موانئ الفرات وجماركه

ربطت مجموعة من الجسور بين مدن وقرى محافظة دير الزور الواقعة، على ضفتين يمين ويسار نهر الفرات تسميان الجزيرة والشامية. ومنذ بداية تشييد الجسور خلال القرن العشرين، انعكس هذا الربط بشكل إيجابي على زيادة الحركة التجارية والاتصال بين سكان المحافظة وتنشيط مختلف مناحي الحياة. وتطورت بفعل الجسور، رغم قلتها قياساً بطول النهر، مراكز تجارية في عدد من المدن والبلدات صارت تخدّم الأهالي على ضفتي الفرات.

ولكن خلال سنوات القتال التي شهدتها المنطقة، تدمرت جميع هذه الجسور، وعلى مرحلتين بشكل أساسي: الأولى بفعل غارات شنتها قوات النظام بشكل متكرر بين عامي 2014 و2017، والثانية نتيجة غارات التحالف الدولي منذ العام 2017 وحتى إعلان النصر على تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم أن بعض هذه الجسور جزئي التهدّم، إلا أن الأضرار بالغة وقضت بخروجها جميعاً عن الخدمة، دون أي محاولة لترميمها أو إعادة الحياة إليها، حيث ما تزال خطوط تماس تفصل اليوم بين مناطق سيطرة النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ونتيجة انعدام الربط بين ضفتي النهر واختلاف الجهة المسيطرة على كل ضفة، تطوّرت مسمّيات عسكرية مرتبطة بالنهر، هي شرق وغرب الفرات، ليبقى بعد ذلك مصطلح شرق الفرات المستخدم للإشارة إلى المناطق التي تسيطر عليها قسد في الجزيرة السورية.

 

  

أول المعابر النهرية

خروج الجسور عن الخدمة أدى إلى ظهور معابر نهرية تعتمد طرقاً بدائية للنقل والتنقل بين ضفتي الفرات. ورغم أن استخدام مياه النهر للانتقال بين الضفتين، بطبيعة الحال، لم يتوقف طوال السنوات العشر الماضية، غير أن تسليط الضوء على وجود المعابر النهرية حدث أول مرة خلال الحصار الذي فرضه تنظيم الدولة على أحياء الجورة والقصور داخل مدينة دير الزور بين عامي 2015 و2017. كان معبر الجْنينة النهري الذي يربط المدينة بريفها الغربي هو الطريق الوحيد لتهريب بعض المواد الغذائية إلى داخل هذه الأحياء، والتي كان يقطنها آنذاك ما يزيد على 350 ألف شخص تحت سيطرة النظام السوري. كما عاد تسليط الضوء على مجموعة من المعابر استُخدمت للفرار من المعارك أثناء معارك طرد التنظيم من المحافظة.

بعد طرد تنظيم الدولة من كامل دير الزور في آذار 2019، وتراجع العمليات العسكرية مع انقسام السيطرة على المحافظة بين قسد وقوات النظام، ازداد عدد المعابر تدريجياً، لتصير بمثابة حدود تحوي نقاطاً جمركية من الطرفين، يتم توظيفها والتربّح منها من خلال الإتاوات المفروضة فيها، وذلك لقاء السماح بانتقال الناس ونقل وتهريب النفط ومشتقاته والحبوب والحديد والإسمنت والأغذية.

دعم روسي وتغاضٍ أميركي حذر

جميع المعابر البرية والنهرية الفاصلة بين مناطق نفوذ النظام وقسد تحظى بدعم روسي مباشر، إذ كان لروسيا، أساساً،الدور الأبرز في فتح هذه المعابر، وبإشراف الشرطة العسكرية الروسية في بداية الأمر. ولعل الروس يريدون بذلك قدرة أكبر على الربط والتحكم بكامل الجغرافيا السورية، فضلاً عن زيادة قدرة النظام على التموّل بمختلف الوسائل، بما يساعده على تجاوز مصاعبه الاقتصادية والمصاعب المتعلقة بتزويد مناطقه بسلع أساسية، على رأسها النفط والغاز والحبوب.

