ميراث الخوف والسلطوية في مدارس البعث

قد تكون القراءة فعلاً ذاتياً وانقطاعاً عن الحياة اليومية الروتينية؛ فعل استغراق مع الذات، شغوفاً باكتشاف حياة أخرى، أو البحث عن فكرة جديدة بين جلدتي الكتاب، لكن عندما نكتب عن كتاب ما لنناقش الأفكار التي وردت فيه، تصبح القراءة فعل تواصل وحوار، منفتحاً على عدد لامنتهٍ من القراءات والآراء.

تنظم الجمهورية.نت بالتعاون مع مكتبة خان الجنوب في برلين سلسلة قراءات ومراجعات دورية لكتب صدرت حديثاً باللغة العربية، وذلك عبر دعوة مجموعة كتاب وكاتبات لقراءة كتب مقترحة ومراجعتها وفتح نقاش حولها وحول مواضيعها.

يستعرض كتاب صفحات من دفتر قديم السِّيَرَ المدرسية لسبعة كاتباتٍ وكتاب، من مختلف المراحل العمرية وعديد التراكيب الدينية والمجتمعية والسياسية والثقافية، ضمن قَصٍّ لا تخلو سرديّته من التّمعّنِ في التجارب الفردية في ظلّ التّغيرات السياسيّة، والتّفكر بانعكاساتها على مرّ أربعة عقودٍ من الزمن. يشارك في الكتاب ذي الـ 327 صفحة كل من: فاروق مردم بك، ممدوح عزام، صالح الحاج صالح، كوليت بهنا، سلام كواكبي، روزا ياسين حسن ورستم محمود، كما ويقدّمه أحمد بيضون، حيث يُسمّي السِّيَرَ المدرسية في مقدّمته بالـ «تقارير المضادة» للتقارير الأمنية، تلك التي عرفها السوريون عن المخبرين، في زمنٍ لم يعرف فيه الشباب نافذةً للحرية سوى السينما. ليأخذ معنى «الوشاية» في هذه التقارير بُعداً يختلف عن بُعد الوشاية في مفاهيم الاستخبارات السورية، ولتَظهرَ الوشايةُ هنا كأداةٍ تعيدُ صياغة حكاياتٍ ظلتْ منسيةً في أزّقة الطفولة وباحات المدارس وعند أبواب الثانويات.

لوجه الوشاية هذا انتصاره المتواضعُ القائمُ على إعادة هيكلة حياةٍ تتوازى مع حياة الكاتبات والكتاب، تلك التي ساهمتْ -بتطرّفٍ- في بلورة حياتهم القادمة، نحو الأفضل أو الأسوأ؛ كلٌّ حسب استطاعته على التصدي لسلطة المدرسة والأهل والمجتمع، وكلٌّ حسب مقدرته على فهم منوال العلاقة بين تنشئته الفكرية وبين مؤسسة البعث، بينه وبين أهله، في داره ومدرسته وحيّه ومدينته. وفي طرح هذه العلاقة يكمنُ انتصارُ الوشاية المدرسية بوجهها الجديد، ليس في ذكر الأحداث بتجرّدٍ تأريخيٍّ، أو في تصنيفها في أُطرٍ أخلاقيةٍ فرديةٍ، بل في إعادة هيكلتها في نطاقٍ مكانيٍّ رحبٍ داخل اللغة، بدءاً من تصميم المباني المدرسية، كامتدادٍ للتنشئة الفكرية البعثية، والاستعداد البدني لِـ «حربٍ خارجيةٍ» تأتي بعد حرب الطلاب مع مباني «السجن السوفيتي». مروراً بحرب المعلّمات والمعلمين مع الطلبة، ثم بوسائل التّعليم وشكل الهندام المدرسيّ ومناخ الصّف من رائحةٍ ولون. ثم انتهاءاً بالانضمام لمنظومةٍ شبابيةٍ، مركزها الحزب الذي لا يهمّه ضخ المعرفة أو تطوير شخصية مستقلةٍ في الشباب، بقدر ما يتعامل معهم على أنهم مادة بشرية للترويج لأيدولوجيته. وهكذا حتى تُتوّجَ مراحل الدراسة بالغربة في اللغة، وفي الذات، وفي الصف والدار والبلد. كأن هذه التراكيب كانت مجتمعةً لتَتَوائمَ مع كل شيءٍ حولها، ولتصير جلافة هذا المناخ التعليمي إحدى تمظهرات سلطوية البعث في سورية.

