مهمة المترجم

إلى لينا عطاالله.

صدر هذا النص الشهير للمرة الأولى في عام 1923 كمقدمة لترجمة فالتر بنيامين لـ المشاهد الباريسية، القسم الثاني من ديوان شارل بودلير أزهار الشر. كان بنيامين في الواحدة والثلاثين من عمره وقتها، حديث المعرفة بثيودور أدورنو وجورج لوكاش، وشديد الاهتمام بالرومنطيقية الألمانية. أُعيد نشر النص في عام 1955 مع مجموعة من الأعمال لبنيامين أشرف على اختيارها وتحريرها أدورنو، ومن ثم ترجمه هاري زون إلى الإنكليزية عام 1968 كواحد من عشر نصوص تأسيسية لبنيامين حررتها حنة آرنت وقدمتها للعالم الأنكلفوني للمرة الأولى في ذلك العام. ومنذ ذلك الوقت، سطع نجم «مهمة المترجم» كواحد من أشهر وأصعب النصوص الفلسفية عن الترجمة في القرن العشرين. ولأن بقية أعمال بنيامين لم يتم جمعها وإعادة نشرها وترجمتها إلا بعد المجموعات الأولى التي اختارها أدورنو وآرنت بكثير، لا يزال السياق الفكري لـ «مهمة المترجم» موضع بحث ونقاش لدى دارسي بنيامين حتى هذه اللحظة.

يستند النص العربي أدناه إلى ترجمة زون الإنكليزية بشكل أساسي، ويفترق عنه في بعض الأماكن لصالح ترجمة مارتين برودا الفرنسية الصادرة عام 1991 وترجمة ستيفن راندال الإنكليزية الصادرة عام 1997. أما في أماكن أخرى، شديدة الحساسية، فقد قمت بالعودة إلى الأصل الألماني وترجمته كلمة كلمة مستعيناً بالقاموس، ومن ثم استشارة الأستاذ آنسون رابينباخ، الذي قمت بقراءة «مهمة المترجم» للمرة الأولى في حلقة بحثه عن الفكر الألماني الحديث في برنستون، والأستاذ أوفه شتاينر رئيس قسم الدراسات الألمانية في رايس وأحد أبرز دارسي بنيامين ومترجمي حياته. ومنذ بداية الترجمة وحتى نهايتها، قدمت لي الأستاذة نسرين الزهر تشجيعاً وإرشاداً لا يقدر بثمن. وبالطبع يبقى أي خطأ في الترجمة مسؤوليتي وحدي.

هذه هي المحاولة الرابعة لترجمة «مهمة المترجم» إلى العربية بعد محاولات حسين موزاني وأحمد حسان وفتحي إنقزّو. ما حاولته هنا هو تقديم نص عربي أكثر جزالة وسلاسة من المحاولات السابقة، يَسمحُ للقارئ بتتبع محاججة بنيامين الصعبة دون تبسيطها من جهة، أو حجبها وراء ستار إضافي من التقعير والتكلّف من جهة أخرى. قمتُ بترجمة معظم الكلمات المفتاحية في النص بشكل مختلف أيضاً، وعمدت إلى شرح هذا في الحواشي، وأضفت تعريفات سريعة للشخصيات الألمانية التي يذكرها بنيامين وقد تكون مجهولة للقارئ العربي. بوصفها محاولة، لا تدعي هذه الترجمة مكانة «نهائية» كالتي يتحدث عنها بنيامين أبداً، بل تتوقع إزاحتها من قبل ترجمات أخرى قريباً. لكنها تأمل أن تُحدِثَ حتى ذلك الحين، وإن بشكل خافت ومؤقت وجنيني، «صدىً» عربياً جميلاً ومفهوماً لأفكار بنيامين، ولما وراءها من «لغة نقية».

*****


في معرض تقييم عمل أو شكل فني ما، ليس من المفيد أبداً الالتفاتُ إلى المتلقي. فمن المضلل الإحالة إلى جمهور معين أو ممثلين عنه. كما أن مفهوم المتلقي «النموذجي» هو بحد ذاته ضار في أي تقييم نظري للفن، فكل ما على هذا التقييم افتراضه هو وجود الإنسان وطبيعته عموماً. كذلك، وبشكل مشابه، يفترض الفن نفسه وجود الإنسان المادي والروحي، لكنه لا يعنى في أي من أشكاله بالتفات متلقيه. لا تُوجد القصائد من أجل قارئها، ولا اللوحات من أجل الناظر إليها، ولا السيمفونيات من أجل الجمهور [I].

هل توجد الترجمة من أجل هؤلاء القراء غير القادرين على فهم الأصل؟ قد يكون هذا هو السبب وراء موقعها المختلف في عالم الفن. أليس هذا هو السبب الوحيد لنقول «الشيء نفسه» أكثر من مرة؟ ولكن ما الذي «يقوله» أي عمل أدبي؟ ما الذي يحاول إيصاله؟ لمن يفهمه في لغته الأصلية، لا «يخبر» العمل الأدبي بالكثير. وظيفته الأساسية ليست الإعلام أو نقل المعلومات. ولكن في أي ترجمة تُعرِّفُ نفسها بوصفها نقلاً، لا يمكن نقل إلا المعلومات. هذه هي سمة الترجمة الرديئة. ألا نعتبر جميعاً، بما في ذلك المترجمين الرديئين، أن جوهر العمل الأدبي هو ما يحتويه إلى جانب المعلومات، ذلك الشيء الغامض أو الشعري الذي لا يمكن للمترجم إعادة إنتاجه إلا إذا كان شاعراً؟ يُظهر لنا هذا سمة أخرى من سمات الترجمة الرديئة، والتي يمكن أن نُعرِّفها بناءً على ذلك بوصفها نقلاً غير دقيق للمحتوى غير الهام. هذه حال الترجمة التي تسعى إلى خدمة القارئ. لكن كيف نستطيع تطبيق هذا المبدأ بالعودة إلى الأصل؟ إذا كان الأصل لم يوجد من أجل القارئ، كيف باستطاعتنا فهم الترجمة على الأساس نفسه.

