مهجّرو ريف حمص الشمالي: الصوامع كملجأ

 

أكثر من ثمانية وعشرين ألف مهجر من ريف حمص الشمالي وصلوا حتى اللحظة إلى إدلب، ومع تزايد الأعداد يواجه الواصلون أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية، إذ كان ناشطون قد نشروا صوراً على صفحات التواصل الاجتماعي، تُظهِرُ مهجريّ ريف حمص الشمالي ينامون في العراء. تُشير هذه الصور إلى حجم الكارثة التي تواجه الشمال السوري، والأوضاع السيئة التي يعيشها المهجّرون إليه.

كانت أولى قوافل مهجري ريف حمص الشمالي بدأت بالخروج بداية الأسبوع الفائت بعد توقيع لجنة التفاوض عن ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي اتفاقاً مع الجانب الروسي، يقضي بخروج الفصائل بعد تسليمها السلاح الثقيل، ومن يرغب من المدنيين. وبدأت أعداد الخارجين بالتزايد خلال الأيام الماضية، فيما رفضَ الجانب التركي والفصائل الموجودة في ريف حلب الشمالي استقبال المزيد من المهجرين، بحجة عدم وجود مراكز إيواء قادرة على الاستيعاب، ما حَوّلَ زخم هذه الأعداد إلى محافظة إدلب التي تعاني فِرَقُ الاستجابة فيها ضغطاً كبيراً، وخاصةً بعد وصول مراكز الاستقبال في النقطة الصفر ضمن قرية قلعة المضيق إلى طاقتها القصوى، الأمر الذي دفع المهجرين إلى النوم في الصوامع الموجودة هناك بعد امتلاء المساجد والمخيمات حسب ما قال سامر سليمان، وهو ناشطٌ من ريف الحمص الشمالي خرج مع دفعات المهجرين قبل ثلاثة أيام نحو إدلب، يتابع سامر حديثه للجمهورية: «هناك مشاكل في النقل والإيواء وتأمين الغذاء، اليوم نام الناس في الصوامع وغداً سينامون في الصوامع، لا توجد أماكن لاستيعاب المهجرين».

ولا يبدو أن هناك حلولاً في الأفق لهذه المشكلة، ذلك أن أوضاع مهجريّ ريف حمص الشمالي الخارجين من منطقة محاصرة لا تسمح لهم بدفع إيجارات بيوت، ما سيضعهم أمام حل وحيد هو السكن في الخيام، لكن حتى المخيمات اليوم ممتلئةٌ تماماً. يقول سامر: «تنقلت خلال الأيام الماضية بين مدينة إدلب وسلقين، لا يوجد منازل باستطاعة أهالي ريف حمص الشمالي الحصول عليها، فمعظمهم لا يستطيعون تحمّل تكلفة إيجارات البيوت التي تصل إلى المئة دولار شهرياً».

وفي ظلّ الضغط الشديد الذي تعرّضَت له فرق الاستجابة في إدلب خلال الأشهر الماضية، بعد استقبال مهجريّ الغوطة الشرقية وجنوب دمشق والقلمون الشرقي والآن مهجريّ ريف حمص الشمالي، يبدو أن الوضع سيزداد سوءاً بالنسبة للمهجّرين الجدد، وتحاولُ فِرق الاستجابة التي شكّلت غُرف طوارئ للتنسيق بين المنظمات، بهدف تأمين المساعدة واستقبال المهجرين، الحصولَ على ما أمكن من المساعدة من المنظمات والمجالس المحلية والسكان. طارق الإدلبي، مسؤول عمليات التتبع والتقارير الإنسانية ضمن فريق منسقي الاستجابة قال للجمهورية: «نحاول تأمين المهجرين بكل الطرق، لكن المخيمات وصلت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى الآن في المنطقة. ونحاول التواصل مع السكان والمجالس في المدن والبلدات في عموم المنطقة لاستقبال المهجّرين، إلا أن الإمكانيات الحالية لا تكفي لتأمين الاستيعاب، سواءً من حيث الإيواء أو النقل داخل المنطقة».

هذه الأزمة، وقلّة الإمكانيات، سببت أوضاعاً مأساوية في النقطة صفر بقلعة المضيق، فالمهجّرون مضطرون للانتظار لأيام أحياناً حتى يحين موعد استقبالهم في مراكز الإيواء، بعد أن امتلأت المراكز المؤقتة في تلك النقطة. النومُ في العراء في الظروف الجوية التي مرّت على سوريا خلال الأيام الماضية، يعدُّ وضعاً كارثياً.

تسبَّبَ ضعفُ التنسيق بين لجنة تنفيذ الاتفاق في ريف حمص الشمالي وفرق الاستجابة في إدلب بازدياد المشكلة، وكان المجلس المحلي في قلعة المضيق قد سارعَ إلى إطلاق نداء استغاثة عاجل مساء أمس الثلاثاء، قال فيه إن «النقطة صفر» في قلعة المضيق أصبحت عاجزة عن استيعاب المهجرين القادمين، وأن على المنظمات الإنسانية الإسراع في تقديم المساعدة للمهجرين بعد أن امتلأت المدارس ومراكز الإيواء، وبعد أن استقبل جزءٌ كبيرٌ من سكان القرية المهجّرين في بيوتهم.

بلغَ عدد دفعات المهجرين البارحة فقط ثلاث دفعات، ويُنتَظَر أن تصل دفعة جديدة عصر اليوم إلى المنطقة، وإذا ما استمرّت الأوضاع على ما هي عليه، فنحن نواجه كارثة إنسانية تحيط بالمهجّرين، الذين أُغلقت في وجوههم كل الطرق الأخرى، بعد أن تمّت إعادة قافلة منهم الأسبوع الماضي من على مشارف مدينة الباب لتتحول وجهتها إلى إدلب.

وبينما تزداد الأعداد مع تناقص القدرة على الاستيعاب، فإنه لا بديل عن تحرّك سريع من المنظمات الإنسانية العاملة في الشمال السوري والمنظمات الدولية العاملة تحت مظلة الأمم المتحدة انطلاقاً من تركيا، وإلّا فإن الأيام المقبلة التي تنتظر مهجريّ ريف حمص الشمالي، ستكون كارثية بقدر الكوارث والفجائع التي لحقت بالمحاصرين طوال سنوات مضت من قبل قوات النظام.