لا يكتفي بعض الكاتبات والكتاب بالنظر للسلطوية في سورية على أنها حصيلةٌ تتأتّى من جموع الحزب البعثية، ومن أصحاب الامتيازات المؤسساتية فقط، بل أيضاً على أنها سلطوية خاضعة لِـ «رجولات» يملؤها الخوف، ضمن نظام تراتبيٍّ في إثنيّته وطبقيّته وذكوريّته. فمُعظم المعلّمين هم بعثيّون أوتوماتيكياً لحظة دخولهم دار المعلّمين، يُحرمون من حقّ التسوية بين العام والخاص؛ بالتالي كلّ ما يفرضه الحزب على المُعلّم غير المنتمي له -جوهرياً- من هيمنة وخضوع وتبعيّة، يتحوّل أمامه إلى أداة تبجّح قبالة طلّابه، يسترد بها جزءاً من اعتباره المهزوز أمام درجات السلطوية المتصارعة فيما بينها.

وللقارئ في ذلك -سورياً كان أم لا- أن يبني صورةً باذخةً بالتّجارب حول تلك الحياة الموازية، متتبّعاً سير الكاتبات والكتاب المدرسية خلال أربعة عقودٍ من تاريخ سورية. ولأن هذه الحياة الموازية قلبتْ موازين حياة الكاتبات والكتاب، وجعلتْ من مقاعد طفولتهنّ وطفولتهم ترسيماً معيارياً للنظام المُبكّر، لإضفاء شرعيةٍ استباقيةٍ على تغلغل البعث في كلّ زوايا المجتمع، واضعةً سِيَرَهم المدرسية مع سطوة أيدولوجيتها في بوتقةٍ واحدة - لذلك قد يَسهلُ على القارئ الظنّ لوهلةٍ أن مصائر هذه السِّير قد وقعتْ في هالة التكرار؛ إلى أن ينهي الصفحات الأخيرة ويكتشف اختلاف التجربة في طُرُقِ العودة إلى الطفولة، وفي طُرُقِ الوصول إلى الذات / في اختلاف المسافة بين حاضر الكاتبات والكتاب وبين ماضيهنّ وماضيهم، وفي اختلاف زاوية الوقوف أمام جسر الذاكرة الجمعية نحو الأيام المدرسية.

سورية «الغريبة»

تأخذُ فاروق مردم بك اليافع فورةُ الانتماءات في سيرته المدرسية، إذ كان على علاقةٍ متردّدةٍ بين انتماءه لبيئة دراسته في المعهد الفرنسي العربي، وبين انتمائه لفكر القومية إبّان الوحدة السورية المصرية وحُبّه لعبد الناصر، الذي تحوّل لنقمةٍ حينما اعتُقلَ معلمه الذي أثر في ثقافته الأدبية والسياسية، وصار بعد الانقلاب على الوحدة زميلاً له في الفكر الشيوعي. وبينما يسترسل فاروق مردم بك على طول سِيرته بوصف حياته المدرسية المقتصرة على مجاله الحيويّ في أحياء دمشق الميسورة الحال، يفاجئك حنّو كلماته في الصفحات الأخيرة، فتحسّ بعَذب علاقته الشاعرية بالمدينة، وهو يحاول رسم «جغرافيا عاطفته» الأولى من خلف زجاج الترامواي، الذي كان وسيلته الوحيدة ليرى أوجه المدينة المتباينة بين الميدان والمرجة والشيخ محي الدين وحي المهاجرين.

لعل سورية «الغريبة» - كما يصفها أحمد بيضون في سِيرة فاروق مردم بك - هي تلك التي لطالما حلمتْ بها أجيالٌ بعد جيل مردم بك. سورية « الغريبة» التي يعيش فيها فاروق الشاب تقلباتٍ في رؤيته للحياة والمجتمع وعلاقته بالدين والسلطة، لعلّها سورية البعيدة جداً. وبغض النظر عن الكيفية التي يريد المرء أن يقرأ بها «غرابة» سورية مردم بك الذي أحبّ طفولته وبدايات شبابه، وتكلم عنهما بحنوّ الابن ولوعة البعيد، بغض النظر عن ذلك، لا بدّ أن نرى لوهلةٍ بأن العاطفة في سيرة مردم بك إنما هي طرحٌ تأمليٌّ لما قد يسمى بِـ «السؤال الأخير» حول علاقة الإنسان بمكانٍ غادره، وحول تفاصيل الطفولة ورحلات الترامواي والمظاهرات مع زملاء الدراسة. وكأن هذه التفاصيل هي الخط الطويل الأساسي لذاكرته المكانية وعلاقته بدمشق آنذاك.