الترجمة هي وضعية [II]. لكي يفهمها المرء بصفتها وضعية عليه أن يعود إلى الأصل. فهناك يوجد القانون الحاكم للترجمة: القابلية. يحمل السؤال عن كون عمل ما قابلاً للترجمة أم لا معنيين: هل يمكننا العثور على مترجم مناسب من ضمن جموع القراء، أو، وهذا هو السؤال الأكثر محورية هنا، هل هو بطبيعته قابل للترجمة، فيستدعيها من حيث هي وضعية؟ في المبدأ لا يمكن الإجابة على السؤال الأول إلا ظرفياً، أما السؤال الثاني فلا يمكن إلا مقاربته مطلقاً. وحده التفكير السطحي يُنكر المعنى المستقل للسؤال الثاني، ويعلن تساوي السؤالين في الأهمية. علينا أن نلاحظ أن بعض المفاهيم المرتبطة ببعضها لا يمكن تبيان معناها، وفي بعض الأحيان أهميتها القصوى، إلا من خلال الإحالة إلى الإنسان في المطلق. فعلى سبيل المثال، يستطيع المرء الحديث عن حياة لا تُنسَى حتى ولو نسيها بالفعل جميع الناس. إذا كانت طبيعة الحياة أو اللحظة تقتضي أن تُحفَرَ في الذاكرة، فإن واقع النسيان لا ينفي هذه الطبيعة بقدر ما يشير إلى وعدٍ فشلَ الناسُ في تحقيقه، وربما أيضاً إلى عالم آخر تحققت فيه، حيث يتذكرها الله. بشكل مواز، يجب علينا النظر إلى قابلية المخلوقات اللغوية للترجمة بغض النظر عن قدرة الناس في لحظة ما على ترجمتها. علينا أن نطرح المسألة بالشكل التالي: إذا كانت الترجمة وضعية، فقابلية الترجمة هي إحدى الخصائص الجوهرية لبعض الأعمال.

أن نقول إن قابلية الترجمة هي إحدى السمات الجوهرية لبعض الأعمال، لا يعني أن ترجمة هذه الأعمال جوهرية، بل أن أهمية خاصة موجودة في الأصل تتبدى من خلال قابليته للترجمة. من الواضح أن الترجمة، مهما كانت جودتها، لا تستطيع أن تملك أهمية تُذكر بالنسبة للأصل. ولكنها ترتبط به بشكل وثيق بسبب قابليته للترجمة، وفي الواقع فإن هذا الارتباط يصبح وثيقاً أكثر كلما قلّت أهمية الترجمة بالنسبة للأصل. فلندعو هذا الارتباط طبيعياً أو حيوياً. فكما أن مظاهر الحياة ترتبط بشكل وثيق بظاهرة الحياة دون أن تكون ذات أهمية لها، كذلك تنبع الترجمة من الأصل، ولكن من حياته الآخرة أكثر من حياته نفسها[III]. فالترجمة تأتي بعد الأصل، وقلّما تجد الأعمالُ الأدبيةُ الهامة مترجمها الأمثل وقت صدورها، وترجمتها تعكس مرحلة من حياتها المستمرة بعد ذلك. فكرة الحياة وما بعد الحياة في الأعمال الفنية يجب أن تؤخذ على محمل الجد كشيء موضوعي بعيد عن أي رمزية. فحتى في أزمنة الفكر المنحاز الضيق، كان هناك ميل لاعتبار أن الحياة لم تكن محصورة في التجسد العضوي. لا يعني هذا الحديث عنها من خلال الشبح الضعيف للروح، كما حاول فيشنر1، أو على العكس، ربطها بعوامل حيوانية كالإحساس، والتي لا ترافق الحياة إلا في بعض المناسبات. لا يأخذ مفهوم الحياة حقه إلا عندما نعطي كل ما لديه تاريخ، لا كل ما هو فقط مسرحٌ للتاريخ، حصته المستحقة من الحياة. في نهاية المطاف، لا يتحدد نطاق الحياة إلا من خلال التاريخ وليس من خلال الطبيعة، وبالتأكيد ليس من خلال عوامل واهية كالإحساس والروح. تكمن مهمة الفيلسوف في فهم الحياة الطبيعية بمنظار الحياة بوصفها تاريخاً. وبالفعل، أليس من الأسهل التعرف على الحياة المستمرة للأعمال الفنية بالمقارنة مع الفصائل الحيوانية؟ يخبرنا تاريخ الأعمال الفنية عمّا سبقهم من أسلاف، عن كيفية إنجازهم في عصر الفنان، وعن حياتهم اللاحقة التي قد تكون خالدة عبر الأجيال. تلك الأخيرة هي ما نسميه بالشهرة. تظهر الترجمات، التي هي أكثر من مجرد نقل للموضوع، في تلك المرحلة من حياة العمل عندما يصل إلى عصر شهرته. لذلك، وعلى عكس ادعاءات المترجمين الرديئين، لا تخدم هذه الترجمات العمل الأصل بقدر ما تدين له بوجودها. ففيها يحقق الأصل ازدهاره المتجدد المعطاء.