من جانبها، لا تبدو الولايات المتحدة راضيةً بذلك، غير أن تعاملها مع هذه المعابر، النهرية منها تحديداً، والواقعة في مناطق حضورها شرق الفرات، يبدو حذراً وغير حاسم بضرورة إغلاقها، رغم أنها قامت مراراً باستهدافها بالغارات الجوية أو مداهمتها براً. وتسعى السياسة الأميركية حيال المعابر إلى الموازنة بين حيويتها وأثرها الهام على تنشيط التجارة في المنطقة والعوائد التي تؤمنها لقسد والمجتمع المحلي، وبين عدم الرغبة بزيادة النفوذين الروسي والإيراني في مناطق الجزيرة السورية من خلالها.

كانت وكالة سبوتنيك الروسيةقد هاجمت الولايات المتحدة نتيجة استهدافها المتكرر للمعابر النهرية، مشيرةً إلى أنها تريد «التخفيف من الاتصال الاجتماعي بين سكان كلا الضفتين» عبر استهداف معابر تنقل «الطلاب والمرضى والاحتياجات الأساسية لعيش الناس». صحيح أن هذه المعابر تنقل طلاباً ومرضى واحتياجات أساسية، ولكن هذا جزء أقل أهمية قياساً بحجم وطبيعة المنقولات بين ضفتي النهر.

الغارات الأميركية محدودة التأثير

يتم غلق وفتح المعابر بشكل متكرر، إما من جانب النظام والميليشيات المسيطرة على الضفة الشامية من النهر، أو نتيجة الحملات المتكررة التي تشنها قوات قسد على غير النظامي منها، أو بفعل الغارات الأميركية. كما أغلقت قسد المعابر أكثر من مرة خلال العام الفائت، بشكل جزئي أو كامل، كإجراء احترازي من انتشار فيروس كورونا. وقد تشهد المعابر، بين حين وآخر، إغلاقاً مؤقتاً نتيجة اشتباكات محدودة بين قسد وميليشيات تابعة للنظام، غالباً لا تسفر عن إصابات، وتستمر لوقت قصير قبل أن تعود الحركة إلى طبيعتها. حتى أن دورية أميركية قامت مطلع شهر آذار (مارس) الفائت بمداهمة أحد المعابر النهرية التي تصل بلدة ذيبان بمدينة الميادين الخاضعة لسيطرة قوات النظام، في إجراء أتى على ما يبدو نتيجة عجز الغارات الجوية عن تحقيق الأهداف المرجوة منها.

ويشير مصدر محلي تحدث إلى الجمهورية.نت إلى أن المخدرات، التي صار انتشارها واضحاً في مناطق سيطرة قسد بدير الزور، تأتي من خلال هذه المعابر، متهماً أحد قادة الدفاع الوطني في دير الزور - هو فراس الجهام، المعروف باسم فراس العراقية - بالمسؤولية عنها. ولم يستبعد المصدر وجود نوع من «التسهيلات أو غض النظر» من جانب القوات المحسوبة على قسد في منطقة الجزيرة، وذلك «ربما نتيجة استفادة قيادات محلية من هذه العمليات»، بحسب تعبيره.

أنواع النقل عبر المعابر

يمكن لأي نقطتين واقعتين على طول نهر الفرات أن يشكلا معبراً نهرياً، غير أن المعابر الكبيرة، التي تشرف عليها الفرقة الرابعة أو الأمن العسكري، على سبيل المثال، تتوفر على مزايا معينة. هذه المزايا تتعلق غالباً بعمق النهر أكثر من المسافة الفاصلة بين الضفتين، حيث تُستخدم فيها الطوافات الكبيرة المزودة بمحركات ديزل، والتي بإمكانها نقل شاحنتين كبيرتين محمّلتين بالبضائع، أو عدد من السيارات المحملة بالركاب؛ وذلك بخلاف عمليات النقل الصغيرة التي يمكن إجراؤها من خلال سفن صغيرة، يطلق عليها محلياً اسم «طُرّادة»، وتتحرك بواسطة مجاذيف خشبية، وهذه السفن محدودة الحمولة، وكانت تستخدم سابقاً في عمليات صيد الأسماك.

يقول الناشط سلامة الغرب المقيم في ريف دير الزور: «المعابر كثيرة جداً، فكل أرض مطلة على نهر الفرات يمكن أن تتحول إلى معبر للتهريب من خلال السفن». وأشار أن «الإسمنت والحديد والسماد الزراعي وبعض أنواع الخضار والبضائع المستوردة عن طريق الموانئ السورية في الساحل هي أبرز ما يأتي من مناطق سيطرة النظام، والنفط والمحروقات والحبوب وبعض المواد الغذائية تنتقل من مناطق سيطرة قسد».