سورية القاسية

يخيّم على سيرة كل من ممدوح عزّام وصالح الحاج صالح مناخ الريف المليء بالسّردياتِ التي ينتظر سماعها السكان المحليون من أبنائها المتجولين، أو من غرباء يتنقلون بين قريةٍ وأخرى. وهنا أقصد مناخ اللغة الذي يتخلّق بين يدي القارئ وبين المَشاهد التي يصفها الكاتبان. فهما وإن كانا يكتبان عن سِيَرِ طفولتهما، بيد أنهما لا يتحدّثان عن نفسيهما فقط، وإنما عن مئات الأطفال الذين عاشوا في القرى والمدن التي مروا بها. وكأنهما يستخدمان اللغة ليجعلا من عزّام الطفل ومن صالح الطفل وسيطاً بين الذاكرة وبين الورق في يدِ القارئ؛ فيتحدّث ممدوح عزام عن صخب وهيجان نهر الخابور، وكأنه كائنٌ أسطوريٌّ، ستضيع في أعماقه إن لم تعرف مطالبَه وطريقَ التّودد إليه. ويتحدّث صالح الحاج صالح عن نسيانه لمعلِّميهِ في المدرسة الطينية وكأنهم أشباحٌ، مرّوا في طفولته دون أن يتركوا اسماً أو وجهاً أو أثرا. ثم يصف عزام طبيعة قرية جدّه البازلتية، وطبيعة المشايخ والبكوات الذين ورثوا عنها «سلطة الأمر والنهي» مِن النّحتِ في حجارتها السوداء. وعن غموض ما يجري في منطقة الصخور البركانية «اللجاة» بالقرب من سهل حوران، حيث تحوّلت تَرِكاتُ البراكين إلى غورٍ تاريخيٍّ ذي «انتماءاتٍ أيدولوجيةٍ غامضة»، إذ احتمى به الأنباط، والدروز، وأبناء الثورة السورية الكبرى، والبدو، ومقاتلو الثورة السورية ضد الأسد، وأخيراً مقاتلو جبهة النصرة.

يُكتب على عائلة ممدوح عزام التنقل المستمر بسبب طبيعة عمل ربّ الأسرة كَـ دركي في بداية عهد الاستقلال عن فرنسا. ورغم أن الدّركي كان يغيب طويلاً عن عائلته، إلا أن للأب أثره في نفْس عزّام الطفل، وهو يتحدث في رمزيةٍ خاطفةٍ عن علاقة أبيه بالحصان الذي تخلّى عنه بعد هزيمة حزيران، وعن العرزال الذي كان يبنيه معه. وكأن الأب «المتشرّد» يستعيض بالبيت المصنوع من أغصان الشجرة عن فكرة البيت الذي لا يستطيع المرء حمله في رحلة غربته الطويلة.

وبينما يعلن فاروق مردم بك بوضوحٍ -بعيداً عن شعارات القومية السائدة آنذاك- عن تصالحه ما بين غضبه وسخطه إبان العدوان الثلاثي على مصر وإبان ثورة الجزائريين، وبين موضعيته في التعامل مع الكادر التعليمي الفرنسي في سورية، قادراً على التمييز في الفرنسيين ما بين مناهضين للاستعمار وبين مستعمرين، بينما ذلك، يروي ممدوح عزّام عن أبيه الوجه الآخر لسلطة المستعمر الذي أراد محق الثقافة العربية، جاعلاً من المدرسة «معتقلاً»، يعلو فيها سُوط عصا السينيال دون رحمةٍ فوق أصابع كل طفلٍ يجرؤ على التكلم بالعربية. يذكر عزّام ذلك دون أن ينكر - وهو ابن الريف السوري – الترابط بين الأيدولوجية البطريركية في دم المستعمر وبين إرث التسلط المحلّي ذو الخلفية القبلية. فمثلاً لمكانة والد عزام في سيرك الدرك طابعٌ ينتمي لميراث السلطة في المجتمع؛ إذ لطالما أنقذتْ مهنةُ الأب عزّامَ الطفلَ من عقوبات المعلمين، الذين يتحوّلون إلى ثيرانٍ هائجةٍ، تمزّق جلد الطلاب بقرونها، إن تجرأ طالبٌ وعارضَ أمراً ما، حتى وإن كانتْ المعارضة في أمرٍ يخصّ عقابه؛ وعلى هذا المنوال... حتى تصير علاقة المدرسة بالتلامذة «قائمةً على العداء، لا التربية».