وبوصفه نوعاً خاصاً وسامياً من الحياة، يكون هذا الازدهار محكوماً بنوع خاص وسامٍ من الصبو النهائي [IV]. العلاقة بين الحياة ومنتهاها، والتي تبدو بديهية ومستعصية على العقل التحليلي في آن واحد، لا تكشف عن نفسها إلا عندما يتموضع هدف كل سعي مفرد خارج نطاقه الخاص، في نطاق أعلى وأسمى. كل تمظهرات الحياة الصابية إلى منتهاها، بما في ذلك صبوها النهائي نفسه، لا تنحو نحو الحياة بحد ذاتها، بل نحو التعبير عن طبيعتها، نحو تجسيد قيمتها. بهذا المعنى، تصبو الترجمة نحو التعبير عن العلاقة التناظرية المركزية بين اللغات المختلفة. لا تستطيع بحد ذاتها أن تكشف عن هذه العلاقة أو أن تنتجها، لكنها تستطيع تمثيلها من خلال تحقيقها بشكل مكثف أو جنيني. قلّما يوجد شيء شبيه بهذا التمثيل خارج نطاق الحياة اللغوية. فالحياة خارج اللغة، برموزها وتناظراتها، تستند إلى طرق أخرى في اقتراح المعنى، طرق تختلف عن الإدراك المكثف القادر على الاستباق والتلميح. أما علاقة القرابة المحورية بين اللغات، فيطبعها التقاء خاص. اللغات ليست غريبة عن بعضها، بل هي مسبقاً وبغض النظر عن علاقاتها التاريخية، مترابطة في تعبيرها.

بعد هذا الشرح، سيبدو وكأن هذه الدراسة تعود لتلتقي مع النظرية التقليدية في الترجمة بعد بعض الالتفافات العقيمة. فإذا كانت الترجمات تجسيداً للقرابة بين اللغات، ألا يتحقق هذا فقط من خلال أدق نقل ممكن للشكل والمعنى؟ ولكن هذه النظرية لا تستطيع تعريف طبيعة الدقة، ولذلك لا تلقي أي ضوء على ما هو مهم في أي ترجمة. في الواقع، تتبدى القرابة بين اللغات في الترجمة بشكل أكثر عمقاً ووضوحاً من التشابه السطحي والغائم بين عملين أدبيين. لكي نستوعب العلاقة الحقيقية بين الأصل والترجمة، علينا أن نتوخى استقصاءً يشبه في مآلاته الأبستمولوجيا النقدية القائلة باستحالة «نظرية الانعكاس» في المعرفة[V]. فكما في الأبستمولوجيا النقدية تتمحور القضية حول إظهار استحالة المعرفة الموضوعية، أو حتى الحق في ادعائها، إن كانت هذه المعرفة عبارة عن تصوير للواقع. كذلك هنا تتعلق المسألة بإظهار أن الترجمة مستحيلة إن كان هدفها الجوهري هو التشابه قدر الإمكان مع الأصل. ففي حياته الآخرة - والتي لا يمكن تسميتها كذلك إن لم يطبعها تحول وتجدد شيء حي - يتغير الأصل. حتى الكلمات ذات المعنى الثابت تنضج مع الوقت. التوجه الواضح لأسلوب الكاتب الأدبي قد يخبو ويضمر مع الوقت، فيُفسح المجال لنزعات كامنة أخرى في المُنتَج الأدبي. ما كان وقعه طازجاً قد يصبح بائتاً فيما بعد، وما كان شائعاً قد يصبح غريباً. أن نُرجِعَ هذه التغيرات، وكذلك التغيرات المستمرة في المعنى، إلى نفسية الأجيال اللاحقة بدلاً من حياة اللغة نفسها وما تقوم به، حتى لو سمحنا بأكثر أشكال التحليل النفسي ابتذالاً، يعني أن نخلط بين جذر الشيء وجوهره. إنها تعني إنكار إحدى أكثر العمليات التاريخية قوة وإنتاجاً نتيجة عجز في التفكير. وحتى لو حاول المرء اعتبار أن ضربة قلم الكاتب الأخيرة هي بمثابة رصاصة الرحمة التي يطلقها على أعماله، لن ينقذ هذا نظرية الترجمة الميتة. فكما أن نبرة وأهمية الأعمال الأدبية العظيمة تمر بتحول كامل عبر القرون، كذلك تستمر لغة المترجم نفسها في التحول أيضاً. وفي حين تصمد كلمات الشاعر في لغته الأصلية، يُكتب للترجمة العظيمة أن تصبح جزءاً من نمو وتجدد لغتها. وحدها الترجمة من بين كل الأشكال الأدبية من تشهد على نضج لغة الأصل وصرخات ولادة لغتها الخاصة في الوقت نفسه، لذلك فهي أبعد ما تكون عن معادلة عقيمة بين لغتين ميتتين.

