الهائلة في المنطقة، مع غيابٍ واضحٍ للحكومتين (المؤقتة والإنقاذ)، المُتنازعتين والعاجزتين أمام معضلة لا يمكن حلّها إلّا بتدخل دولي سريع لم يعد مأمولاً.

آلية الاستقبال

يجري استقبال دفعات المهجرين في قلعة المضيق/ساحة الصوامع، أو «النقطة صفر» كما شاعت تسميتها. ويبدأ التواصل مع دفعات المهجرين بعد ساعات من انطلاقهم من مراكز التجمع في الغوطة الشرقية، بحسب إفادة محمد جفا أحد منسقي الاستجابة، فليس هناك تنسيق سابق مع أي مجلس مدني أو عسكري في الغوطة، وإنما يتم جمع المعلومات من خلال التواصل مع المهجرين أنفسهم ومعرفة عددهم والحالات الطبية التي ترافقهم، ويقتصر عمل منسقي الاستجابة على الحصول على المعلومات وتنظيم عملية الدعم وتحديد الأولويات وبناء الخطط اللازمة، وتقديمها للمنظمات الإنسانية والمجالس المحلية في الشمال السوري لتنسيق عمليات الاستجابة.

lnqt_sfr_fy_ql_lmdyq.jpg

جانبٌ من أوضاع المهجرين قسراً عند وصولهم إلى نقطة الاستقبال في قلعة المضيق / الجمهورية / مصدر الصورة فريق منظمة إحسان
جانبٌ من أوضاع المهجرين قسراً عند وصولهم إلى نقطة الاستقبال في قلعة المضيق / الجمهورية / مصدر الصورة فريق منظمة إحسان

يتم التنسيق من خلال مجموعات خاصة، تضمّ المجالس المحلية والمنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية وبعض الناشطين، بحسب عبيدة دندوش، مسؤول منظمات الشمال، وذلك بعد دراسة الإحصائيات المقدمة من منسقي الاستجابة، وبحث طريقة الخروج وأماكن النقل والأعداد والحالات الإسعافية والطبية، لتقديم الاستجابة اللازمة التي تنقسم إلى قسمين:

استجابةٌ طارئة في النقطة صفر، حيث يتم استقبال الأهالي القادمين وتقديم الاحتياجات الأساسية لهم. وتكفلت المنظمات الإنسانية بتقديم مياه الشرب ووجبات الطعام وحليب وفوط الأطفال للقادمين، قبل أن يتم نقلهم إلى مراكز الإيواء المؤقت المُتفق عليها سابقاً بالاتصال مع المجالس المحلية، فيما تقوم المنظمات الطبية بنقل الحالات الإسعافية والطبية والإصابات الحربية إلى المشافي، التي بلغت حتى نهاية آذار 4370 حالة طبية و1280 إصابة حربية و1166 حالة سوء تغذية، بالإضافة إلى تأمين حافلات النقل إلى مراكز الإيواء من قبل المنظمات بالتنسيق فيما بينها.

tjhyzt_ql_lmdyq.jpg

جانبٌ من أعمال تجهيز مرافق عامة في نقطة الاستقبال بقلعة المضيق / الجمهورية / مصدر الصورة فريق منظمة إحسان
جانبٌ من أعمال تجهيز مرافق عامة في نقطة الاستقبال بقلعة المضيق / الجمهورية / مصدر الصورة فريق منظمة إحسان

الاستجابة الثانية تكون بتأمين المساعدات اللازمة في مراكز الإيواء في المخيمات والمساجد والبيوت التي تم تأمينها من قبل المجالس المحلية بعد إجراء الإحصاء اللازم، وتتضمن سلالاً إغاثية وصحية (مواد تنظيف) ومواد أساسية من فرش وأغطية وبعض الأواني المطبخية، ومساعدات طبية وإسعافية من خلال نقاط طبية متنقلة أو ثابتة في مراكز الإيواء، وتقديم وجبات غذائية مطبوخة لبعض التجمعات.

مخيمات ترانزيت

تم توزيع قسمٍ أهالي الغوطة الشرقية على مخيمين مؤقتين. مخيم ميزناز الواقع في المنطقة الفاصلة بين بلدة حزانو شمالي إدلب والأتارب بريف حلب الغربي، الذي استقبل 1915 شخصاً من مدينة حرستا، وكان قد استقبل سابقاً 1055 شخصاً من حي القدم. ومخيم ساعد جنوب غرب مدينة سلقين في ريف إدلب، الذي استقبل 3290 شخصاً من حرستا و296 من حي القدم.

