ميركل وزيهوفر: الحليفان اللدودان

 

تراجع وزير الداخلية الألماني وزعيم الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري هورست زيهوفر عن استقالته يوم الإثنين الماضي، بعد أن كان قد أعلن نيّته بالاستقالة من منصبه يوم الأحد، ما كان يشكّل تهديداً بالإطاحة بالائتلاف الحاكم في ألمانيا، وإدخال البلاد في أزمة سياسية. وجاء تراجعه هذا بعد ساعات من المفاوضات بين حزبه والحزب المسيحي الديموقراطي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، انتهت بإعلان اتفاق جديد حول السياسة الواجب اتباعها للحد من الهجرة غير الشرعية، بهدف تجاوز الخلاف الحاد بين الحزبين.

هذا الصدام ليس الأول من نوعه بين ميركل وزيهوفر بخصوص اللجوء والهجرة، إذ كان الخلاف قد بدأ بين الحزبين منذ نوفمبر عام 2015، بين سياسة ميركل التي ترفع شعار «سوف ننجح في ذلك» قاصدةً استيعاب اللاجئين، وزيهوفر الذي ينادي دوماً بأنه «لا بدّ من وضع سقف لتدفق اللاجئين». وأثناء أزمة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة التي شهدت صعود اليمين المتطرف، وافقت ميركل أخيراً على طلب زيهوفر الذي كانت قد رفضته مراراً، وهو تحديد سقف اللاجئين بواقع 200 ألف سنوياً، مقابل أن يوافق زيهوفر وحزبه البافاري على الدخول في ائتلاف حكومي مع ميركل وحزبها.

بعد مئة يوم فقط على إعلان الائتلاف الحكومي وتجاوز أزمة تشكيل الحكومة، وفي أواسط حزيران الماضي، انفجر الخلاف مجدداً عندما أعلن زيهوفر أنه يرفض استقبال طالبي اللجوء الذين سبق وأن سُجّل طلب لجوئهم في دول أوروبية أخرى، مهدداً بإصدار أوامر للشرطة لإعادتهم عن الحدود البافارية في حال لم تنجح ميركل في إيجاد حلّ للمسألة عبر الاتحاد الأوروبي، مانحاً إياها مهلة أسبوعين حتى نهاية شهر حزيران.

وصفت صحفٌ ألمانية هذا الخلاف بأنه الأكبر منذ بدء تحالف الحزبين قبل نحو ٧٠عاماً، يحظى الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الذي يتزعمه زيهوفر، بأغلبية شعبية وانتخابية في إقليم بافاريا جنوب شرق ألمانيا، الذي يُعدّ أكبر الولايات الألمانية وأقواها اقتصادياً، وهذا الحزب مكونٌ رئيسي في الائتلاف الحاكم الذي تقوده ميركل، ويضم، إلى جانب الحزب البافاري والحزب المسيحي-الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل، الحزب الاشتراكي الديموقراطي أيضاً.

يُحمّل الحزب البافاري ميركل وسياساتها مسؤولية صعود اليمين المتطرف، ويرى أن على الحكومة أن تفعل ما بوسعها لإعادة حزب البديل اليميني المتطرف صغيراً قدر الإمكان، وأن ذلك لا يمكن أن يكون إلا عبر ضبط سياسة الهجرة. ويبدو أن الحزب البافاري يحاول استعادة ناخبيه الذين خسرهم لصالح اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة، وهو في سعيه هذا «يتجه نحو الشعبوية» بحسب صحيفة تاغيس شبيغل الألمانية، ويبدو أن هناك على الأرض ما يؤكد ما ذهبت إليه الصحيفة فعلاً، مثل تعليق صلبان في المؤسسات الحكومة البافارية تأكيداً على الأصول المسيحية، وتصريح زعيمه زيهوفر مرخراً بأن «الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا»، وأخيراً عن طريق وضع مهلة للمستشارة، وتهديدها بإعادة جزء من طالبي اللجوء الواقفين على الحدود.

يشير استطلاع رأي نشرت نتائجه صحيفة فيلت الألمانية في 24 حزيران الماضي، أي في ذروة الخلاف بين زيهوفر وميركل، إلى أن الخلاف بين الحزبين الكبيرين في الائتلاف الحاكم يصبّ في مصلحة اليمين المتطرف الذي يحاربونه، إذ تناقصت، بحسب الصحيفة، شعبية الحزبين سريعاً، وارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا. ولعلّ هذا ما دفع زيهوفر لإعلان أنه لا ينوي التراجع، وأن المسألة متعلقة بمصداقية حزبه أمام أولئك الذين انتخبوه، والذين يأملون بسياسية أكثر حزماً مع قضايا اللجوء، مُصرحاً لـ «باساور نوين بريسي» أنه: «إذا لم يتواجد حل أوروبي فعلينا أن نتصرف من منطلق محلي، لقد شبعنا من الكلام لثلاث سنوات والآن هو وقت اتخاذ القرار»، ولكنه قال أيضاً إنه سيكون «بالطبع سعيداً جداً لو توصلت ميركل إلى حلّ أوروبي»، فالخلاف بينه وبين المستشارة بحسب تعبيره إنما هو «خلاف طرق ووسائل لا خلاف غايات».

