نظرة من الداخل الجولاني

 

عاد الجولان السوري المحتل منذ عام 1967 بقوة إلى عناوين الإعلام والصحافة العربية والعالمية، وذلك بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليه في الخامس والعشرين من آذار الماضي، بحضور بنيامين نتنياهو. ولكن، ما الذي يحدث فعلياً بالتوازي مع ذلك في الساحة الداخلية للقرى السورية في الهضبة المحتلة؟

يعيش في أقصى شمال الجولان المحتل اليوم نحو 26 ألف سوريّ وسوريّة، يقطنون في خمس قرى، أكبرها مجدل شمس، وقد كان العام الأخير بالنسبة لسوريي الجولان مليئاً بالتحديات بالمقارنة مع الأعوام القليلة التي سبقته، إذ تصاعدت محاولات سلطات الاحتلال لاستغلال المأساة السورية وتأثر الجولانيين بها، من أجل تمرير ضمّ الجولان «إلى الأبد» كما يقول نتنياهو، ووصلت إلى قمة جديدة تجلّت في أمرين؛ أولهما إجراء انتخابات مجالس إدارية إسرائيلية، والثاني هو مشروع مراوح الطاقة البديلة الذي يسعى الاحتلال إلى إنجازه.

أعلنت سلطات الاحتلال العام الماضي عن إجراء انتخابات إدارية إسرائيلية، وذلك للمرة الأولى، وهو ما يعتبر انتهاكاً كبيراً للوضع القائم الذي فرضه الجولانيين على الاحتلال عام 1982 عبر الإضراب الكبير، إذ تُمهّد هذه الانتخابات لفكرة الانخراط في المجتمع الإسرائيلي، والتطبيع مع وجود الاحتلال ومؤسساته الإدارية الاستعمارية.

أدّى فرضُ هذه الانتخابات، والإحساس بالتهديد الوجوديّ الذي رافقها، إلى استفاقة الحراك الشعبي السوري من السبات الذي طغى عليه بعد الثورة السورية عام 2011، والناتج عن احتكار مؤيدي نظام الأسد للساحة العامة في الجولان (رغم كونهم قلّة)، وذلك عن طريق العنف والتّهديد.

تم التصدي لهذه «الانتخابات» بالطرق السلمية كالاعتصام والاحتجاج، وهو ما أدّى لإفشالها بنجاح مبهر، تجلّى في مظاهرة كبيرة ضمّت الآلاف في أبناء مجدل شمس، وتم قمعها بوحشية من قبل جيش الاحتلال، إذ تم إطلاق الرصاص والقنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين السلميين ما أدى لعشرات الإصابات، بالإضافة إلى عشرات الاعتقالات.

لم يكن هذا النجاح متوقعاً، لكنه كان حدثاً سعيداً، فبعد سنين من الركود وفقدان الأمل، استطاع الجولانيون تحقيق إنجاز مهم في مواجهة الاحتلال، هو إلغاء هذه الانتخابات، إذ بنتيجة الرفض الشعبي للمشاركة فيها، أعلن أغلبية المرشحين انسحابهم، واضطرت سلطات الاحتلال الى تعيين رؤساء لهذه المجالس بنفسها كما كان يحدث سابقاً، وهو ما يترك هؤلاء الرؤساء فاقدين لأي شرعية شعبية وسياسية كما هي العادة.

لكن أكثر ما يلفت النظر في هذه الحركة، كان ولادة الحراك الشبابي الجولاني من جديد، الذي فرض على الجميع بعد جولات من النقاشات والمفاوضات، عدم رفع أي صور للمجرم بشار الأسد، وعدم استعمال أي هتافات تحمل تأييداً لنظام الأسد، في الاعتصامات ضد الاحتلال، مع الالتزام برفع العلم السوري الرسمي فقط كحلّ وسط بين الآراء المتناقضة1. لقد قاد الحراكُ الشبابي النشاطات في خيم الاعتصام في ساحات القرى، ونجح في استعادة هذه الساحات من أيادي أنصار النظام، و«حررها» مؤقتاً من صور المجرم بشار الأسد وغيره من المجرمين.