إذا كانت القرابة بين اللغات تظهر في الترجمة، فهذا لا يتحقق من خلال تشابه غامض بين الأصل والمأخوذ عنه. أليس صحيحاً أن القرابة لا تعني بالضرورة الشبه. مفهوم القرابة كما نستخدمه هنا يتوافق مع استخدامه الضيق المتعارف عليه: في كلا الحالتين، لا يمكن حصر القرابة بتطابق الأصل، ولا يمكن التخلي عن تطابق الأصل في الوقت عينه. أين يقبع الارتباط بين لغتين بالضبط إذا وضعنا الاعتبارات التاريخية جانباً؟ بالتأكيد ليس في تشابه الكلمات أو الأعمال الأدبية، بل في النية القابعة تحت كل لغة بمجملها: هذه النية لا تستطيع أي لغة بمفردها تحقيقها، وإنما فقط من خلال مجموع النوايا التي تزيدها اللغات على بعضها: تلك هي اللغة النقية. في حين تبقى العناصر الفردية في اللغات المختلفة غريبة عن بعضها، كالكلمات والجمل والبنية، تُكمّل هذه اللغات بعضها في مقاصدها. لا يمكننا فهم هذا القانون الأساسي في فلسفة اللغة دون التمييز بين الشيء المقصود وكيفية القصد. تقصد كلمتا (brot) و(pain) الشيء نفسه، الخبز، لكن كيفية القصد مختلفة. بسبب كيفية القصد هذه توحي كلمة بروت لألماني شيئاً مختلفاً عما توحيه كلمة بان لفرنسي، وبسبب كيفية القصد يبدو وكأننا لا نستطيع استعاضة هذه الكلمة بتلك، وكأن الكلمتان تستبعدان بعضهما. ولكن بالنسبة للشيء المقصود، تعني الكلمتان الشيء ذاته تماماً. في حين تتنافر كيفيات القصد في هاتين الكلمتين، يتكامل القصد والشيء المقصود في اللغتين. في لغة واحدة، لا نعثر على المعنى في الكلمات أو الجمل المفردة، بل في تتابعها، ولذلك يبقى المعنى في حالة متغيرة إلى أن يتوضح كلغة نقية من خلال تجانس مجموع المقاصد أو النوايا القابعة خلف تلك الكلمات والجمل. حتى تلك اللحظة يبقى المعنى مختبئاً داخل اللغة. ولكن، وفي حين تستمر اللغات بالنمو على هذا الشكل إلى يوم قيامتها، فإن الترجمة المشتعلة من نار الحياة الآخرة المستمرة للأعمال والتجدد الدائم للّغات، هي التي تستمر في امتحان هذا النمو المقدس للّغات: إلى أي مدى يبقى معناها المخبأ بعيداً عن التجلي، وكم نقترب منه عندما ندرك بعده؟

يعني هذا بلا شك أن كل ترجمة هي إلى حد ما طريقة مؤقتة للتصالح مع غربة اللغات عن بعضها. أما أن نجد حلاً دائماً ونهائياً لهذه الغربة، فهذا يبقى خارج قدرة الجنس البشري، وقد استعصى على كل محاولة مباشرة. ولكن، وبشكل غير مباشر، يساهم نمو الأديان في إنضاج البذرة المختبئة في اللغات نحو لغة أكثر سمواً. وهكذا، وعلى الرغم من أن الترجمة، على عكس الفن، لا تستطيع ادعاء الدوام لمنتجاتها، فإنها لا تنكر سعيها نحو مرحلة نهائية وحاسمة في التطور اللغوي. في الترجمة، يسمو الأصل إلى أثير لغوي أعلى وأكثر نقاء. لا يبقى هناك على الدوام، بلا شك، وهو لا يصل إلى هناك بكليته أصلاً. ولكن، وبشكل فريد ولافت، تشير الترجمة إلى تلك المنطقة الأثيرية المغلقة إلى ذلك الحين حيث تتصالح اللغات وتتكامل. لا يمكن للانتقال أن يكون تاماً، ولكن ما يصل إلى تلك المنطقة هو ذلك العنصر في الترجمة الذي يتجاوز مجرد نقل الموضوع قيد البحث. هذا العنصر أو النواة يمكن وصفها بأنها العنصر الذي لا يتيح نفسه للترجمة. حتى بعد أن تتم ترجمة المادة السطحية السهلة، يبقى هدف المترجم الحقيقي صعب المنال. فعلى عكس كلمات الأصل، لا يمكن ترجمة هذه النواة لأن العلاقة بين المضمون واللغة في الأصل تختلف عنها في الترجمة. ففي حين يشكل هذان العنصران نوعاً من الوحدة في الأصل، كالثمرة وقشرتها، تغلف لغة الترجمة المضمون كثوب ملكي مليء بالطيات والثنايا. فهي تحاول الدلالة على بلاغة لغوية أسمى من بلاغتها، فتبقى لذلك غير متناسبة مع مضمونها، غريبة ومُفرطة. يعيق هذا الافتراق الترجمة مرة جديدة ويجعلها زائدة في الوقت نفسه. فأي ترجمة تنبع من مرحلة معينة من التطور اللغوي التاريخي تمُثل وتنوب، في إحدى جوانبها المحددة، عن نظيراتها إلى كل اللغات. تزرع الترجمة أصلها إذاً، وهنا تكمن المفارقة، في مجال لغوي أكثر نهائيةً، لا ينزاح فيه الأصل مجدداً من خلال ترجمة للترجمة، بل يُرفع إليه من جديد في وقت آخر. ليس من الصدفة طبعاً أن تستدعي كلمة «مفارقة» في أذهاننا الأدباء الرومنطيقيين [VI]. فهؤلاء أكثر من غيرهم تمتعوا بموهبة النظر الثاقب إلى حياة الأعمال الأبدية التي تقدم الترجمةُ الشهادةَ الأسمى عنها. بالطبع لم يعترفوا للترجمة بهذه المكانة بشكل واع، بل صرفوا تركيزهم إلى النقد، وهو عامل آخر في الحياة المستمرة للأعمال الأدبية، وإن كان أقل شأناً. ولكن حتى وإن تجاهل الرومنطيقيون الترجمة في أعمالهم النظرية، تبقى الترجمات التي أنتجوها شاهدة على إحساسهم بقيمة وجوهر هذه الوضعية الأدبية. هناك الكثير من الأدلة أن هذا الإحساس قد لا يتوافر بالضرورة لدى الشاعر، على العكس قد لا يقبل به على الإطلاق. ولا يدعم التاريخ الأدبي المفهومَ التقليدي القائل أن الشعراء العظام كانوا مترجمين مبرزين، وأن الشعراء الأقل أهمية كانوا مترجمين باهتين. فمن بين المرموقين، كان لوثر2 وفوس3 وشليغل4 أكثر أهمية بما لا يقاس كمترجمين منهم كشعراء، وآخرون كهولدرلين5 وشتيفان جورج6، لا يمكن اختصارهم بوصفهم شعراء إذا نظرنا إلى مجمل أعمالهم، وبالتحديد إلى أعمالهم كمترجمين. فكما أن الترجمة هي وضعية مستقلة بحد ذاتها، كذلك يمكن اعتبار مهمة المترجم مستقلة ومختلفة بشكل واضح عن مهمة الشاعر.

