نانا حسنة

 

يا هالعريس وين بلادك ما قريناها 

يا بدلتك من جبل عجلون قطعناها 

و تفصلت بحلب واهتزت بالشام 

أستمع لهذه الأغنية في رحلة بين عمّان وإربد خلال إقامتي البحثية المؤقتة في الأردن قبل أشهر. حرف السين، هسيس السين أسمعه وكأن جدتي حسنة تغني، وكأن السين تصفر من بين أسنانها. ينمحي انقطاع الزمان والمكان، وأرى تفاصيل ملامح وجهها الحنون، وابتسامتها الحزينة. تغني وهي تعرف أن زمانها قد ولّى، تلك البلاد بعيدةٌ حتى عندما كنا معاً في غرفة البلكون المطلة على ما أعتقد أنها أجمل وأنعم حديقة في بستان الباشا في حلب.

عنوان النص «نانا حسنة» لأن جدتي لم تكن جدتي وحدي، أو جدة أبناء وبنات أعمامي وعماتي فقط. هي «نانة» الجميع، جميع أهل قرية مريمين ومن مرّ فيها ومن جاور أبناءها الذين استقروا في حلب. «نانا» تعني جدة، وهي أول كلمة نطقتُ بها، ربما لأنّ الكلمة سهلة على لسان طفل. الـ «نان» هو الخبز في الفارسية كما أخبرتني صديقة. جدتي هي خبز حياتي بمعنى ما: أساسية، ودافئة، وطازجةُ ومُفرِحة.

معروفةً بحكاياتها. حفظت الكثير من الحكايات ورَوتها باتساق وبراعة. حكاياتي المفضلة تضمنت الشاطر حسن، وعلاء الدين، وبنت الفيل، والبيضة، وبعضٌ من نوادر  جحا. بعض الحكايات كان شديد القسوة، روتها جدتي بالصوت نفسه، وكأنّما هي الحياة فيها القاسي وفيها البهيج. ما شاركتنا به عن حياتها كان بالنسبة لي حكايةً أخرى، اختلفَت بأن زمنها معلوم أكثر بقليل من لا-زمن الحكاية.

*****

قرية مريمين، التي قضت فيها جدتي معظم حياتها، قرية من قرى شمال حلب أُتبعت لقضاء عفرين بعد تأسيسه في العشرينات. بدءاً من مريمين تمتد قرىً عربية نحو الشرق، وتحدّها غرباً وشمالاً وجنوباً قرى كردية، بالإضافة إلى قرية المزرعة شمالاً، التي استقرّ فيها البدو بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي وتعديلاته سنة 1958. شكلّت الزراعة المصدر الأساسي للعيش حتى الستينات والسبعينات، حين لم تعد الأرض تكفي سكان القرية الآخذة أعدادهم بالتزايد، وبدأت بعض العائلات بالعمل في حلب، وخصوصاً في مجال ميكانيك السيارات في الراموسة، وفي أعمال البناء. قسم كبير من الجيل اللاحق تطوّع في الجيش والشرطة، ودرج القول بين الصبايا المقبلات على الزواج: «إذا مو ملازم ما هو لازم». دخلت الكهرباء القرية في أوائل الثمانينات. وقبل الكهرباء وبوبورات الغاز، كانت جدتي وبقية نساء القرية يطبخن ويخبزن باستخدام «الدفاية»، وهي عبارة عن فرن حطب يُبنى داخل الغرف وتمتد منه مدخنة إلى السطح. 

*****

تيتّمت جدتي وهي بعدُ طفلة. توفي والدها وتزوجت أمّها بعد فترة وجيزة. انتقلت حسنة لتعيش في بيت عمّها. تعتبر نفسها يتيمة الوالدين بسبب حرمانها من أمّها. ولأمّها حكاية -ومَن ليس له حكاية؟-. أمّ جدتي نجت من مذابح الأرمن، وفرّت جنوباً لينتهي بها المطاف في قرية بيانون، قرية من قرى شمال حلب. تقول المروية أنّ 'ويسي' من مريمين رأى جدتي مع بدوي ورآه يضربها فاشتراها منها بليرة ذهبية أو أكثر، و'العمّ محمد' من بيانون أخذها من صديقه ليربيها وتعيش بينهم. ما أعرفه من اسمها الأرمني أنه كان ينتهي بحرف الشين، فكان أنّ سموّها «عيوش».  