وقد تم تجهيز هذه المخيمات سابقاً كمراكز إيواء مؤقت، ريثما يتم تجهيز مخيمات أو سكن دائم، ومن المفترض بقاء المهجرين فيها لمدة أقصاها شهران.

المهجرون في إدلب

توزَّعَ أهالي الغوطة على مناطق واسعة من محافظة إدلب، واستضافت معرة النعمان وأريحا وإدلب المدينة ومحيطها القسم الأكبر من هذه العائلات. وقد قُسمت هذه المناطق إلى أربعة أقسام بحسب أيمن المرعي مدير مكتب منظمة إحسان في ريف إدلب الجنوبي، إذ استقبل ريف إدلب الجنوبي 700 عائلة، بينما استقبلت مدينة إدلب 1000 عائلة، وريف إدلب الغربي 250 عائلة، في حين توزع في ريف إدلب الشمالي ما يقارب 700 عائلة.

كما قامت المجالس المحلية في المدن والقرى، وبجهود ذاتيّة مدعومةٍ بتبرعات الأهالي، باستضافة العائلات ضمن الإمكانيات المحدودة المتاحة. ففي سراقب تم استقبال 200 عائلة بحسب الأستاذ مثنى من المجلس المحلي، الذي قال إن المدينة استطاعت تأمين 100 منزل للمهجرين، وقام المجلس باصطحابهم من النقطة صفر بعد تجهيز هذه المنازل وفرشها وتأمين الخدمات الأساسية لها من مياه وكهرباء دون مساعدة من المنظمات. كما استقبلت معرة النعمان أكثر من 2000 من المهجرين، وناشدت المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات اللازمة. ووصفَ السيد زكريا منون من المجلس المحلي في أريحا وضعَ المهجرين بأنه سيء، حيث وصل إلى المدينة أكثر من 3000 شخص، وضعوا في المساجد وفي مراكز إيواء على شكل خيام نُصِبَت في الملعب البلدي في المدينة.

منازل في ريف حلب

قامت المجالس المحلية في ريف حلب الغربي باستجابة طارئة من خلال تأمين مراكز للإيواء في مدينة الأتارب ودارة عزة بمساعدة المنظمات الإنسانية، التي أسهمت أيضاً بتجهيز شقق سكنية في كفر حمرة وحريتان وحيان وعندان.

وبحسب إبراهيم تركي الخليل، محافظ حلب، فإن مجلس المحافظة بالتعاون مع المجالس المحلية قام بوضع خطة لتقديم المنازل في هذه المناطق بعد ترميمها، إذ قامت منظمات ساعد وبناء وجمعية النهضة بتوقيع عقود تجهيز 825 شقة سكنية في كفر حمرة على حد قول ياسر مخزوم من تجمع إيلاف، وتم تسليم 185 شقة منها للعائلات فيما يجري تجهيز الشقق المتبقية. كذلك تمَّ تجهيز 200 شقة في حريتان سيتبعها 250 شقة أخرى، وتم تسليم 61 عائلة لشقق فيها، بالإضافة إلى 20 عائلة في عندان بمساعدة منظمة البركة التي تعهدت بتجهيز المنازل وفرشها بحسب محمد سلامة رئيس المجلس المحلي في عندان. كذلك تم تجهيز 50 شقة في حيان وتقطن فيها الآن خمس عائلات من الغوطة. وتتوقع المجالس المحلية زيادة الأعداد في هذه المناطق، وتناشدُ المنظمات الإنسانية لتأمين المياه والكهرباء، وهو العائق الأكبر الذي يعترض عملها.

ماذا بعد

تبدو الحلول المطروحة قاصرةً على الرغم من الاندفاع الشعبي والمؤسساتي الكبير للوقوف إلى جانب أهالي الغوطة، كما يبدو المصير مجهولاً، فمحافظة إدلب أعلنت أكثر من مرة عدم قدرتها على استيعاب أعداد جديدة، وبات التفكير في تأمين مسكن فيها حلماً يعيشه مئات الآلاف ممن افترشوا الأرض في مخيمات عشوائية، في وقت لا تزال فيه المنطقة على موعدٍ مع دفعاتٍ جديدة من المهجرين قسراً، ومع عمليات عسكرية جديدة محتملة قد تتسبب بحركة نزوح داخلي فيها، في ظل حروب الإبادة والتهجير المتنقلة التي يشنها النظام وحلفاؤه في عموم البلاد.