يروي صالح الحاج صالح سيرة طفولته وكأنه يحمل كاميرا تظل متدليّة من أعلى الكتاب لمتن الورق، لتصوّر حياته من زاوية ثابتة عند 90 درجة، حيث تكون اللغة واضحةٌ، ترى فيها شكل الحياة البسيطة في سورية في الستينات من عينين الطفل، ابن القرية التي بنى سُكّانها أول مدرسةٍ فيها من قطع اللُّبن، وطالبوا الحكومة بإرسال معلّم إليها. وفي حديث ممدوح عزّام عن نهر الخابور والطبيعة البازلتية والبركة «السورية»، تهيمن لغته السيمائية على السّرد المُجرّد، فتشير الأشياء والأماكن والشُخوصُ في ذاكرته إلى أشياء أخرى، غير تلك الأشياء التي تشير الكلمة بها إلى نفسها اصطلاحياً. هكذا يصير مناخ اللغة وسيطاً بين الماضي والتجربة الحسية الحيّة، بين القارئ وبين البيوت والشوارع التي التهمتْ سنينُ الحرب السورية الأخيرة حكاياتها، وطردتْ أهلها.

وبينما يسرح القارئُ بجمال وغرابة سورية مردم بك، تعود به سيرتا ممدوح عزام وصالح الحاج صالح إلى وجه سورية الذي ألف المرءُ فيه قهرها. سورية التي يتعلّم أبناؤها مصّ عظم حياتها القاسية منذ نعومة أظفارهم، فوق الطرقات الطينية إلى المدارس. حيث تحولّ المعلّمون إلى سجّانين يروّضون خيال الأطفال، وتصير دروس الإنشاء منبعاً لشعارات القومية، وتصير المدارس مصانعاً لبثّ الإذعان في الأطفال وضمان ألا يثور في الغد منهم أحد. 

هرم السلطوية

تكتّفوا، هذا هو الصوت الآمر الذي ظلّ راسخاً في ذاكرتي.

يختبر القارئ بين الحين والآخر كيف «يتغوّل» تسلسل السطلة الهرمي في سيرة ممدوح عزّام، بالعلاقة بين والده الدركي والمؤسسة التعليمة المبنية على امتيازات الأقرب للسلطة، ومن ثم العلاقة المبنية على التفوق الحزبي بين المعلّم والموجّه في المدرسة الواحدة، وبين المعلم «العادي» والمعلم العسكري المبعوث من الجيش لتدريبات الفتوة. وكذلك لم تغب عصا جالية المعلمين المصريين إبّان الوحدة السورية المصرية، التي تستمدّ اختيالها وشِدّتها فوق أصابع الأطفال السوريين من التفوق القمعي بين سلطتين عربيّتين. هنا يعود عزّام إلى التناقض في معادلة الانتماء الغريب الذي شهده المجتمع السوري في أعوام الوحدة. فإذ ينقلب مردم بك على حبه لعبد الناصر بعد حملة الاعتقالات، كذلك يضع عزّام إشارات التّعجب حول معضلة السورين في تناقض علاقتهم مع شخص عبد الناصر -وفي آنٍ معاً- فزعهم الشديد من مباحثه، التي تبثُّ الرّعب حتى في قلوب المنتمين إلى أجهزتها.