ويصف الغرب ما يحدث بـ«عملية تكامل من خلال المعابر الرئيسية التي تسيطر عليها قوات الطرفين أو من خلال منافذ التهريب، يتم عبرها نقل كل ما يحتاجه الجانبان». أما أكبر هذه المعابر فهو ذلك الموجود بين بلدتي الشحيل في الجزيرة وبقرص تحتاني في الشامية. ويشبّه سلامة الغرب هذا المعبر بالميناء، وذلك «لضخامة حجم التبادل التجاري الذي يجري من خلاله».

فضلاً عن ذلك، هناك معابر يقتصر عملها على السماح بانتقال البشر، ولكن ذلك يبقى مؤقتاً، فقد تتغير طبيعة المعبر بين وقت وآخر. مثال ذلك معبر الصالحية بالقرب من مدينة دير الزور أو معبر البريد في مدينة الميادين، المخصّصَين «نظرياً» لانتقال البشر مع أمتعتهم، ولكن ذلك لا يعني عدم وجود الكثير من الاستثناءات التي تسمح بنقل البضائع خلال النهار أو في ساعات الليل.

كما لا يمكن التهريب باستخدام السفن الصغيرة دون التنسيق مع قوات النظام من جهة ونقاط الدفاع الذاتي المنتشرة على طول النهر من الجهة المقابلة. وقد يحدث إطلاق نار على عمليات التهريب نتيجة عدم التنسيق بين المُهربين وجميع الأطراف العسكرية الحاضرة في المنطقة.

مياه الفرات ملوّثة

تحصل بشكل متكرر حوادث غرق للبشر والمواد، وجميع المواد التي تسقط في النهر لا يُعاد التقاطها، إذ يقول أحد سكان بلدة الشحيل بريف دير الزور الشرقي (رفض الكشف عن اسمه) خلال حديث مع الجمهورية.نت: «يوجد سوق كامل في قاع نهر الفرات الذي يمر من بلدتنا التي تنشط فيها عمليات النقل من خلال المعبر أو تهريب البضائع».

قريباً من هذه المنطقة، قامت قسد في شهر مايو الفائت بإغراق حمولتي نفط كانت تعبر نهر الفرات، يبلغ حجمها 150 برميل نفط. ولكن هذه الكمية ليست إلا جزءاً يسيراً من آلاف براميل النفط التي تسبح في الفرات. كما تعرّضت حمولة مستحضرات تجميل للغرق نتيجة إطلاق النار عليها من جانب النظام، بحسب ما أفاد به للجمهورية.نت أحد التجار، ولا يمر يوم دون أن تتلوث المياه بكميات من المواد السامة.

كما أن هناك خراطيم يتراوح قطرها من 4 إلى 8 إنش ممدودة في مناطق عديدة داخل نهر الفرات لنقل النفط من الضفة الشرقية إلى الغربية، وهي تتفسّخ وتُثقب بشكل متكرر نتيجة رداءتها وعدم تحملها ضغط الضخ، أو لتأثرها بالغارات الأميركية، مما يؤدي إلى تسرب النفط داخل مياه النهر. وتتلخص عملية نقل النفط بمحرّك صغير يضخ النفط في الخرطوم من الصهاريج أو البراميل الموجودة على الضفة الشرقية نحو صهاريج أو براميل في الضفة المقابلة. وقد صار من الخطير الشرب من مياه الفرات في مناطق دير الزور نتيجة تلوثها الشديد، وتنتشر في المنطقة إصابات كبيرة بالتسمم نتيجة لذلك. لذا لا بد من تسليط الضوء على هذه الانتهاكات المتسببة بتلوث النهر، وأخطارها على مستقبل المنطقة وسكانها، فما يحصل فعلياً عبث وجريمة ذات آثار على المدى الطويل.