أما بالنسبة لمشروع المراوح، فهو عبارة عن خطة لبناء عشرات المراوح من أجل توليد الطاقة البديلة عن طريق الرياح، وذلك في منطقتي رعبنا وسحيتا على أراضٍ زراعية يملكها مزارعون من قريتي مجدل شمس ومسعدة. تُقدّر كلفة المشروع بحوالي مليار شيكل، ويُفترض أن يتم تنفيذه من قبل شركة «أنرجيكس» الإسرائيلية.

لهذا المشروع تأثيرٌ خطير جداً على البيئة والطبيعة والصحة والسياحة والاقتصاد في الجولان المحتل، وتم تداوله ونقاشه من كل النواحي على مدار وقت طويل في اجتماعات عامة في جميع القرى، وانتهت هذه النقاشات إلى اتخاذ موقف الرفض لهذا المشروع. ومؤخّراً قام الجولانيون بتأسيس «الحملة الشعبية للتصدي لمشروع المراوح في الجولان المحتل»، التي تضم هيئات ومجموعات وأفراد معنيين بالأمر، كجمعيات الريّ الثمانية عشرة الفاعلة في الجولان ومزارعيها، وأخصائيين في القانون وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المهندسين والمعنيين بالصحة والسياحة والأكاديميين ونشطاء وناشطات المجتمع المدني.

وثمة رابط يجمع هذا المشروع بالاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلّ في رأيي، لأنه لا يمكن فصله عن التصعيدات التي جاءت قبله في السنة الأخيرة بشكل خاص، والتي تُوّجت أخيراً بالاعتراف الأميركي. كما لا يمكن فصل الاعتراف، والتصعيدات في السنة الأخيرة، عن تاريخ الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وطرق عمله، إذ تعتاش إسرائيل على موارد الجولان الطبيعية، وهو ما يتجلى عبر استيلاء المستوطنين على مساحة 100 ألف دونم من الأراضي الزراعية السورية، تستغلها مستوطناتهم المقامة على أنقاض القرى السورية المهجّرة منذ عام 1967 للزراعة. وتمت مصادرة ما تبقى من الأرض بحجة أنها من «أملاك الغائبين»2، وإقامة محميات طبيعية ومناطق عسكرية مغلقة لتدريب جيش الاحتلال عليها. وبعد حساب، نرى أن سوريي الجولان الباقين في القرى الخمسة يملكون اليوم فعليّاً فقط 5% من أرض الجولان السوري المحتل.

تعمل إسرائيل بصفتها استعماراً استيطانيّاً، على مبدأ الإبادة بهدف الاستبدال، بحيث تحتل الأراضي بالقوة، تهجر أهلها وتصادرها، وبعدها تبني فوقها المستوطنات والمشاريع الصهيونية الاقتصادية والسياحية، وبهذا تمحي تاريخ المكان وتغيّره، محاولة تحويله إلى «إسرائيلي» منذ الأزل3. ويبدو واضحاً أن مشروع المراوح الجديد هذا هو تجسيد لهذه الآليّة الاستعماريّة، وتجسيدٌ لمزاعم ضمّ الجولان. وفي هذه الأيام، تشرع الحملة الشعبية بخطوات الاحتجاج ضده، التي من المرجح أن تتطوّر إلى حد تجدّد الاشتباك المباشر بين الجولانيين والاحتلال مرة أخرى.

أمّا بالنسبة لاعتراف ترامب، فلا نعلم بعد بشكل دقيق ما هو تأثيره الفعليّ والمباشر على أرض الواقع في الجولان، فالاحتلال يعمل بشكل بطيء ومتروٍ وخفيّ، أمّا ما نراه من جانبه حالياً فهو انتشار أوسع لجيشه في قرى الجولان ومحيطها، إعلاناً عن تأهّبه لمواجهة أيّ احتجاج شعبيّ. لكن ما نستطيع أن نكون واثقين منه حتى الآن، هو أن هذا الاعتراف سيفتح الأبواب للاستعمار عن طريق الاقتصاد، المتجسد حالياً بمشروع المرواح، الذي كانت السلطات مترددة بعض الشيء في إقامته بسبب الحملة الشعبية ضدّه، إذ أن الاعتراف سيعطي دفعةً لتصعيد كبير في الاحتلال الاقتصادي الرأسمالي، لأن الشركات الأميركية باتت تستطيع بناء مشاريع مختلفة في أرض الجولان، دون أن «تخرق القانون الأميركي».