تتجلى مهمة المترجم في العثور على ذلك الأثر المنشود في اللغة المُترجَم إليها، الذي يُحدث فيها صدىً للأصل. هذه هي سمة الترجمة التي تميزها عن عمل الشاعر، لأن جهد الثاني لا ينصب على اللغة بحد ذاتها، على كليتها، بل فقط وبشكل مباشر على جوانب لغوية سياقية محددة. على عكس عمل أدبي، لا تجد الترجمة نفسها في عمق غابة اللغة بل في الخارج المواجه للتلال المشجرة، تنادي عليها دون أن تدخلها، مستهدفة تلك البقعة الفريدة حيث يتمكن الصدى في لغته الجديدة من محاكاة ترددات العمل في لغته الأصلية. ولا تختلف الترجمة عن العمل الأدبي في هدفها فقط، من حيث أنها تستهدف اللغة بمجملها مبتدئة من عمل أدبي أجنبي مفرد، بل هي نوع من الجهد المختلف تماماً. فقصد الشاعر عفوي، أولي، وتصويري، أما المترجم فقصده اشتقاقي، نهائي، وتفكري. في الترجمة، نرى ذلك الحافز العظيم لكي تتكامل ألسنة متعددة في لغة واحدة حقيقية. في هذه اللغة الجديدة، لا تتوافق الجمل الفردية أبداً، كبنىً أدبية أو أحكام نقدية، فهي تبقى تحت رحمة الترجمة، ولكن اللغات نفسها، في تكاملها وتوفيقها بين طرق دلالاتها، تتناغم. فإن كان هناك لغة للحقيقة، ذلك المخزن الهادئ، بل والصامت، للحقيقة المطلقة التي يسعى إليه كل فكر، فإن لغة الحقيقة هذه هي اللغة الحقيقية. وهذه اللغة، التي يشكل استيحاؤها ووصفها نوعَ الكمال الوحيد الذي يمكن لأي فيلسوف أن يطمح  إليه، تقبع بشكل مركز في الترجمة. لا نتحدث عن الإلهام لا في الفلسفة ولا في الترجمة، ولكنهما وعلى عكس ادعاءات الفنانين العاطفيين، ليسا جامدين عديمي الروح. هناك عبقرية فلسفية في السعي نحو لغة الحقيقة تتمظهر في الترجمة. «محدودية اللغات تتمظهر في تعددها. اللغة العظمى مفقودة، حيث التفكير هو الكتابة بلا تجميل، بلا همس حتى، الكلمة الخالدة لا تزال صامتة، تعدد اللغات على الأرض يمنع الجميع من لفظ الكلمات التي، إن وجدت، جسدت الحقيقة بضربة واحدة»7. إن كان للفيلسوف فهم ما يستدعيه مالارميه8 هنا، فالترجمة وما تملكه من بذورِ للغة كهذه تقع في الوسط بين الشعر والمنهج. قد تكون منتجاتها أقل وضوحاً، لكن أثرها في التاريخ ليس أقل أهمية.