تقول المروية أيضاً إنّ عيوش ذهبت في زيارة مع مربيّها، العمّ محمد، إلى حلب. وصادف أن لفتت أنظار امرأة أرمنية فاقتربت منها وجربت أن تحادث عيوش باللغة الأرمنية فأجابت. بعد حين، خُطفت عيوش وأودعت في دير للأرمن بحلب، وقضت بعض الوقت ويبدو أنها لم تكن سعيدةً هناك، فاستطاعت أنّ تبعث برسالة للعمّ محمد تطلب منه أن يعيدها إلى بيانون، وعادت فعلاً. لم تحدّثنا حسنة عن والدها الذي فقدته في عمر السنتين، ولم تكترث وتخبرنا عن زوج أمّها أي شيء. لم تتكلم جدتي عن أمّها إلاّ بمزيج من فخر وإعجاب وحرمان. تلك القصة هي الوحيدة التي كان لها طعم المرارة.

 ما أذكره عن عيوش صوتها العميق، وتجاعيد وجهها، وقامتها النحيلة المحنية قليلاً وعيناها الزرقاوين. تجلس في صدر الغرفة، وتشاور بيدها سائلةً جدتي: «أبو حرب (أبي) عنده هَو التنين بس؟- تقصدنا أنا وأخي-». روت أمي لي لاحقاً أنني قابلت عيوش أول مرة وعمري ستة أشهر، واختلط عليَّ الأمر ولم أميّز بينها وبين جدتي، وصرتُ أزحف من نانا لأخرى. واستغلت عيوش الفرصة وعلمتني الحبو. دفعتني للاستناد على يدي وركبتي بدل الزحف. لعيوش طقوس، كما سمعت من أهل القرية، فهي لا تأكل إذا دخلت بيتاً وكانت سفرة الطعام ممدودة إلاّ إذا كانت مدعوة قبلاً. لها ذوقها الخاص بالطعام، وعلِمتُ لاحقاً أن لعيوش أقرباء في فرنسا، لكنني لا أعرف إن تواصَلَت معهم أم لا. بقيت في قرية بيانون حتى مماتها عن عمر ناهز الخامسة والتسعين. واحتفظت بملكاتها العقلية حتى النهاية، ما طمّأَنَ جدتي نوعاً ما، فقد كانت تخشى الخرف أكثر من أي شيء آخر. 

*****

تزوجت جدتي في الرابعة عشر من عمرها. طلبها ابن عمها الذي تربّت معه أولاً فلم ترغب به. «متل أخوي»، أتذكر أنها أخبرتني يوماً. وهكذا كان أن تزوجت جدي أحمد من مريمين. جدي كان مصاباً بالصرع، ورغم معرفة بعض أبناء بيانون بوضعه إلا أنّ جدتي يبدو أنها لم تعرف بذلك «التفصيل» إلاّ لاحقاً. لم تشعر بفارق كبير في البداية، لكن مع الوقت وتدهور المرض صارت تعاني مع جدي، فكان يشتمها عندما يغضب: «يا يهودية يا بنت الأرمنية». تخبرنا بذلك وتضحك. أنجبت منه ثلاثة أبناء وابنة، ولم تفكر ولو للحظة بتركهم، خشية أن يصبحوا أيتاماً مثلها. 

تلك «الغريبة» -والغريبة كلّ من تزوجت من خارج قريتها- ساعدت جميع أبناء القرية، تطهو في الأعراس والمناسبات. أذكر جيداً طعم السليقة التي كانت تُعدّها، والتي تُوزَّع عندما تبدأ أسنان الأطفال بالظهور. تعالج آلام المغص بالتدليك (تُعيد الصرة «الواقعة» إلى مكانها)، وتبشر النساء بالحمل، و«ترفع اللوزات». أتلمّس رقبتي كلما تذكرت تلك الأمسية من أيلول، كنت في المطبخ أشرب الماء وأشتكي من صعوبة بلعه. جدتي الواقفة وراء الغاز تطهو أتت بصحن الزيت بسرعة وأمسكتني من رقبتي ودلكت لوزتيَّ و«رفعتهم»، يا للألم! ولكن، للأمانة، شعرت بأن لوزتي تحركت من مكانها صعوداً، ربما خوفاً من تكرار التجربة. حسنة حصدت القمح وقطفت الزيتون معظم حياتها، واعتنت بأرض جدي التي أصبحت أرضها، تحصدها فتأكل منها وتُطعمنا. كنت أنتظر تنكات الزيت الثلاث كل سنة بترقب، بلونه الأخضر البديع ساعة سكبه من التنكة في قوارير أصغر ثم رفع التنكات غير المفتوحة إلى السقيفة. زيت جدتي له نكهة يمكن تفريقها عن زيت الأرض المجاورة حتى. جدتي خبزي وزيتي