النقل على مسؤولية التاجر

بالنسبة للتجار، ما من ضمان لوصول البضائع من طرف إلى آخر، وإذا أُغرقت البضائع أو صُودرت فالتاجر هو من سيتحمّل مسؤولية المخاطرة. ومع ذلك تكاد تكون المخاطرة الوسيلة الوحيدة المتاحة حالياً لنقل البضائع. أحد التجار المقيمين في منطقة الجزيرة يقول للجمهورية.نت: «خلال فترة سابقة، كان النقل من خلال المعابر ’النظامية‘ مكلفاً جداً بسبب ارتفاع رسوم الجمركة التي تفرضها حواجز النظام على هذه المعابر، فضلاً عن الرسوم التي تفرضها قسد، إلى درجة بلغ معها سعر نقل حمولة متر مكعب 850 دولار. هذه المعابر أيضاً تفتح وتغلق بشكل مفاجئ، وقد تبقى البضائع موجودة فيها لعشرة أيام. نتيجة لذلك، صار التجار يلجؤون من خلال مكاتب الشحن إلى تجنب هذا الطريق، وذلك بإخراج البضائع إلى العراق عبر معبر البوكمال، والتوجه بها إلى شمال العراق وإعادة إدخالها إلى سوريا عبر معبر سيمالكا».

ويضيف التاجر: «قد لا تكون الكلفة أقل بكثير عبر هذا الطريق، ولكنه يضمن عدم مصادرة قسم من البضائع أو تلفها نتيجة اشتباك أو غارة جوية، فضلاً عن وصولها إلى وجهتها خلال مدة أقصر».

ولكن ذلك تغير قبل فترة قصيرة، بحسب التاجر، حيث غيرت الفرقة الرابعة التي تسيطر على معبر بقرص-الشحيل من سياستها، وصارت تفرض ألف ليرة سورية على الكيلو الواحد، مما أعاد تركيز التجار على المعابر النهرية لأنها صارت «أرخص بكثير وتحتمل المخاطرة» بحسب تعبيره.

ويرى التاجر أن قوات النظام تتجه شيئاً فشيئاً إلى حصر نقل البضائع بالمعابر النهرية، وهو يرى ذلك أسهل عليهم كتجار «لأن نقل البضائع بين الضفتين لا يستغرق أكثر من عشر دقائق، كما أن الشاحنة نفسها تنتقل من خلال الطوافات بين الجهتين، وذلك بخلاف ما يحدث في معبر التايهة البري القريب من منبج بريف حلب الشرقي، حيث يتم تفريغ البضائع من الشاحنات وإعادة تحميلها في شاحنات مختلفة، ما يعني وقتاً أطول واحتمالية تلف بعض المواد».

علاوةً على ذلك، هناك أسعار مختلفة لجمركة المواد المنقولة براً بموجب لائحة أسعار خاصة، أما عبر المعابر النهرية، فالسعر هو ألف ليرة للكيلو الواحد بغض النظر عن محتوى الشحنة. في الواقع، لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لقوات النظام بعد توحيد الأسعار، لأن قيمة الجمركة المرتفعة جداً كانت تُفرض على الأدوات الكهربائية وأجهزة الجوال والحواسيب وقطع غيار السيارات وما شابهها، وهذه الشريحة من المواد صارت تدخل أسواق مناطق الإدارة الذاتية عبر معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان، وبأسعار أقل، وبالتالي صار التجار يستغنون عن أية سلعة يصعب نقلها من مناطق سيطرة النظام أو تُفرض عليها جمارك عالية.

هناك خصوصية تتعلق بالجوالات، وهي أن الأجهزة غير المستوردة عن طريق النظام تتوقف عن العمل على شبكات الهاتف المحمول السورية بعد فترة من الزمن، مما يستدعي تقديم طلب جمركة (تصريح إفرادي) تختلف رسومه تبعاً لنوعية الجهاز. إلا أن التاجر يقول عن الهواتف المحمولة أنها، «رغم الجمركة التي تُدفع لشركات الاتصالات لدخولها ’بطريقة غير شرعية‘، تبقى أرخص من مناطق سيطرة النظام». وبعد قرار حكومة النظام الأخير بوقف استيراد أجهزة الهاتف المحمول «حفاظاً على النقد الأجنبي»، باتت هناك مهنة جديدة هي شراء الأجهزة المحمولة القادمة عبر إقليم كردستان أو تركيا وجمركتها وإعادة نقلها وبيعها في مناطق سيطرة النظام من خلال المعابر النهرية.