إذا نظرنا إلى مهمة المترجم من هذه الزاوية، ستبدو الطريق أمامه أكثر ظلاماً وتمنّعاً. فإنضاج بذرة اللغة النقية في ترجمة ما يبدو عصياً، لا يمكن إيجاده في أي حل. أفلا نَحكم على هذا التحدي بالفشل منذ البداية عندما نقول إن إعادة إنتاج المعنى ليست هي العامل الحاسم في الترجمة. من وجهة نظر سلبية، هذا هو بالفعل معنى ما تَقدَّم. المفاهيم التقليدية في أي نقاش عن الترجمة هي الأمانة والحرية، حرية إعادة الإنتاج المخلص للمعنى، وفي سبيلها، الأمانة للكلمة. لا تبدو هذه المفاهيم نافعة في نظرية تبحث عن أشياء غير إعادة إنتاج المعنى في الترجمة. في الواقع، عند الاستخدام التقليدي، تجد هذه الكلمات نفسها في نزاع مستمر لا يمكن فضّه. ما الذي تستطيع الأمانة فعله لعملية نقل المعنى؟ الأمانة في ترجمة كلمات مفردة تكاد لا تستطيع على الإطلاق إعادة إنتاج معناها في الأصل. فالمعنى في بعده الشعري لا ينحصر بمعنى الكلمات، بل ينساب من مغزى اختيار كلمة محددة للتعبير عنه. نقول عن الكلمات أنها تملك مغازٍ عاطفية. الترجمة الحرفية للجمل تدمر نظرية إعادة إنتاج المعنى كلياً، وتشكل خطراً مباشراً على قابلية الفهم. اعتبر القرن التاسع عشر ترجمات هولدرلين لسوفوكليس أمثلة شنيعة عن الحرفية هذه. وأخيراً، من الواضح أن الأمانة في إعادة إنتاج شكل النص الأصيل تعيق نقل معناه. لذلك، لا يمكن الدفاع عن الحرفية باسم الرغبة في الحفاظ على المعنى. باستطاعتنا خدمة المعنى بشكل أفضل، وخدمة الأدب واللغة بشكل أسوأ، من خلال الإجازة المنفلتة للمترجمين السيئين. علينا إذاً، وبالضرورة، أن نفهم الحاجة للحرفية، الواضحة في عدلها، والغامضة في جذورها، في سياق آخر أكثر منطقية. على قطع وعاء مكسور أن تتطابق مع بعضها في أدق النتوءات لكي يتم لصقها سوياً، دون أن تتشابه بالضرورة. بالطريقة نفسها، على الترجمة، بدلاً من مشابهة معنى الأصل، تجسيد كيفية الأصل في القصد أو الدلالة بحب وبكثير من التفصيل، فنتمكّن من تبيّن الأصل والترجمة بصفتهما قطعتين متآلفتين من لغة أكبر، كما قطع الوعاء تماماً. لهذا السبب تحديداً، على الترجمة أن تقاوم الرغبة في إيصال شيء ما، في نقل المعنى، وهنا يصبح الأصل مهماً للمترجم فقط من ناحية أنه يريح المترجم وترجمته من عبء خلق وتنظيم ما يجب العمل عليه. في عالم الترجمة أيضاً تصح الكلمات «في البدء كانت الكلمة». أما فيما يتعلق بالمعنى، فباستطاعة لغة المترجم، أو بالأحرى من الواجب عليها، أن تطلق لنفسها العنان، فتعطي صوتاً لمقصد الأصل لا من خلال إعادة الإنتاج بل من خلال التناغم، وكأنها مكملة للغة التي يعبر فيها الأصل عن ذاته، وكأنها تملك مقصدها الخاص. لذلك، ليس المديح الأسمى لترجمة ما، سيما إن ظهرت في عصر الأصل، القول إنها تبدو للقارئ وكأنها كُتِبَت في الأصل بلغة الترجمة. فأهمية الأمانة المستقاة من النقل الحرفي أنها تعكس في العمل ذلك التوق العظيم للتكامل اللغوي. الترجمة الحقيقية شفافة، لا تغطي الأصل، لا تحجب ضوءه، بل تسمح للّغة النقية، المستعينة هنا بلغتها الجديدة، أن تضيء على الأصل بشكل أكثر كمالاً. من الممكن تحقيق هذا من خلال نقل حرفي للجمل، تكون فيه الكلمات وليس الجُمل عنصر عمل المترجم الأساسي. فإذا كانت الجملة هي الجدار القابع أمام لغة الأصل، تكون الحرفية هي الممر.

