نحو الخلاص من مأساة الخيام

 

منذ بدء الأزمة الإنسانية في سوريا ونزوح عشرات الآلاف من السكان نحو شمالي وشمالي شرقي سوريا، في هذه الأيام الشتوية من كل عام، تطل علينا صور وفيديوهات صادمة لخيام أغرقتها مياه الأمطار؛ خيام تحولت لمساكن دائمة لما يزيد عن مليون إنسان فقط في شمال غرب سوريا، حسب أرقام منظمة منسقو استجابة سوريا

هذه الصور المأساوية تشير إلى أن الحلول المطبقة منذ نحو عشر سنوات تعكس فشلاً في السياسات والخطط المطبقة، تستلزم إعادة قراءة الحاضر والتخطيط للمستقبل، للوصول لحلول أكثر فعالية واستدامة.

تتوزع الخيام على شكل تجمعات شبه منظمة، يقطنها نازحون مختلف مناطق سوريا، وأخرى عشوائية تماماً منتشرة في الأراضي الجرداء أو الزراعية، لجأ إليها المهجرون من مناطق الشمالية لمحافظة حماه ومن جنوبي محافظة إدلب كمدن خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب، وصلوا إليها في العامين الماضيين جراء العمليات العسكرية للنظام وحلفائه من الروس والإيرانيين، واتفاقيات سوتشي التي تمت برعاية روسية تركية، وتنتشر هذه الخيام في المدن والبلدات الشمالية من محافظة إدلب، كمحيط سلقين وسرمين وسرمدا وحارم، إضافة لانتشارها على أطراف الطرق الواصلة بينها، وفي محيط منطقتي عفرين وإعزاز بريف حلب الشمالي.

إن تمركز المخيمات في الأراضي الزراعية ذات التربة الطينية، أو في مناطق وعرة منخفضة أو بالقرب من الأودية، يزيد من تعقيد الوضع عند قدوم الشتاء، الذي يحوّل الأرض لمستنقعات موحلة.

هذه الخيام مصنوعة من القماش أو البلاستيك المرن (النايلون السميك)، تُفرش أرضياتها بطبقة بلاستيكية رقيقة عازلة، ويعتمد سكانها في تدفئتهم على الحطب أو البقايا ذات المنشأ النباتي كالتمز (أو البيرين أو الجفت) وهو «وقود يُصنع من مخلفات صناعة عصر الزيتون»، أو على قشور الفستق الحلبي الذي يُنتَج في شمالي سوريا، أو على قشور البندق القادم من تركيا، كما يعتمد آخرون على التدفئة بالغاز، وجزء غير قليل يعتمد على حرق النفايات والبلاستيك الذي يُمضون ساعات طويلة يومياً في جمعه. يُشغَّل هذا الوقود في مدافئ بدائية مصنعة محلياً من صفائح معدنية جديدة أو معاد استخدامها.

تحتاج العائلة للتدفئة على هذه الأنواع من الوقود مبلغاً يقدر بين 100 و200 دولار خلال فصل الشتاء، بما في ذلك ثمن المدفأة الذي يتراوح حسب نوعها بين 100 و200 دولار أيضاً، ويمكن استعمالها لعدة سنوات. ومن يتمكن من الحصول على شكل من أشكال هذا الوقود كمعونة من إحدى المنظمات الإنسانية يُعتبر من المحظوظين اليوم، نتيجة تراجع دعم الملف الإنساني السوري.

يعتبر احتراق الوقود التقليدي كالحطب والمنتجات النباتية من أسوأ مصادر الطاقة الحرارية اليوم، خصوصاً في التدفئة المنزلية، لما يحمله من مخاطر على البيئة وصحة الإنسان على المدى الطويل، وخصوصاً الأطفال. 

بالمقابل، فإن استخدام الغاز في التدفئة يعتبر أفضل من الناحية البيئية، لكنه أكثر خطورة، حيث يتسبب في حوادث اختناق كثيرة، فلا يمر عام إلا ونسمع عن حوادث احتراق للخيام وموت عدد من قاطنيها نتيجة استخدامهم الغاز كوسيلة تدفئة.

أما المازوت، الوقود التقليدي لتدفئة السوريين سابقاً، فقد أصبح اليوم حلماً لغالبية سكان هذه المنطقة، نتيجة ارتفاع وتذبذب سعر اللتر، ورداءة نوعيته نتيجة صناعته وتكريره يدوياً في الغالب، إضافة لعدم تواجده بشكل دائم، لأنه يصل لهذه المناطق عن طريق التهريب من المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سوريا.