*****

زودتني جدتي بمفاهيم مغايرة عن المفاهيم التي استقيتها من أمي وأبي. ومن أوائل الأشياء التي علمتني إياها، مثلاً، مفهوم المُلكية. علمتني كيف أقول «هذا لي». تروي أمي كيف كانت جدتي تمسك اللحاف وتضمّه إلى صدرها بقوة وتصرّ: «قولي 'ها إلي'». ربما كانت تحاول أن «تصلح» طريقة والديَّ الشيوعية في التربية. لم يهتمّا بالملكية كفاية، ولا بالدين. عبّرت نانا دوماً عن حبها لأبي، وكانت تضيف «بس لو ما هالشرب»، «هال ليلين -تقصد لينين- خرب عقله». رغم ذلك، كانت تطبخ لأبي وأصدقائه في رمضان. كانت ملاذاً لهم حتى لو لم توافقهم. 

لا معنى لرمضان بدون نانا حسنة. كانت تبذل جهداً لكي تكون معنا بالذات في هذا الشهر. إن كانت معنا صمنا أنا وأخي، ومتى ذهبت أفطرنا. معادلة بسيطة واضحة للجميع، وبدون زعل. وهكذا، تكفّلت النانا بكل شيء: السحور، والإفطار، والمعروك، و«الإفطارية» -أي عشر ليرات لكل صائم- ومزيد من الحكايات في المساء. لا عجب أننا كنا ننتظر «الشهر الفضيل» ونفرح بقدومه. تعلّمتُ من جدتي كيف يمكن لنا أنّ ننذر صيامنا في بداية رمضان: هي تنذر صيامها لعيوش، وأنا أنذر صيامي لها. فكرت حينها أنه إن كان ثمّة جنة فمن أحق بها من جدتي؟ 

*****

آمنت حسنة بقيمة التعليم، ودافعت عن حق ابنتها في الالتحاق بمدرسة في مريمين، لكن الكلمة الفصل كانت للإخوة فلم تتعلم عمتي. علّمها أبي القراءة بعد سنين طويلة عندما استقرت في حلب. جدتي أخذت موقفاً مماثلاً عندما أرادت شابة من أقربائي أن تدرس الصحافة في دمشق. اقترحت جدتي «أي ويعني إش فيها؟ خلّها تروح». كانت جدتي قد أجرت عمليةً لعينها في وقت سابق وغطّتها بقطعة شاش، فردّت عليها أمّ الشابة بضحكة: «على مين طمشلك عينك التانية! خلّها تروح؟». تغيّرت الأزمنة، جدتي رقصت في أعراس مختلطة في القرية، ورعت الأطفال في أعراس النساء في حلب. 

رغم معرفتي بتقدير جدتي للتعليم، استغربتُ موقفها عندما أخبرتُها أنني سأسافر إلى ألمانيا لأكمل تعليمي عام 2010. كانت مشجعةً جداً وقالت: «إش بدك بالعريس، ركزي بتعليمك». تحدثت عن الاهتمام بالتعليم وكأنه مضاد للغرام، وكأن الزواج دَنس. واخترتُ أن أحتفي بمباركتها، المشروطة ضمنياً بالعذرية. 

جدتي لم تعرف القراءة وأسِفت لذلك. ودّت لو قرأت القرآن متى أرادت. أمها كانت تعرف كيف تقرأ وتكتب عندما قدمت للقرية، تخبرني جدتي؛ وكانت لعيوش مهارات كثيرة، مثل التطريز، مهارات لم تستطع توريثها لابنتها. حاولنا أنا وأخي أن نعلّمها الأرقام، وبعض الحروف في حال لزم أن تجري مكالمة هاتفية. في الواقع، لم تحتج حسنة للهاتف. تتنقل مشياً حيث تريد، تستيقظ فجراً في بيت 'س'، تتوضأ، تصلي، تجلي الصحون، تكنس، وربما تطبخ؛ ثم تنتقل إلى بيت 'ع' لتعيد الكرة.