لا ينتهي «تغوّل» تسلسل السلطة الهرمي عند المعلم، بل يبدأ بالبحث عن أبطاله المستقبليّين، حيث يتعامل طلاب الصفوف العليا في الثانوية مع الطلاب الجدد بشيءٍ شبيه بـِ «عملية الخصي». لكأن هذه العلاقة بين الطلاب امتدادٌ لتسلسل السلطة وأثر مؤسسات تعليمها القمعية في ذوات الطلاب المهزوزة بالتطويع والعقوبات العلنية المُذّلة، وبهزيمة القدرة على الاحتجاج والرفض في أنفسهم. فلا يشوب هذه العلاقة شيءٌ سوى التهديد والاحتقار من أبناء المدن لأبناء الأرياف، ومن طلاب الصفوف الأعلى لطلاب الصفوف الأدنى، الذين يمارسون سلطتهم الأدنى لاسترداد قيمتهم الهرمية، كإنجازٍ يرفعهم للسلطة الأعلى. علاوةً على الإذلال المُتوارث في التدريب العسكري، الذي يرأسه أبطالٌ «هتلريّيون»، مدجّجين بالبذاءات: «بجْمَعْكِن وبْشِخْ عْلِيْكن». وليضمن نظام البعث استمراراً مُداماً لتَعَاقُبِ السلطة الهرمية، يتيح لتلامذته دخول «دار المعلين»، حيث تعلّم ممدوح عزّام مع زملائه كيف تصير الابتسامة عصياناً علنياً ضدّ الوجوم وخشونة الانضباط. «لم تضحك؟»... يبث البعث في طلابه العبوس والغضب، جاعلاً من هذه السمات أسساً لمؤسسات سلطته، التي لاحقاً «ستهزمُ الضحكَ» أبداً في حياة السوريين. 

في مشهدٍ سُرياليٍّ يخرج شبّان بلدة ممدوح عزّام إلى الشوارع عقب هزيمة حزيران، ويقفون صامتين، لا لشيءٍ سوى «للوقوف تحت السماء الفارغة». ليظهر السوريون «مهزومي الضحك» في مسرحيةٍ يكتب سيناريوهاتها ضبّاط البعث، جاعلين فيها الشارعَ خشبةً مسرحيةٍ، أبطالها شبابٌ مُرغَمون، وأطفالٌ لا يفقهون ما يقولون.

يُكمل سلام كواكبي توصيف أيدولوجية الهرم السلطوية وهو يتحدّث عن «الخضوع النسبيَّ»، متعاطفاً مع المعلّمين المجبرين على الالتزام حزبياً، أولئك الذين اعتمد البعث عليهم في تأسيس قاعدته السلطوية، مجبراً إياهم على اتخاذ المواقف النسبية والآراء الرمادية، للنجاة برواتبَ تكفيهم قوت يومهم.

ثم في حدثٍ بربريٍّ، يصوّرُ الكواكبي الوزيرَ سليمان الخشّ، وهو يحرق كتب تعلّم اللغة الفرنسية، في مشهدٍ علنيٍّ في الساحة العامة تستمرّ المدرسة البعثية معه في إثبات ديمومتها؛ معبّرةً بذلك عن صرامة النظام وقمعه وصلابة بروباغنداه اتجاه ما يدعوه بالـ «العدوان الخارجي». يطرح الكواكبي أيضاً آلية النظام الذكوري في التنشئة المدرسية أحادية الجنس، والآثار الأخلاقية من ذلك في التسبب بالكبت والنزاعات الداخلية، التي ستؤثر لاحقاً سلباً على التكوينات النفسية لأغلب الطالبات والطلاب، دون أن تعطيهم مجالاً للحرية. بل مقحمةً إياهنّ وإياهم في بوتقة طلائع البعث وشبيبة الثورة، «لتنميط فكرهم، والحدّ من طموحاتهم، وتخويف ذواتهم، في سعيها لجعل أغلبهم أو جلّهم مشروع مُخبرين» يخشاهم حتى آباؤهم.

يسوع، معلّقاً فوق جدران المدرسة

لم يستطع صديق كوليت بهنا «يسوع» أن ينقذ يديها الصّغيرتين من سجن المدرسة المُزنّرةِ بالشظايا الزجاجية. تتذكر كوليت جدران المدرسة المخصصة للطائفة الكاثوليكية، حيث تتخيل نفسها عالقةً فوق أسوارها، مسيحاً صغيراً، تشدّه الراهبات من جسده الطّفولي، بينما تتابع الشظايا الانغراس في لحم يديه الطري. لم تنجو حتى الرهبنة النسائية من مبدأ القسوة في المنظومة التربوية السورية، بل أخذنه عن بقية المدارس العمومية، لكن أبقينه في أُطر اللغة والتعامل، دون أن يذهبن للتعنيف الجسدي التي ستختبره كوليت في مراحل دراسية لاحقة.