مهما كان نوع التدفئة المستخدمة في الخيام، فلن تؤمَّن تدفئة صحيحة نتيجة عدم قدرة جدران الخيمة وسقفها وأرضيتها على العزل الحراري الجيد.

إضافة لذلك، تغيب الكهرباء عن الخيام غالباً، إلا من أسعفه حظه بشراء لوح شمسي يثبّته بجوار خيمته للحصول على مصدر للإنارة من الطاقة الشمسية. كما تغيب عن الخيام الخدمات الصحية، كالحمامات والمراحيض، بشكل شبه تام، فغالبيتها جماعية، والمراحيض تعتمد على الحفر الفنية دون وجود شبكات صرف صحي، وهذه التقنية أصبحت اليوم قديمة وملوثة للبيئة، ومصدر أمراض للسكان.

وأخيراً تفتقر غالبية هذه التجمعات السكانية للبنية التحتية، كالطرق المعبدة والإنارة العامة والصرف الصحي والمياه.

التمويل

مع تعاظم الأزمة الإنسانية، بدأت المساعدات بالوصول للسوريين من دول العالم، وخصوصاً مجموعة أًصدقاء الشعب السوري التي تشمل دول الخليج وتركيا وأوروبا وأميركا وكندا، إضافة لكبار المنظمات الدولية الإنسانية ومؤسسات الأمم المتحدة. إلى جانب ذلك، تُشكل تبرعات السوريين الفردية كبرت أم صغرت جزءاً هاماً من إجمالي المساعدات الإنسانية.

غالبية هذه المساعدات تمرّ وتُصرَف عبر منظمات المجتمع المدني السورية التي تشكلت بعد عام 2011، وقسم آخر يتم صرفه عبر المجالس المحلية التي تشكلت بعد ثورة السوريين ضد نظام الأسد.

مع مرور الوقت، وفي ظل غياب سلطة سياسية موحدة قوية، تحولت هذه المنظمات والمجالس المحلية لقوى مدنية تشكل سلطة بديلة نسبياً على أرض الواقع، تحمل على كاهلها تأمين كثير من الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والإغاثة في غالبية المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وتعتمد في مصادر تمويلها على المساعدات الخارجية - التي كثيراً ما تتدخل السياسات الدولية في شكلها ونوعيتها - وهو ما يُضعف كثيراً من قدرتها على القرار المستقل. تتمركز إدارات المنظمات الرئيسية في دول الجوار السوري، كتركيا ولبنان، وبعضها في أوروبا والولايات المتحدة وكندا. وتتفاوت قوة ونفوذ المجالس المحلية والمنظمات حسب السلطة العسكرية المسيطرة على المنطقة الجغرافية.

غالبية المنظمات السورية والمجالس المحلية تعتمد بشكل شبه كامل على التمويل الخارجي. وقد تحولت منظمات المجتمع المدني في كثير من المناطق لسلطات أقوى من المجالس المحلية، كونها قناة العبور الأولى والأساسية للتمويل القادم من الخارج، والتي من خلالها يتم تمويل هذه المجالس المحلية، على خلاف القاعدة السائدة في العالم والتي تقول إن منظمات المجتمع المدني رديفة للمجالس والهيئات الإدارية التي تدير شؤون الدولة والمجتمع.

في كل عام، يخرج القائمون على هذه المنظمات على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام، يطلبون المساعدات العاجلة للتصدي لأزمة الشتاء، دون وجود خطط مسبقة، ورغم إدراكهم لخطورة الوضع قبل فترة طويلة. وتتمحور معظم المطالب حول المساعدة في تأمين خيام بديلة للخيام التي خربتها الأمطار الغزيرة التي تمر بشكل دوري على المنطقة شتاء.

يؤكد كثيرون من القائمين على الملف الإغاثي السوري في اجتماعاتهم الخاصة أن سقف المسموح به أمام الجهات المانحة الدولية هو الخيمة، ويتذرع آخرون أن المانح الدولي يمول المشروع المقدَّم لمدة لا تتجاوز العام الواحد، ولا يهتم بشكل ونوعية المشروع إن كان يؤمن حلاً لمشكلة السكان بشكل دائم أو مؤقت. 