للترتيب قيمة كبرى عند جدتي. «بدي ياكي 'سبعة' (مؤنث السبع) بكل شي»- تخبرني كلما ساعدتها بالتنظيف- «بريدك تكوني أحسن الخلق». أفكر الآن أن توقعاتها كانت عالية. عندما كنت طفلة، أردت أن أكون كل ما قالته وأكثر: مضرب مثل في الأخلاق والفهم والنظافة. أذكر عصر أحد أيام آذار 2000، وكنت أُحضّر لامتحان الشهادة الإعدادية، حين أنهت جدتي صلاتها وقالت لي وهي تلّم السجادة: «شفتك بنومي طالعة الأولى على حلب». غطست في مقعدي على الأريكة. كنت أريد أن أقول لها إن حلب أكبر قليلاً من مريمين. لكني صمّت وابتلعت معرفتي بأنني سأخيب أملها قريباً. في زيارتي الأولى إلى حلب بعد سفري إلى ألمانيا، أخبرتني جدتي كم هي فخورة بي، وكيف تخبر الناس أني أتعلم في الخارج وأتقن أربع لغات (بالكاد أتقن لغتين ونصف). أخبرتني كم افتقدتني. ضممتها وقبلت يدها. أخبرتها أني سآخذها إلى تركيا السنة المقبلة. أغطس الآن في كرسيي. لم أفِ بوعدي. 

*****

أبي طفلها المدّلل، لم يغير من ذلك شيء. أخي احتل مكانه بالدلال. بينهما صداقةٌ حسدتُهم عليها مراراً، فكانا يتضاحكان ويتوشوشان، ولقباني بـ «الدودة»، لأني «مدوّدة» من الغيرة. بينهما تدور محادثات من نوع أن يسألها غيث أخي: نون (تدليع نانا) الأرض مدورة؟ فتجيب: إيه. طيب، بتدور؟ تجيب: إيه. طيب، الله فوقها ولا تحتها؟ ترد: فوقها. طيب، وإذا دارت ما بصير تحتها؟ فترد بنفاذ صبر: يلعن هبالك مفكرها بتدور بالطول مشان توقع العالم من فسطها (منتصفها\عليها) بتدور بالعرض!

أحاديثنا ملأت ليالي الشتاء الطويلة. جدتي سكنت معنا معظم فصول الشتاء، ونامت بجانبنا أيضاً عندما كنا صغاراً، وكانت تدفئ أقدامنا الباردة بين قدميها بـ «القنونة». متى ما برد أحدنا يستجير بـ «قنونة نانا». شاركتنا الكثير، حتى تدريباتنا الرياضية. ارتدنا أخي وأنا صالة المأمون لنلعب الجمباز، ونعود ونستعرض ما تعلمناه في ذاك اليوم، لتتبعنا جدتي وتعيد الحركات بخفة. استطاعت أن تفسخ رغم صعوبة الحركة، ولطالما استمتعت بمصارعة أخي. 

*****

لم يكن لجدتي مكان خاص بها. لها بيت (غرفة) في الدار في مريمين. تقضي معظم الشتاء في حلب، وتذهب إلى بيتها في موسم الحصاد والصيف. لبيتها أقسام لا تشبه أقسام بيتنا في حلب. يبدأ البيت بالعتبة، وهي أخفض من مستوى بقية الغرفة بقليل، تتسع لفتح الباب فقط وفيها مصرف للماء. إلى يسار الباب وفي صدر الغرفة عنبرٌ هو أيضاً محملٌ للفرش. والسقف عبارة عن أخشاب مرصوفة. أمام الباب نملية ومرآة نصفية كبيرة مائلة على الحائط، على إطارها صور قديمة للأولاد ولجدي أحمد، الذي تعرفت على شكل وجهه بفضل الصور تلك، فقد توفي منذ وقت طويل ولم أعرفه أبداً. نستحم في العتبة، بماء نُسخّنه على الغاز. الاستحمام في بيت النانا طقس أكثر منه روتين يومي. وإن تحممت هي يكتمل الطقس، إذ أمشط شعرها الأحمر المحنى الطويل، وأضفره أولاً بضفيرتين، ثم أجمعهما بضفرة في النهاية. تلفّ شعرها بمنشفة في واحدة من لحظات قليلة تستغني فيها عن الغطاء الأسود. إن اضطررنا في الليل للذهاب إلى الحمام، نحتاج أن نعبر أرض الديار ومسافة ثلاث أشجار إلى «الخارج» الذي أضافوه للدار في الثمانينات. بعد كل حكايا الجن والغيلان والـ«زبدلا» (وحش اسمه الزبدلا، يشق الحائط ويتدلى) كان من الصعب للغاية قطع تلك المسافة المعتمة في الليل. 