تستعيد كوليت بهنا صوراً من تجربتها المدرسية في سورية إثر التغيرات السياسية، ومبدأ السلطة المصغّر الذي ينعكس على توزيع الرُّتب الإدارية في الحقل التعليّمي بين النساء حسب انتمائهنّ الطّبقي والإثنيّ «وما حكاية مديرات المدارس؟ واحدة ثرية للغاية وابنة حسب ونسب... لماذا تدير هذه السّيدات المدارس؟». وفي سنٍّ مبكّرٍ تجرّب التمييز بين الطالبات، حسب ديانتهم، وحسب مكانة أهلهم الحزبية، إذ تمّ سلبها فرحة السفر للخارج للعزف مع فرق المدرسة، وإعطاء الفرصة لابنة ضابطٍ كبيرٍ «لا تميز بين سّلم السقيفة والسّلم الموسيقي». ثم تتحدّث عن المديرة التي غرستْ كعبها في رقبة فتاةٍ محجبةٍ إبّان حرب النظام في الثمانينيات ضدّ الإخوان المسلمين: «يا بنت الكلب إنتِ وياها. بدي أشحطكن وأخفيكن عن وش الدنية، إذا بشوفكن مرة تانية بالإيشارب».

«بخفّةِ لاعبة الجمباز» تحاول كوليت بهنا عبور السراط المستقيم، مستنجدةً بلياقتها؛ كي لا تسقط على أحد جانبيه. هكذا تلجأ كوليت للسخرية كأداةِ مواجهةٍ ضدّ صدمتها بواقع الأقليات، الذي تكتشفه بدخولها الإعدادية، وضدّ سطوة الدينين المُهيمنين على طفولتها (المسيحية والإسلام) حتى تجد طريقها إلى العلمانية. تستنجد كوليت بهنا بالسخرية كأداة مواجهةٍ، تسعفُ بها روحها من كلبشات المنظومة التعليمية الصارمة، وتحمي معها الأنثى في داخلها من مُدربة الفتوة التي تأخذ على عاتقها تحويل الطالبات إلى «عسكر بنات»، يُضرَبن بلا رحمةٍ، ويُجبرن على الزحف حافياتٍ في صقيع باحة المدرسة إن لم يستطعن إخفاء احمرار وجناتهنّ.

الخوفُ كشرط مُسبق للنجاة في مدارس البعث

الأشرس سيأخذ خبزه أولاً.

وهي تدسّ جسدّها الصغير بين جموع الواقفين على طوابير الخبز، محاولةً الوصول إلى الكوّة، إلى أن تُنزع أزرار صدريتها وتضيع شرائطها الملونة؛ تصوّر روزا ياسين حسن أولى صراعاتها الحياتية في مدينتها اللاذقية، حيث تأخذ روزا الطفلة بيد القارئ، حاملةً إياه إلى بهو تراكيب المجتمع السوري، حيث لحياة السوريين هناك حياةً موازيةً لها، تتأصّل أشكالها في مكانٍ واحدٍ، وتتقاطع، متجاوزةً ذاتها، وذوات أبناءها.

يمتدّ منطق القوي والضعيف من كوّة الخبز إلى غرف الصف الدراسي، مشكّلاً حياةً موازيةً لحياة روزا ياسين حسن، حياةً أشبه بِـ «ثكنة عسكرية» تُدعى المدرسة، تكون فيها الطفلة جنديةً بائسةً، التي كلّما ازداد عنف المعلّمات من حولها، ازدادت علاقتها بالخيال «كلما ازداد العنف، تعملق الخيال». 