هذه الظروف ومشاكل التمويل وسوء التخطيط، جعلت المنظمات الإنسانية السورية محط أنظار وانتقاد واسع من السوريين، لدرجة أن الكثيرين أصبحوا يحمّلونها مسؤولية وضعهم الحالي، متناسين أسباب معاناتهم الأساسية.

حلول مستدامة

يعاني القطاع الإنساني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام من تسييس صارخ، سواءً من طرف المانحين الدوليين أو من بعض قوى الأمر الواقع التي تسيطر على الأرض، مما يؤخر إعاقة تنفيذ مشاريع مستدامة في الكثير من القطاعات.

فعلى سبيل المثال، تقوم هيئة تحرير الشام والقوى المسيطرة في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ومناطق قسد بمنع كثير من المنظمات التي لا تتوافق مع خطها السياسي من امتلاك أو استئجار أراضي بمساحات واسعة لإقامة مشاريع سكنية منظمة.

أثناء الحوارات اليومية والمتكررة مع أصدقاء مهتمين وعاملين في الشأن الإنساني السوري، يؤكد غالبيتهم أن تضارب المصالح الدولية الحاصل على الساحة السورية حتى اليوم، يساهم في تعزيز ومضاعفة المعاناة الإنسانية للسوريين، وأن استمرار الوضع بشكله الحالي يساهم في استمرار الصراع وعجلة اقتصادياته.

ويقول الكثير منهم أن الجهات السياسية الدولية الفاعلة تمنع بناء مساكن ثابتة للنازحين في الشمال السوري، تحت حجج وذرائع متنوعة، أبرزها منع توطين النازحين وضمانة عودتهم لمناطق الأصلية عند انتهاء الصراع، خصوصاً في المناطق الواقعة بالقرب من الشريط الحدودي المجاور لتركيا، وفي مناطق سيطرة قسد.

تشكل المساكن مسبقة الصنع والمتنقلة حلاً مثالياً يمكن المناورة من خلاله، وهو يرضي جميع الأطراف المتواجدة على الساحة: فعلى الصعيد الدولي يؤمّن الابتعاد عن التجاذبات السياسية، ويساهم بتأمين استقرار نسبي، ويضمن عدم التوطين الدائم من خلال السكن في مساكن ثابتة - رغم أن جميع النازحين هم من السوريين، ويفترض أنهم يملكون الحق القانوني بالإقامة في أي بقعة من أرض بلدهم!

كما يؤمن على الصعيد المحلي تخفيف الحساسيات التي تظهر في بعض المناطق بين السكان الأصليين والنازحين، كعفرين شمالي حلب وفي محافظة الرقة، حيث جرت في الأعوام الماضية اتهامات متبادلة بين القوى العسكرية المسيطرة على هذه المناطق بالاستيلاء المتبادل على مساكن خاصة للمدنيين، ما زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي فيها.

إضافة لذلك، يشهد الشمال السوري مؤخراً هدوءاً عسكرياً حذراً، لا يخلو من نزاعات بين القوى العسكرية المسيطرة على الأرض. لكن هذا الواقع يبقى هشاً، سواء من ناحية الصراع مع النظام، أو بين القوى العسكرية، الأمر الذي ينعكس على حياة المدنيين، لذلك تأتي هذه المساكن المتنقلة كحل جيد يكفل لسكانها نقلها، في حال اضطرارهم للانتقال نحو مناطق أكثر أمناً.

مع تزايد تهديدات تغير المناخ التي تحدق بكوكبنا، وتدهور الوضع الاقتصادي في كثير من الدول النامية، تدفع هذه الاحتياجات المختصين منذ سنوات لابتكار أشكال جديدة من السكن، تلقى اليوم رواجاً متزايداً نتيجة لصداقتها للبيئة، وتوفيرها لشروط الراحة، وانخفاض تكلفتها، وإمكانية نقلها بسهولة.

تُصنع هذه المساكن بمساحات مختلفة من الخشب والصفائح المعدنية والبلاستيكية على شكل «كرفانات» متنقلة. تصميها المبتكر والمدروس بشكل علمي يجعلها غير محتاجة لوسائل تدفئة في الشتاء، كونها تُستعمل في مناطق أشد برودة وقساوة حول العالم.