ورغم أن عصب الخلاف في الظاهر هنا هو مسألة طالبي اللجوء المسجلين في دول أوروبية أخرى، إلا أنه في جوهره هو اختلاف في نهج التفكير لدى الحزبين، اللذين يفرقهما أكثر مما يجمعهما، وليس فقط في مسألة اللجوء بحسب صحيفة فوكس، «فالحزبان المحافظان يختلفان اختلافاً جوهرياً في نظرتهما للاتحاد الأوربي، وفي تقييمهما للعلاقة بين الأمن والحرية، وبأي منهما على الحكومة أن تضحي لتصل إلى الأخرى».

هكذا بدا في الأيام الأخيرة أن ميركل، التي تريد حلاً أوروبياً، وترفض التصرف أحادي الجانب، تواجه معادلة شبه مستحيلة، فشعبيتها تتناقص مع كل جريمة يرتكبها طالب لجوء، والصحافة الألمانية تلقي باللوم عليها بشكل مباشر أو غير مباشر مع كل عنف يحصل في البلاد، وهي على وشك خسارة حليفها الأهمّ في ألمانيا، حتى أن مستقبلها السياسي بدا مهدداً. لذلك، كان عليها أن تسعى بكل ما لديها للوصول إلى حلّ للقضية عبر القمة الأوروبية التي عقدت في الثامن والعشرين من حزيران، قبل ثلاثة أيام من انتهاء مهلة زيهوفر.

خلافاً لكثير من التوقعات، حصل توافق أوروبي، ساهمت ميركل في الدفع إليه بقوّة، يقضي بإنشاء مراكز تقييم، يتم فيها فرز طالبي اللجوء بين مستحقيه القادمين من مناطق نزاع مسلّح، والمهاجرين لأسباب اقتصادية.

هكذا، بدا أن ميركل انتصرت مرحلياً على خصومها الداخليين بالاستعانة بالاتحاد الأوروبي، وأن على زيهوفر أن يتراجع عن مهلته، لكن الأخير صعَّدَ من جديد وصرَّحَ في اجتماع له مع حزبه أن الحل الأوروبي لا يوازي الحل الذي اقترحه كفاءة وفاعلية، ورفض مقترح ميركل بإيواء اللاجئين المسجلين في دول أخرى من الاتحاد الأوروبي في «المراكز» المُخطط لإقامتها، وهو التصعيد الذي وصل أوجه مساء يوم الأحد عندما لوّحَ زيهوفر باستقالته كوزير ورئيس للحزب في حال عدم التوصل إلى حلّ خلال ثلاثة أيام. بدورها، أكدت ميركل استعدادها لحل الخلاف مع حليفها البافاري، «فالتحالف بين الحزبين يستحق بذل كل جهد للحفاظ عليه» وفق تعبيرها. وبعد ساعات من التفاوض بين الحزبين يوم الإثنين، تم الوصول إلى حلّ يقضي بإنشاء «مراكز عبور» على المعابر الحدودية مع النمسا التي تساير الحدود الجغرافية للإقليم البافاري، لوضع طالبي اللجوء المسجلين في دول أوروبية أخرى فيها، ومن ثم إعادتهم إلى هذه الدول وفق اتفاقات ثنائية.

ليس الاقتراح الذي تم إقراره جديداً، إذ سبق أن اقترحه الحزب المسيحي الاجتماعي عام 2015، ورفضه الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم لاعتبار  مراكز كهذه أشبه بمعسكرات الاعتقال، إلا أنه بدا وكأنه حلّ مثالي لكلا الطرفين اليوم، وأدى إلى تراجع زيهوفر عن استقالته ليخرج معلناً للصحافة: «لقد اتفقنا، الدفاع عن القناعات يؤتي ثماره». بينما ظهرت ميركل بعيون متعبة لتصرح «باتفاقنا هذا حافظنا على روح الاتفاق الأوروبي، وفي الوقت نفسه ضبطنا الهجرة غير الشرعية»، لكن صحفاً كثيرة، من بينها دير شبيغل، رأت أن ما حصل ما هو إلا «تأجيل للخلاف ورميه على أطراف أخرى»، فيما قالت صحيفة تاتز اليسارية في تعليقها على الاتفاق إن «لا شيء على ما يرام في هذا البلد، فالفجوة بين الحزبين والإهانات المتبادلة والتصعيد السابق لن ينتهي إلى خير».

مازال الاتفاق المبدئي قيد المباحثة، وهو بانتظار موافقة الحزب الاشتراكي الديموقراطي، الشريك الثالث في الائتلاف الحكومي. لكنه، إذا تمّ،  فسيعني نجاحاً لميركل في تجنب انهيار الحكومة مرحلياً، وانتصاراً لخطاب اليمين المتطرف، وخبراً سيئاً للكثير من طالبي اللجوء في ألمانيا.