لماذا اللجوء إلى التهريب بالسفن الصغيرة

يمكن نقل البضائع عبر المعابر التي تديرها الفرقة الرابعة أو غيرها من الميليشيات، والتي يعود للحاجز منح وصل بقيمة مبلغ الجمركة من عدمه، إلا أن شريحة من التجار يفضلون اللجوء إلى تجزئة الحمولة وتهريبها عبر السفن الصغيرة. بحسبة صغيرة، كما يقول التاجر، يمكن ملاحظة الفرق: «منذ فترة قمت بنقل حمولة تبلغ 80 طرداً بوزن 25 كيلوغرام للطرد الواحد. لو أنها عبرت من خلال معبر الشحيل-بقرص تحتاني كانت ستكلفني مليوني ليرة سورية، أما من خلال السفن الصغيرة التي يشرف على عملها منتسبون للدفاع الوطني من أبناء المنطقة، فيمكن نقل نفس الشحنة مقابل مبلغ يتراوح بين 7 آلاف و15 ألفاً للطرد الواحد. تقلصت الكلفة بهذه العملية من مليونين إلى أربعمئة ألف».

يجري التهريب من خلال أراضٍ معينة واقعة على سرير النهر وخلال ساعات الليل، ولذلك يجري التنسيق بين مالكي هذه الأراضي على الطرفين والدفاع الوطني من جهة النظام، والدفاع الذاتي أو مجلس دير الزور العسكري من جانب قسد، فضلاً عن الأشخاص الذين ينقلونها بالسفن الصغيرة، وهم في الغالب شخص أو شخصان لا أكثر؛ فلكل كيلو غرام قيمته في هذه السفن التي لا تتحمل أوزاناً كبيرة. ويتم اختيار نقاط على ضفتي النهر لا تتجاوز المسافة الفاصلة بينها 200 إلى 300 متر.

من جهتها فإن قوات النظام أو الجهات الأمنية المسيطرة على المعابر الكبيرة تغضّ النظر عن عمليات التهريب، لأنها تقع ليلاً وخارج أوقات نشاطها، كما أنها تأخذ حصة منها وتترك الباقي لمنتسبي الدفاع الوطني الذين يعملون دون رواتب أو برواتب زهيدة. بالإضافة إلى ذلك، من شأن هذه العمليات تنشيط المنطقة وخلق فرص عمل، حيث تسيطر عليها قوات النظام منذ 2017 دون أن تعود الخدمات كما كانت أو حتى الأهالي الذين غادروا بعد هذا التاريخ.

التفييش خدمة مأجورة

ينتقل البشر عبر هذه المعابر بنفس الطريقة التي تنتقل فيها البضائع، فإما تنتقل الحافلة بشكل كامل عبر الطوافات من ضفة إلى أخرى، أو من خلال تهريب الأفراد بالسفن الصغيرة إذا كانوا مطلوبين أمنياً أو للخدمة العسكرية الإلزامية. وتبلغ أجور النقل عبر المعابر التي تديرها أطراف تابعة للنظام 5 آلاف ليرة عن الشخص الواحد. إحدى السيدات التي عبرت من معبر البريد في الميادين، والذي يديره الأمن العسكري، تقول إنها دفعت 3 آلاف ليرة أجرة عبور بالطوافة، وألف ليرة «إكرامية للعناصر الذين يعملون تحت الشمس خدمةً للسيد المواطن» بحسب تعبير أحد العناصر، وثمة ألف ليرة أخرى ثمناً لعملية التفييش، فبحسب العنصر نفسه: «منشغّل كهربا كرمالكن».

أما بالنسبة لنقل المطلوبين أمنياً أو للخدمة العسكرية، فإن السعر يخضع للتفاوض بين الشخص المطلوب والمهرِّب الذي يعمل بالتنسيق مع الدفاع الوطني. ويقول أحد سكان قرية بقرص ممن تواصلت معهم الجمهورية.نت إن ذلك «يحدث بيسر، وهناك عشرات الأشخاص يمكن الانتقال بواسطتهم، لذلك يمكنك الحديث مع أكثر من مهرب واختيار أرخصهم سعراً».