كما أن هذه المساكن مجهَّزة بجميع التجهيزات المتوفرة في أي بيت تقليدي، وتعتمد على الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح التي تثبَّت تجهيزاتها على سطح المسكن كمصدر للكهرباء، إضافة لإمكانية الحصول على المياه الساخنة عن طريق أشعة الشمس، والحصول على مصدر حراري لطهي الطعام من «الطبّاخ الشمسي» (وهو جهاز يعتمد على أشعة الشمس للحصول على الحرارة). 

كما يحتوي كل مسكن على مرحاض يتم التخلص من أوساخه بشكل صحي ومدروس. هذه المساكن تصمَّم بشكل مرتفع عن الأرض، وتثبَّت بأعمدة معدنية أو خشبية أو محمولة على عجلات، لنقلها عند الحاجة، هذا التصميم يمنع المياه من التسرب إليها، ويحميها من الغرق في الترب الطينية.

كما يؤمن هذا المسكن راحة نفسية للسكان، فهو شبيه بأي مسكن تقليدي، ويمنح الساكن فيه شعوراً بالراحة والطمأنينة.

لقد جرت تجارب متعددة قامت بها المنظمات لبناء مساكن ثابتة، فمؤخراً قام فريق ملهم التطوعي وعن طريق التبرعات ببناء نحو 500 مسكن بيتوني بالقرب من مدينة اعزاز شمالي حلب، مساحة الواحد قرابة 45 متراً مربعاً، وبلغت كلفة كل مسكن قرابة 5000 دولار حسب أسعار السوق المحلية. لكن الفريق لم يتمكن من توفير الكهرباء لهذه المساكن بسبب نقص التمويل، وكانت غاية المشروع الأساسية هي تأمين سقف بيتوني لمجموعة من السوريين الأشد حاجة بدلاً من الخيمة.

بالمقابل، تتراوح تكلفة المسكن المقترح بين 1000-2500 دولار، الأمر الذي يجعله ذا جدوى اقتصادية أعلى من أي مسكن بيتوني ثابت.

لا أحد يعرف حتى اليوم شكلاً وموعداً لنهاية الصراع في سوريا، لكن الثابت أن السوريين الذي يعيشون يوميات الخيام يحلمون باليوم الذي سيتمكنون من العودة لمناطقهم الأصلية. ومهما كان شكل الحل القادم، لن تتمكن الحكومات المستقبلية من إعادة الإعمار وتأمين مساكن بديلة لهم فوراً، فعملية الإعمار ستكون معقدة وصعبة، نتيجة الدمار الكبير، وضعف الإمكانيات الاقتصادية، وقلة الخبرات المؤهلة، ولن تتمكن أي حكومة قادمة من البدء بعملية إعمار حقيقية وتأمين سكن دائم في مدة تقل عن عشر سنوات. 

هذا السيناريو المتوقع سيشكل عبئاً إضافياً يُثقل كاهل السلطات المقبلة، ويزيد الضغط الشعبي عليها، وستمنح إمكانية نقل هذه المساكن لمناطق السكن الأصلية، لذلك تشكل هذه المساكن حلاً عملياً مستداماً، يسهم في تحقيق السلام والأمن الاجتماعي مستقبلاً، ويخفف الأعباء عن الحكومات المقبلة.

العمارة البيئية

تشكل العمارة البيئية حلاً عملياً ومستقبلياً آخر في الحالة السورية، خصوصاً للسكان الأصليين في المناطق الريفية الذين خسروا بيوتهم، وذلك لانخفاض كلفته مقارنة مع البيوت البيتونية، وسهولة صناعته وتوفر مواده الأساسية من البيئة المحلية، ووجود اليد العاملة المحلية القادرة على بنائه.

وثقافة العمارة البيئية عرفها وأتقنها السوريون قبل أن تأتي ثورة الأبنية البيتونية، فطالما اشتُهرت محافظة السويداء التي تلقب بأم الحجارة السود ببيوتها البيئية، لاستخدامها الحجارة السوداء البركانية المتوفرة محلياً في البناء، كما تُشتهر أرياف محافظتي الرقة وحلب بالبيوت الطينية المقبَّبة التي اعتاد سكانها على بنائها منذ آلاف السنين، وهي تتميز بدفئها شتاء وبرودتها صيفاً، نتيجة لسماكة جدرانها والتهوية الطبيعة المطبَّقة فيها.