لطالما تم اعتبار الأمانة والحرية في الترجمة نزعتين متناقضتين. أما التفسير المقدم هنا للأولى فيبدو وكأنه لا يصالحهما، بل ينكر أي تبرير للثانية. فما الذي نعنيه بالحرية سوى قول أن نقل المعنى لم يعد هو القضية الأهم؟ فقط عندما نساوي بين معنى منتج لغوي والمعلومات التي ينقلها يبقى هناك عنصر حاسم أخير مستعصٍ على كل إيصال، قريب وشديد البعد في الوقت عينه، متخف أو واضح، مبعثر أو قوي. في كل اللغات والمخلوقات اللغوية، هناك دوماً إلى جانب ما يمكن نقله، شيء لا يمكن إيصاله، وحسب السياق فقد يكون شيئاً رامزاً أو مرموزاً إليه. هو رامز فقط في المنتجات النهائية للغة، ومرموز إليه في سياق تطور اللغات نفسها. وذلك الشيء الساعي دوماً للتعبير عن نفسه، لإنتاج نفسه من خلال تطور اللغات، ليس إلا نواة اللغة النقية. قد يكون مجزءاً ومخبئاً، لكنه يبقى قوة فاعلة في الحياة كما الشيء المدلول عليه بحد ذاته، في حين يحيا في المخلوقات اللغوية بشكل رمزي. يرتبط هذا الجوهر المطلق، اللغة النقية، على اختلاف الألسنة، بالعناصر اللغوية البسيطة وتغيراتها، في حين أنه يختبئ في المخلوقات اللغوية المركبة داخل معان غريبة وغامضة. أن نريحها من هذا، أن نحول الرامز إلى المرموز إليه، أن نستعيد اللغة النقية كاملةً في خضم التغيير اللغوي، هو الدور الهائل والوحيد للترجمة. في تلك اللغة النقية ـ التي لا تعني ولا تعبر عن أي شيء ولكنها، كما هي الكلمة الخالقة بألم ولام التعريف، المقصودة في كل اللغات - في تلك اللغة، تلتقي كل المعلومات والمعاني والمقاصد في طبقة أثيرية عليا تنهي علّة وجودها. تقدم هذه الطبقة الأثيرية مبرراً جديدة وأكثر سمواً للترجمة الحرة: لا ينبع هذا المبرر من المعنى الذي يجب إيصاله، فالحَرفية تحررنا من هذا المعنى. لا. الترجمة الحرة، وفي سعيها إلى اللغة النقية، تضع الوزر على لغتها هي. إن مهمة المترجم هي أن ينفث في لغته اللغة النقية التي لمستها العصا السحرية لكاتب آخر، أن يحرر اللغة الحبيسة في عمل ما من خلال إعادة خلقه لهذا العمل. في سعيه نحو اللغة النقية، يكسر المترجم الحواجز المهترئة للغته. لقد وسّع لوثر، فوس، هولدرلين، وجورج مجالات اللغة الألمانية. أما عن المعنى وأهميته في العلاقة بين الأصل والترجمة، فربما يفيدنا تشبيه هنا: كما أن خط المماس يلمس الدائرة بخفة في نقطة واحدة فقط، ويتابع مساره إلى اللانهاية حسب قانون تحدده واقعة اللمس وليس نقطتها، كذلك تُلامِس الترجمةُ الأصلَ بخفة وفي نقطة واحدة متناهية الصغر هي المعنى، فتمضي بعد ذلك في مسارها الخاص حسب قانون الأمانة داخل حرية الدفق اللغوي. لقد وصف رودولف بانفيتز9 الأهمية الحقيقية لهذه الحرية دون أن يسميها أو يموضعها. ملاحظاته تلك موجودة في عمله أزمة الثقافة الأوروبية، وتقف إلى جانب ملاحظات غوته في ديوان غرب-شرق بوصفها أفضل تعليق منشور باللغة الألمانية على نظرية الترجمة: 


ترجماتنا، حتى تلك الممتازة منها، تبدأ من افتراض أساسي خاطئ. إنها تريد أن تحول الهندية، اليونانية، الإنكليزية إلى الألمانية بدلاً من تحويل الألمانية إلى الهندية، اليونانية، الإنكليزية. يملك مترجمونا احتراماً أكبر لاستعمالنا للغتنا الخاصة من احترامهم لروح الأعمال الأجنبية. خطأ المترجم الأساسي أنه يحافظ على الحالة التي يصادف أن تكون عليها لغته بدلاً من السماح لتلك اللغة أن تتأثر بقوة باللسان الأجنبي. عندما يترجم خصوصاً من لغة بعيدة جداً عن لغته، على المترجم أن يعود إلى العناصر الأولية لهذه اللغة ويسبرها إلى الحد الذي يتلاقى فيه ويتناغم العمل والصورة والنبرة. عليه أن يوسّع ويُعمق لغته هو بواسطة اللغة الأجنبية. لا ندرك عموماً إلى أي حد نستطيع فعل ذلك، إلى أي حد يمكن للغات أن تتحول، كيف تختلف اللغات عن بعضها كما تختلف اللهجات عن بعضها، لكن هذا يصح عندما نأخذ اللغة على محمل الجد، وليس عندما نتناولها بخفة. 