تتنوع ردّات الفعل الجولانية المحلية على الاعتراف الأميركي بين اللامبالاة وبين الخوف والهلع، ولكن لا شك في أن الشعور بالتهديد الوجودي بات أكبر من ذي قبل، لا سيما في السنة الأخيرة. وقد نفذّت الزعامات «التقليديّة» متمثّلة بالشيوخ4، تظاهرة يوم الثلاثين من آذار في قرية بقعاثا، رُفع فيها علم النظام وأعلام الطائفة الدرزية، إضافة إلى لافتات ترفض الاعتراف وتؤكد على سوريّة الجولان. أما في مجدل شمس، فقد قام بعض النشطاء المؤيدين لنظام الأسد بالدعوة لاعتصام ضد الاعتراف الأميركي، حضر فيه عددٌ قليلٌ جداً من الناس. وعلى خلاف الحراك ضد الانتخابات، الذي حضر في مظاهراته الآلاف من الجولانيين والجولانيات، ولا سيما من الشّباب، فإن هذه التظاهرات التي تُقيمها الهيئة الدينية أو المؤيدون للأسد لا تلقى اقبالاً، ونكاد لا نرى فيها شاباً أو شابّة واحد\ة. على سبيل المثال، فإن الحراك الشبابي في الجولان المحتل لم يشارك أو يتعامل أو يدعو للمشاركة في أي من هذه التظاهرات.

على ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الأغلبية العظمى من أبناء وبنات الجولان المحتل قد ضاقوا باحتلال الأقليّة المؤيدة للنظام للساحات العامة، وسئموا خطاباتهم ووجودهم وما يمثّلونه، واحتكارهم للموقف السياسيّ والأفكار، وهو ما بدا واضحاً في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيّام الأخيرة.

ربّما آن الأوان، أخيراً، لأن تقوم الأغلبيّة الصامتة، والشباب الجولاني الذي يبحث عن وطن حرّ وديمقراطي ينتمي إليه وليس عن تماثيل دكتاتور مجرم يعبدها، باستعادة الساحة والحيّز العام، فمن المستحيل أن يكون هناك أي موقف جماعي أو احتجاج شعبي موحد تُرفع فيه صور المجرمين وتُلقى فيه الخطابات المهترئة الكاذبة. هذا ما يعيه الحراك الشبابي الجديد جيداً، وهذا ما يهدف إليه.

«ما في للأبد» هو شعار يتجسد حيّاً في الجولان المحتل، في مواجهة الاحتلال الصهيوني والأسد معاً، وها نحن نشهد نسخة أخرى من شعار «رح يقع»، في مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قنيا.

  • 1. الناشطون المعارضون للنظام في الجولان يرون أن العلم الرسمي هو علم النظام، وأنه لا يمثل علماً وطنياً جامعاً، لكن الوصول إلى صيغة تتضمن عدم رفع صور بشار الأسد كان إنجازاً مهمّاً على طريق وحدة النضال ضد الاحتلال، وذلك في سياق الوضع الراهن الضروريّ الذي فرض التوصّل إلى حلول وسطيّة آنيّة.
  • 2. قانون إسرائيلي استُعمل في النكبة الفلسطينية عام 1948 أيضاً، وهو يشرّع المصادرة والاستيلاء على الأراضي «المهجورة» بشرط أن لا تكون مملوكة ليهود.
  • 3. للاستزادة حول آليّات ومعطيات الاستعمار الاقتصاديّ في الجولان المحتل، انظروا مقالة الكاتب الجولانيّ أيمن أبوجبل في موقع جيرون: «إسرائيل» تعتاش على كنوز الجولان الطبيعية.
  • 4. هنا من المهم الإشارة إلى عدم موافقة جميع الشيوخ على أفعال الهيئة الدينية الرسمية، وهذا ما اكتشفتُهُ مؤخراً في خيمة الاعتصام ضد الانتخابات الإسرائيلية، وهو أن بعض الشيوخ الدروز، وبالأخص الشّبّان منهم، يقفون ضدّ الموقف العام للهيئة الدينية في الجولان، التي تؤيد نظام بشار الأسد.