انتشار هذا النوع من المساكن وتعميم ثقافتها، وخصوصاً في المناطق الريفية، سيؤمّن حلاً إضافياً، خصوصاً إن تم تعليم السكان ذكوراً وإناثاً على بناء مساكنهم بأيديهم بأساليب هندسية مدروسة، وهو ليس أمراً بالغ الصعوبة، سيشجّع هذا على تفاعل السكان مع بعضهم البعض، ويزيد من التعاضد الاجتماعي الذي مزّقته الحرب، وسيحقق مساواة بين الرجل والمرأة في عملية البناء، دون تناسي أن المرأة السورية كانت دوماً إلى جانب الرجل في العمل الزراعي والبناء، خصوصاً في المناطق الريفية، وهو ما يُعتبر نقطة إيجابية يمكن الإنطلاق منها لتفعيل المجتمات المحلية.

تحديات أخرى

إلى جانب أزمة السكن تبرز عراقيل مرافقة لها كغياب البنية التحتية، وعدم قدرة البنية القديمة على تحمل الأعداد المتزايدة من السكان.

إطلاق العلاج المستدام لمشكلة الخيام، سيُطلق قاطرة لحل المشاكل الأخرى، فوجود المأوى الجيد سيساهم بشكل أو بآخر على تشجيع الأهل على إرسال أولادهم للمدارس، والتخفيف من مشكلة التسرب التعليمي، إضافة لإمكانية تطوير أبنية مدرسية بنفس شكل البيوت المقترحة.

كما سيشجع المشروع الأطراف الأخرى كالمجالس المحلية، التي لديها القدرة على العمل في إعادة تأهيل البنية البنية، خصوصاً بسبب امتلاكها لليد العاملة، والآليات الثقيلة التي حافظوا على الكثير منها بعد خروج النظام السوري من مناطقهم.

تشكل عدم وجود المساحات الكافية تحدياً آخر، يجب التفكير بحل له عن طريق التعاون بين الأطراف الفاعلة على الأرض مع للتخطيط لهذه التجمعات السكنية. فمثلاً يمكن استئجار مساحات من الأراضي أو شراؤها - وهي متوفرة وليست مرتفعة الثمن - في المناطق المحيطة بالمدن والبلدات، كما يوجد مساحات وَعِرة غير مستصلَحة كانت سابقاً ملكاً للدولة، يمكن استصلاحها وتسويتها.

في اتجاه آخر، يبرز سؤال الشق الأمني والذي طالما يطرح من الجهات المانحة الدولية، خصوصاً في الشمال السوري، ويمكن لمنظمات المجتمع المدني بخبراتها التراكمية التي بنتها خلال الأعوام السابقة في فنون التفاوض إبعاد المدنيين وتحييدهم عن التجاذبات السياسية والعسكرية، الأمر الذي يمكنها من أن تقدم إجابات واضحة على تساؤلات وتخوفات المانحين الدوليين، بما يكفل تمويل هذه المشاريع. 

محاولات سابقة

منذ عدة سنوات، قامت شركة آيكيا السويدية للمفروشات والأثاث المنزلي بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وذلك ضمن مشروع مسكن جديد يعيش لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، ويُستعمَل كبديل عن الخيمة التي يبلغ عمرها الافتراضي ستة أشهر. تم إنفاق مايزيد عن 4.6 مليون دولار لمدة ثلاث سنوات، للتوصل للتصميم النهائي المكوَّن من إطار معدني، وجدران مصنوعة من ألواح من البولميرات، مصمَّمة بطريقة تسمح بدخول الشمس إليها خلال النهار، بما يساهم في تدفئتها ويحافظ على خصوصية القاطنين. وقد تمت تجربة عينات من هذه المساكن في مخيمات في العراق ولبنان وإفريقيا.

كما أن وكالات الأمم المتحدة، وبدعم أوروبي وبتنسيق مع الحكومة الأردنية، استبدلت الخيام في مخيم الزعتري في الأردن بكرفانات مجهزة، الأمر الذي ساهم برفع سوية حياة سكان المخيم، إلى جانب تجهيز المخيم بالبنية التحتية الملحقة.

وفي نهاية عام 2016، قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالعمل على استبدال الخيام بنماذج جديدة من المساكن والشقق مسبقة الصنع في مخيمات اللاجئين في اليونان.