ما يقرر قدرة أي ترجمة على الالتزام بطبيعتها كوضعية خاصة هو قابلية الأصل للترجمة. فكلما تدنت نوعية وفرادة لغته، فزادت نسبة المعلومات فيه، كلما كان حقلاً أقل خصوبة للترجمة. حتى إذا غلب عليه المحتوى، والذي لا يصلح أبداً أن يكون رافعة لترجمة متميزة، فتصبح ترجمته مستحيلة. كلما سما مستوى عمل ما، كلما بقي قابلاً للترجمة، حتى لو تمت ملامسة معناه بشكل عابر فقط. هذا طبعاً يصح على النصوص الأصيلة فقط. أما ترجمة الترجمات فهي مستحيلة، لا لصعوبة ملازمة لها بل بسبب مدى رخاوة المعنى فيها. يمكننا التأكد من هذا ومن كل جانب مهم آخر من خلال ترجمات هولدرلين، ولا سيما ترجماته لتراجيديتي سوفوكليس. ففيهما يبلغ عمق تناغم اللغة حداً يبدو معه وكأن اللغة تلامس المعنى كما تلامس الريح أوتار القيثارة الهوائية. ترجمات هولدرلين هي نماذج لبنات جنسها، هي بالنسبة لأفضل ترجمات هذه النصوص كما المثال النموذجي بالنسبة لأي مجسم. نستطيع تَبيُّنَ هذا من خلال مقارنة ترجمات هولدرلين ورودولف بورشارت10 للقصيدة الغنائية الفيثية الثالثة لبيندار. ولهذا السبب تحديداً، تواجه ترجمات هولدرلين أكثر من غيرها خطراً داهماً يواجه الترجمات كلها: أن تغلق بوابات اللغة بعد أن اتسعت وتغيرت بهذا الشكل، فتحبس المترجم داخل الصمت. ترجمات هولدرلين لسوفوكليس كانت عمله الأخير، وفيهما يهوي المعنى من هاوية لهاوية حتى يصبح مهدداً بالضياع في عمق لغوي لا قاع له. ولكن هناك حداً لهذا. لم يضمنه من النصوص إلا الكتاب المقدس، حيث لم يعد المعنى خطاً فاصلاً لانسياب اللغة والوحي. هناك، حيث يتطابق النص مع الحقيقة والعقيدة، حيث يجسد «اللغة الحقيقية» بكل حرفيتها ودون وساطة المعنى، ذلك هو النص القابل للترجمة ببساطة ونقاء. في حالة كهذه، لا تستوجب الترجمة إلا بسبب تعدد اللغات، وكما في الأصل تتطابق اللغة مع الوحي دون أي توتّر، كذلك تتطابق الترجمة مع الأصل في نسخة الكتاب المقدس بين-السطرية، حيث تتحد الحَرفية مع الحرية11. فإلى حد ما، تحتوي كل النصوص العظيمة على ترجمتها المحتملة بين سطورها، وهذا يصح إلى أقصى حد في الكتابات المقدسة. النسخة بين-السطرية للكتاب المقدس هي مثالُ ونموذجُ كل الترجمة.

  • 1. غوستاف فيشنر (1801-1887) (Fechner) فيلسوف وعالم نفس تجريبي ألماني يُعتبر رائداً في مجال علم النفس الفيزيائي. بنيامين هنا يحيل إلى قناعة فشنر الراسخة بتجلي الروح في كل شيء، حتى في الأشياء الجامدة حسب تصنيف المادية الميكانيكية. ابحث أكثر تحت animism. (المترجم).
  • 2. مارتن لوثر (Martin Luther) (1483-1546): المصلح البروتستانتي الشهير الذي أنهى ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية في عام 1534. (المترجم)
  • 3. يوهان هنريش فوس (Johann Heinrich Voss) (1751- 1826): الشاعر والكلاسيكي الألماني الذي ترجم ملحمتي هوميروس الأوديسة والإلياذة إلى الألمانية عامي 1781 و1793 تباعاً. (المترجم)
  • 4. أوغست فيلهلم شليغل (August Wilhelm Schlegel ) (1767-1845): الأخ الأكبر للشاعر فريدريش شليغل، وأحد أبرز وجوه الحركة الرومنطيقية الألمانية، ترجم أعمال شكسبير إلى الألمانية على مدى أكثر من أربعين عاماً، وتُعتبر ترجمته هذه من أعظم الترجمات الأدبية في تاريخ اللغة الألمانية. (المترجم)
  • 5. يوهان كريستيان فريدريش هولدرلين (Johann Christian Freidrich Hölderlin) (1770-1843) من كبار أدباء الحركة الرومنطيقية الألمانية. ترجم أعمال سوفوكليس وبيندار من الإغريقية القديمة إلى الألمانية. (المترجم)
  • 6. شتيفان جورج (1868-1933) شاعر رمزي ألماني، ترجم أعمال دانتي وشكسبير وشارل بودلير إلى الألمانية. (المترجم)
  • 7. يورد بنيامين الأصل الفرنسي دون ترجمة: Les langues imparfaites en cela que plusieurs, manque le suprême : penser étant écrire sans accessoires, ni chuchotement mais tacite encore l'immortelle parole, la diversité, sur terre, des idiomes empêche personne de proférer les mots qui, sinon se trouveraient, par une frappe unique, elle-même matériellement la vérité.
  • 8. ستيفان مالارميه (Stéphane Mallarmé) (1842-1898) شاعر وناقد فرنسي، وأحد أبرز وجوه المدرسة الرمزية. الاقتباس أعلاه من مجموعته النثرية المعنونة Divagations (شَردات) والصادرة عام 1897. (المترجم)
  • 9. رودولف بانفيتز (Rudolf Pannwitz) (1969 -1881) شاعر وكاتب وفيلسوف ألماني عُرف عنه التأثر بنتشه وشتيفان جورج، والدفاع عن فكرة الوحدة الأوروبية. ظهر كتابه أزمة الثقافة الأوروبية عام 1917. (المترجم)
  • 10. رودولف بورشارت (1877-1945) كاتب وشاعر ومؤرخ ألماني، عُرِفَ عنه تطبعه الشديد بالثقافة الألمانية على حساب أي أثر لخلفيته اليهودية. كان أقرب للتيار الثقافي المحافظ ورموزه بعد الحرب العالمية الأولى من أمثال هيوغو فون هوفمانسثال ورودلف شرودر. أما القصيدة الغنائية الفيثية الثالثة للشاعر الإغريقي بيندار فهي ما يُعرف بالإنكليزية بـ (The Third Pythian Ode). (المترجم)
  • 11. نُسَخُ الكتاب المقدس التي يظهر فيها بثلاث لغات مختلفة في كل صفحة، تتناوب فيها السطور بين العبرية، اليونانية، ولغة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية. أنظر Interlinear Bible