لم أجرؤ على ذكر خوفي لجدتي، فهي لا تعرف الخوف. حين كانت شابة، وفي سهرة، تحدّت مسامريها بأنها تستطيع الذهاب إلى مزار الولي بدر الدين. المزار في مقبرة، والمقبرة بعيدة. وفعلاً ذهبت وحدها في العتم وعقدت شالاً على رأس الولي. جمع الرجال بعضهم وذهبوا مع فوانيسهم في فريق للتأكد. جدتي خارقة القوى، كانت تحمل برميل عصير حصرم على رأسها وتمشي به من بيتنا إلى بيت عمي في الهلُّك. تُعينها قطعة قماش تدوّرها وتضعها على رأسها تحت البرميل. سعة البرميل عشرين ليتراً. ينفل القول أنّ عصير الحصرم كان هدايا، تجمع الحصرم من الدوالي في الدار وتأتي به إلى حلب، بِطولها الذي لا يتعدى المائة وخمسين سنتيمتراً. كنتُ أُحمّلها البرميل وأتعجب لقوتها، وأركض إلى البلكون لأرى إن نزلت السلم بسلام. تمشي بغطائها وتحتانيتها وحذائها البلاستيكي الذي لم ترضَ أن تغيّره، والبرميل على رأسها. خطوات قصيرة رشيقة. 

*****

غادرتنا نانا منذ خمس سنوات إلاّ عشرين يوماً. توفيت في مريمين بين أولادها. أبي كان لايزال في مريمين، وعمتي اعتنت بها في آخر أيامها التي لا أعرف تفاصيل كثيرة عنها. صُدمت بالخبر. حزنت ولكني لم أسمح لنفسي بالحزن طويلاً. لا أعرف متى فقدت القدرة على التعامل مع الحزن. لا أعرف كيف أحزن. لا أعرف كيف أتعامل مع تغييب البشر، وقتلهم واستباحة دمائهم، سواء كانوا أصدقائي أو شباباً وشابات لا أعرف عنهم إلا صورهم وسطرين شارك بهما أب أو أم أو شريك. لا عزاء. بلدٌ ينزف خساراته بلا عزاء. كيف أعزل حزني بفقدها إذن عن هذا الفقد الأساسي. 

لا أعرف كيف أصف ما فقدته برحيل النانا. لا أعرف أبعاده. أهو الماضي برمته؟ أهو تمام الحضور إذ تدخل نسمة خريفية من باب البلكون الموارب عند الساعة الرابعة من بعد الظهر بينما النانا تطبخ حساء العدس وتحضّر الفتوش لنفطر عند ضرب الطوب؟ هل ما يؤلمني هو الموت بذاته كمُغيِّبٍ لجسد جدتي؟ أم الانقطاع في كل شيء، في الرائحة، في الزمن، في هسيس السين، في المكان؟ لم يبدأ الانقطاع بالموت. تركتُ ألبوم الصور في بستان الباشا. تركت الكاسيتات التي سجّلتُ عليها حكاياتها كما رَوتها. لم أعرف أني لن أعود، لم أعرف أن البيت لن يبقى بيتاً. ظننتُ أنه سيمكن لي تتبع ظلالها في زوايا المنزل لأزمنة قادمة. لا أعرف كيف أحكي عن قسوة الحاضر بالنَفَس ذاته الذي يحكي عن كرم الحاضر وجماله، مثلما فعلت يا نانا. عندما أعرف، سأكتب، بأربع لغات، أغنيةً من وحي حكاية وحركة خطوتك. قربانك.