من يسيطر على المعابر؟

يقول فراس علاوي، وهو صحفي سوري متابع لشؤون المنطقة الشرقية، في حديث مع الجمهورية.نت: «كل معبر يديره من جانب النظام طرف من الأطراف، وقد تنتقل السيطرة على المعبر نفسه من وقت لآخر بين هذه الأطراف. هناك ما هو تابع للفرقة الرابعة أو الأمن العسكري أو الميليشيات الإيرانية أو الدفاع الوطني، كما كان للقوات الروسية معابرها أيضاً. وقد غدت المعابر والسيطرة عليها محط تنافس بين جميع الأطراف الموجودة في مناطق سيطرة النظام نتيجة الأموال الكبيرة التي تأتي من استغلالها، وقد حدث أكثر من اشتباك بين هذه الأطراف نتيجة التناحر على المعابر، منها اشتباك شهير العام الفائت بين الأمن العسكري والفرقة الرابعة في مدينة الميادين، أُعيدت بموجبه خارطة تقاسم المعابر».

أما من جانب قسد، فيعطي الناشط سلامة الغرب، المقيم في الجانب الذي تسيطر عليه قسد، مثالاً يقول إنه يوضح أن لكل منطقة ترتيبها الخاص. ففي بلدة الشحيل، هناك ملّاك لأراضٍ تتم من خلالها عمليات التهريب ويحمونها بسلاحهم الخاص، ولكن ليس دون التنسيق مع مجلس دير الزور العسكري أو قوات الدفاع الذاتي التابعين لقسد. كما تدير هذه الأطراف المعابر الكبيرة بشكل مباشر. أما عمليات التهريب، فهي نافذة مفتوحة يستفيد منها العناصر والمنتسبون لقسد، رغم أن الأخيرة تشن حملات مداهمة للمعابر بين الفينة والأخرى بدعم من قوات التحالف الدولي، ولكن الأمور تعود إلى طبيعتها بعد ساعات قليلة.

القاطرجي حاضر أيضاً

كانت بداية التعاون بين مجموعة القاطرجي وقسد في نقل النفط من مناطق سيطرة الأخيرة إلى مناطق سيطرة النظام يجري عبر الصهاريج التي تنتقل براً، ولكن العملية تطورت مع مرور الوقت لتشمل المعابر النهرية. اليوم، يتم النقل من خلال تحميل الصهاريج على العبّارات النهرية (الطوافات) ونقلها بين الضفتين. كما أن هناك عدد من الأنابيب ممدودة بين ضفتي النهر، وتَكثّف الاعتماد على الأنابيب نتيجة الغارات الأميركية التي استهدفت أكثر من مرة الشحنات المنقولة عبر الطوافات. وتتغير أمكنة هذه الأنابيب، وهي عبارة عن خراطيم بلاستيكية، من وقت إلى آخر بحسب التغيرات الأمنية أو انكشاف مكان الأنبوب. وقد ذكر تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان قبل أيام أن قسد تفضل البيع للنظام عبر الطرق البرية لتحصيل ربح أكبر، كونه يتم من خلال وسيط واحد ومباشر مع النظام السوري هو مجموعة القاطرجي. أما في عملية النقل النهري، فيتم بيع النفط لسكان من المنطقة يقومون بدورهم بنقله إلى الضفة التي يسيطر عليها النظام وتسليمه لمجموعة القاطرجي، إما من خلال الطوافات أو الأنابيب البلاستيكية.

ويقدر التقرير كميات النفط التي تُنقل إلى النظام السوري بـ6 مليون برميل سنوياً في الحدود الدنيا، وتبلغ قيمة ذلك 120 مليون دولار، وفي ذلك خرق واضح لقانون قيصر، فضلاً عن التسبب بتلوث بيئي عظيم. كما أن أكثر المعابر النهرية نشاطاً في نقل النفط خلال الفترة الممتدة بين شهري حزيران 2020 وتموز 2021، بحسب التقرير، هي الشحيل-بقرص تحتاني، والحوايج-الميادين، وذيبان-الميادين.

وقد قامت ميليشيا القاطرجي، نهاية تشرين الثاني العام الماضي، باقتحام معبر بقرص تحتاني-الشحيل بعد خلافات مع الفرقة الرابعة وميليشيات تابعة لإيران، لتسيطر عليه بشكل مباشر لفترة قصيرة، قبل أن تنسحب منه مع احتفاظها بإمكانية إدخال النفط والحبوب.