في أماكن وأزمنةٍ أخرى تقف روزا ياسين حسن خارج المكان، وتتأمله من غُربتها كحوضٍ سمكٍ، بينما تزيح عن زجاجه طحالبَ الذاكرة، لتتذكّر كيف تُسحق أظافر الطالباتِ اللواتي يبدين أي مظهرٍ أنثويٍّ أمام معلّماتِ الفتوة / صانعاتِ الألم. من خلف زجاج الأكواريوم هذا تتحدث روزا ياسين حسن عن ميراث الخوف الذي حمّلها إياه أبيها. الخوفُ كشرطٍ مُسبقٍ للنجاة في بلاد البعث، وتتساءل: ماذا لو لم يصمتُ جيل أهلها؟ هل كانوا ليتحوّلون لِـ «دونكوشتيّين»، مغيّبين في السجون؟ ماذا لو لم يساعدوا بصمتهم في بناء الإذعان في أنفس أطفالهم؟ ماذا لو لم يتركوا مجزرة حماة تمرّ في صمتٍ قاتلٍ، دون أن تثير دماء المعارضين رائحةً في شوارع اللاذقية وسورية كلّها؟

من متن الذاكرة، التي تشبه «الدكتاتور» بسطوتها، تتبدّى «الحياة الموازية» في طفولة روزا، إذ ترسم أوجه أطفالٍ، تبدو أيام طفولتهم مِلك غيرهم، مِلك الانضباط الصارم، وهم يتنفّسون البرد الصّباحي في باحاتٍ ليستْ لهم، وملك القائد وهم يتعلّمون الحرف من فوق جدرانٍ تعلوها صوره، وملك الحزب وهم يرمون برؤوسهم فوق خشب المقاعد الخشبية العتيقة.. «أنتم لا تملكون شيئاً! ولستم سوى ضيوفٍ في بلادٍ يملكها الأب القائد وحزبه».

أمام خيبة الأجيال

حينما انتهيت من سيرة روزا ياسين حسن، بقيت أفكّر مطوّلاً في آخر أسئلتها، عن كونها من جيلٍ علق بين جيلين: «جيلٌ سابقٌ دفع أثمان مقاومته في السجون والمنافي وتحت التراب» وجلينا الذي «بدا كلّ همه أن يفكّر في البدايات والنهايات». بيد أن رستم محمود -الأقرب إلى جيلي- استطاع بعدها أن يعزّيني في خِيبتي أمام سؤال روزا ياسين حسن، لحظة شعوري المدقع بالعجز تحت دولاب البعث الحديديّ، الذي لم تستطع خمسة أجيالٍ مِن أن توقف جنازيره لعقدٍ واحدٍ من الزمن! 

يختتم رستم محمود السِّيَر المدرسية بعودته -كآخرين في هذا الكتاب- للبدايات، ليُظهر منها فروق التجربة، ويتتبّع خطّ النهاية الذي وصلت إليه أجيالٌ قبل جيله، باحثاً عن مُسميّاتٍ أخرى للخيبة، لا لإعادة تسميتها، بل لرؤيتها من منظورٍ تحليليٍّ انطلاقاً من تسميتين:

انطلاقاً من تجربة ما يُسمّيه بِـ «سحر التنوع» في عوالم المجتمع السوريّ، بالتحديد في مدينةٍ متخمةٍ بالهويات الثقافية والدينية والعرقية واللغوية كالقامشلي، فينظر لتمايز الخلفية اللغوية على أنها «درب اكتشاف ذاته»، واضعاً إياها إلى جانب مكوّنات تلك الحياة السورية الموازية، شارحاً شكل الحرب الفردية للطالب الكُرديّ أمام لغتين: اللغة العربية، لغة مدرّسي البعث المستبدّين بها، كونها لغة التمييز المفاهيميّ الجامدِ نحو الانضباط والإخضاع والخنوع والمعرفة الجامدة من جهة، ومن جهة أخرى أمام اللغة الكُردية، كأداةٍ تتجلّى فيها العواطف بالتجربة الملموسة، وتسعفُ أصحابها بحسّ الفكاهة العفويّ، والتعبير عن خوالج الذات المكلومة، والمُصفّدةُ يداها أمام حملات التعريب على مرّ أربعين عام.

وانطلاقاً من أبعاد «العنف المُركّب» في علاقة المعلّمين مع طلابهم، مُبيّناً خلفيّات العنف الجسدي والنفسي الذي يمارسه المعلّم، مُشيراً إليه كحالةٍ اجتماعيةٍ لا تنتهي عند أبواب المدرسة، بل وتستمرّ مع أجيالها بين الطلبة، وبينهم وبين المجتمع والمدرسة، في «تكييفٍ رمزيٍّ» وبُعدٍ ساديٍّ واضح، يُوصَف في المجتمع على أنه التزامٌ بـ«أصالة» التربية، ووفاءٌ لنظامٍ يستمدّ استمراريّته من ضحاياه القدامى.