تبقى هذه التجارب الناجحة لتحسين سوية سكن اللاجئين رهينة للتجاذبات السياسية التي تحاول تحويل ورقة اللاجئين لورقة ضغط سياسية، إضافة للروتين الذي يسيطر على بلدان الجوار السوري. فعلى سبيل المثال، وافقت الحكومة اللبنانية في عام 2014 على السماح لشركة آيكيا بالتعاون مع الأمم المتحدة على إدخال 12 مسكناً مسبق الصنع للاجئين السوريين، وذلك بعد ضغوط دولية مكثفة على حكومة لبنان استمرت لأكثر من ستة أشهر.

التخطيط

وُجدت منظمات المجتمع المدني لتكون حليفة للإنسان عندما تتخلى عنها جميع السلطات الحاكمة لهم، وهي تلعب اليوم دور المستشرف للمستقبل ومخاطره وكوارثه المحدقة وتعمل على طرح حلول إبداعية يتبناها المجتمع وصناع القرار، وأصبحت تمارِس دوراً بارزاً وحاسماً في الضغط على الحكومات الغربية لتغيير سياساتها العامة.

يعتبر الكثيرون أن تغير استراتيجيات العمل أمر صعب نتيجة تعقيدات الوضع السوري، لكن خطوة الألف ميل تبدأ بميل، وإن كان الميل الأول متأخراً، فالمهم أن تبدأ قاطرة التخطيط الممنهج بالسير.

يتوجب على منظمات المجتمع المدني وضع خطة تنسيق لتنفيذ مشروع استراتيجي يُنقذ حياة قرابة مليون سوري ويخلّصهم من معاناة الخيام، ويمكن لهذه المنظمات الاجتماع وتشكيل مكتب أو هيئة مختصة، وصندوق مالي موحَّد للتخطيط وتنفيذ المقترحات السابقة وتطويرها.

وفي حال صعوبة الإجماع الكامل، يجب وضع خطة تنسيق بالحد الأدنى للعمل بخطوط متوازية للوصول لإغلاق آخر خيمة. من شأن هذا الجهد المشترك أن يؤمن تدريجياً، عاماً بعد عام، مساكن مستدامة رخيصة الثمن يسهل نقلها مستقبلاً.

وللوصول لأفضل النتائج، يمكن طرح مسابقة عالمية لتصميم هذه المساكن بمواصفات مناسبة للوضع السوري، من الناحية الفنية والمالية، ويمكن البدء مستقبلاً في تجميعها أو تصنيع أجزاء منها في سوريا، الأمر الذي يؤمن فرص عمل للكثيرين، ويُعيد عجلة الإنتاج.

أي مشروع منظَّم ومدروس بشكل علمي مستدام سوف يلقى صدى حول العالم، وسيجد الكثير من الجهات الفاعلة، أفراداً وتجمعات مدنية وحكومات وشركات، مستعدة للمساعدة في تخفيف معاناة الشعب السوري الذي أنهكته سنوات الصراع.

قد يرى الكثيرون أن التوصل لحل للعقدة السياسية في سوريا، والتي أدت لحالة تشظي مجتمعي غير مسبوقة، هو الحل الأمثل، ومن بعد ذلك تتم حلحلة بقية المشاكل. لكن أي حل سياسي قادم دون التفكير ملياً بجوانبه البيئية والمستدامة والاقتصادية والاجتماعية سيعرّض السوريين لانتكاسات وانفجارات مجتمعية مستقبلة أخرى.

الأزمة الحالية التي يعيشها العالم اليوم جراء فيروس كورورنا، والكوارث الاقتصادية التي سيخلّفها، تهدد بانهيار بلدان قوية، ناهيك عن الأزمات البيئية المقبلة التي يُتوقَّع أن يتعرض لها العالم في حال لم تتغير السياسات الحالية، وكل هذه المؤشرات ستؤدي حتماً لتراجع دعم الملف الإنساني السوري، فكل دولة لديها أزماتها المحلية التي ستنعكس على سياساتها الخارجية، وكل ذلك لا يُعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه محنة السوريين، والتي أدى تخاذله عن حلها لتفاقمها أكثر.

بالمقابل، فإن جملة المتغيرات الحالية والمستقبلية تفرض علينا التعاون وتقديم البديل والخروج بأفكار مبتكرة ومستدامة، نستطيع فيها إقناع العالم وصولاً لإحراجه، بما يكفل تحقيق سبل حياة أكثر إنسانية للسوريين.